الإثنين , 5 ديسمبر 2016

تهافت الزعامة..

الكاريزما وصف يطلق على الجاذبية والحضور الطاغي الذي يتمتع به بعض الزعماء، ويُقصد به القدرة في التأثير على الآخرين، والكاريزما تعتبر سلطة فوق العادة، تُختزل في شخصية تثير الولاء والحماس، وهو مصطلح يرجع لأصل يوناني وتعني الهدية أو التفضيل الإلهي، وعادة يتم ربطها بشخصية لها قدرات غير طبيعية في القيادة والإقناع وأسر الآخرين، كما أنها تمتاز بالقدرة على إلهام الآخرين عند الاتصال بهم، وجذب انتباههم بشكل أكثر من الطبيعي.

قد كان البحث عن هذه الشخصية مطلبا ضروريا لأصحاب الدعوات المغلقة، وقد كان لها دور كبير في نشر بعض الأفكار التي تحتكر الحقيقة، فعلى سبيل المثال نشر الزعيم لينيين الشيوعية، وقلب هتلر المفاهيم في ألمانيا، وقذف موسوليني بإيطاليا في الفاشية، وكان للخميني دور غير عادي في سرقة الثورة الإيرانية من الزعماء الآخرين. كذلك كان لها وجود طاغي في تاريخ العرب والمسلمين، لكني أعتقد أن هذه الشخصية لم يعد لها مكان في القرن الجديد و كان العرب آخر ضحاياها، فقد تضاءلت جاذبيتها ولم تستطع مجاراة الإعلام الجديد، والذي صار منبرا لكل الناس، لتختفي الأسماء وتبقى الحقيقة ساطعة في وضح النهار.

لذلك أستطيع القول بتجرد أن المنطقة العربية تجاوزت أزمة الهوس بالشخصية ذات الكاريزما، والتي تسيطر بسحر بيانها على حركة الشارع، وقد كان لهذه الشخصية صولات وجولات في تاريخ العرب الحديث، وكان أبرز نجومها الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس العراقي السابق صدام حسين، فقد كانوا يجيدون استعمال الكلمات، ويحسنون شد انتباه الجماهير، لكن يبدو أن هذه الشخصية فقدت تأثيرها على الناس.

ظهر ذلك الفشل في خطابات العقيد القذافي الأخيرة، الذي يقدم نفسه على أنه الزعيم الجماهيري، كذلك خرج من التيار الديني من يحاول تأجيج الشارع من خلال الخطاب الحماسي، ولعل أبرزهم زعيم القاعدة أسامة بن لادن. والذي أكثر من استخدام سحر البيان واستغلال بلاغة اللغة العربية في نشر دعوته للخروج المسلح، لكن الشارع لم يخرج في مظاهرة شعبية من أجل الانتصار لنداءاته، لكن يبدو أن أفكاره وجدت لها قبولاً في العقول المهيأة للتطرف.

كان أبرز عامل مؤثر في الخروج الشعبي للشارع هو الأحداث والأحوال المؤثرة، فمأساة الشاب خالد سعيد حركت الشارع المصري، والذي ضُرب حتى الموت، لتنتشر قصته المأساوية بين الشباب، وتحرك ضمائر الجماهير، وتكسر حاجز الخوف، وتبدأ قصة التمرد على السلطة في مصر، كذلك كانت مأساة الشاب البوعزيزي في مصر أكثر تأثيرا من كل الخطب الحماسية في تاريخ العرب، لذلك كل الدلائل تقول إن التغيير حدث، فالموضوعية سيدة الموقف، ولم يعد هناك مكان للفرد الملهم والقادر على تحقيق المعجزات.

حدث التغيير في وقت زمني قصير، فنسبة غير قليلة عاصرت جيل الزعماء والخطب الرنانة، وعاصرت جيل الموضوعية والحراك الجماعي، ولعل الأحداث الجسام في المنطقة العربية ساهمت في إحداث التغيير السريع، فالعالم العربي مر في حقبات زمنية لم تخل من سمات الكارثة بكل ما تحمل من معنى، بدءاً من النكبة إلى النكسة، ومروراً بالثورة الإيرانية، وحروب الخليج، ثم قدوم العم سام بكل عداته وجواسيسه وخبرائه.

في إيجاز، لم يبق للكبرياء والغرور والغطرسة مكان في هذا العصر، وقد كان لها صولات وجولات في عصور التفرد والتوحد العربي، فقد كان المواطن يشكو من تباعد المسافة بينه وبين المتسلط، ويخشى من ردود أفعاله من قراراته المنفعلة، كذلك فقد التهديد والعنف والعنف المضاد قدرته في تغيير المواقف، وخرجت الموضوعية والشفافية والمصداقية مع الناس كأهم وسيلة لكسب ثقة الشرع وللاتصال مع الناس، لذلك على السلطات التقليدية أن تدرك أهمية مراجعة النفس واستخدام وسائل النقد الذاتي ثم الخروج بمظهر يتلاءم مع متطلبات العصر الحديث.

-- صحيفة الجزيرة:عبدالعزيز السماري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*