الإثنين , 5 ديسمبر 2016

جدي …والغرب….

     تُتخذ اللغة ومفرداتها اليوم دليلا على حال الأمة، فاللغة هي إحدى المحددات لشخصية الأمة، وكما تُحدد اللغة أفق مستعملها وحاله، فاللغة المتداولة في مُكنتها أن تكشف لك بلفظها المستعمل حال أهلها، وما يمرون به، إنّ اللغة تُعرب عن أهلها همومهم، وظروفهم، ومستقبلهم، ونظرتهم، إنها إحدى الوسائل التي تُرْسَم من خلالها خارطةُ عقل هذه الأمة أو تلك، إنها إحدى الشاشات التي نبصر على سطحها فضائلنا وسجايانا وأدواءنا وأمراضنا، إنها تحكي لنا بحق قصتنا كلها.

وما دامت اللغة تنقل لنا أجواء الثقافة والفكر عندنا، فإنها تتلّون حسب حالنا، وما دمنا في أحوال متغيرة، وأطوار متباينة، فإنّ لكل حال لبوساً لغوياً، ولكل طور معجما لفظيا، وإذا كنا نقول: إن لكل عصر رجالا، فإني أقول: إن لكل عصر كلاما، وإذا كان البلاغيون يقولون: إن لكل مقام مقالا، فإني أقول: إنّ لكل عصر مقالا، ولعل من حقي أيضا أن أقول: إنّ الناس أشبه بلغاتهم منهم بآبائهم وأجدادهم! فلغتك مرآتك التي لا تخيب، وما دامت اللغة لك كذلك، فامتك في حالها مع اللغة لا تختلف عنك.

إنّ المعجم اللغوي ينشر غسيلك، وإن كنت تستميت في إخفائه وستره، ونحن والأمم في أحوالنا مع اللغة كالمجرمين معها، تظهر على ألسنتنا عيوبنا التي نجهد لإخفائها، وطمس الدلائل عليها، يشهد بها علينا معجمنا اللغوي، فهو إما أن يكون أمارة روعة وإنتاج وإدهاش، وإما أن يكون علامة خفوت واستهلاك وإزعاج.

من صفات معجمنا اللغوي اليوم الحديثُ عن تراثنا ورجاله، فهم كانوا وكانوا، بتراثنا وصُنّاعه نواجه ثقافة العصر، إننا نتخذ اليوم من التراث ورجاله محامين لنا، نقف قائلين له: هم قد سبقوك، أيها الغرب، وقالوا كما قلتَ، إنني حين أتأمل في لغتنا يوم أن ندخل في صراع فكري مع الغرب، أرى الحضور في قاعة المنافسة العالمية، وهي الكرة الأرضية، لرجال الغرب المعاصرين، الذين يعيشون بين أهليهم، ويطرحون كل سنة كتابا ومؤلفا، مداره على ثقافة العصر وروحه، وأنظر في وجوه ممثلينا، فأرى عليهم العمائم والقلانس، إنهم أجدادنا الماضون، الذين كانوا لسان عصورهم، وصوت ثقافتهم، بعثناهم ليقفوا في مواجهة أعداء، ما كان لدينا الوقت للاستعداد لهم، والقيام بمناضلتهم، هكذا يدفع المتقدم ضريبة تكاسل المتأخر! وهكذا يدفع التراث ضريبة نومه!

إنّ منظومتنا اللغوية، ومعجمنا اللغوي، يشيران بجلاء إلى أنّنا نعيش حالة غياب عن المعارك الدائرة على ساحة الحضارة والثقافة، هذه حالنا اليوم مع هذا العصر، إنها الغياب الذي لا يضفي على المشهد شيئا، ثمة غياب يحدد دلالة الحضور، ويُعين في تشكيل الصورة؛ لكن غيابنا عن حلبة المنافسة لا يرسم معنى، ولا يحدد فهما، إنه غياب سلبي لنا نحن أهل هذا العصر، خرجنا من الميدان، وألقينا ذكريات الماضي ورجاله فيه؛ ليقوموا بما عجزنا عنه، وعن الاعتراف به.

لست هنا أتحدث عن ماضينا، أنا هنا أتكلم على شيء أراه خطرا علينا وعلى ماضينا، إنه التسلح به في مواجهة هذا العصر، من دون أي فعلٍ نقوم به، من دون أي جهد نعينه به، سوى الكلام عنه، ومديحه وإطرائه، وكأننا اكتفينا بإطراء تراثنا ورجاله عن القيام بما كان واجبا علينا، إنني أحب أن أنظر إلى نفسي مجردا عاريا من الماضي، إن استصحاب الماضي مع اختلاف اللعبة المعرفية، وتباين المعادلة الفكرية، وتغير الحال، إضرار بالماضي نفسه، الذي يدفعني إلى وضع تراثي في موقف محرج، هو أنني لست قادرا على الاعتراف بعجزي الراهن، لست قادرا على المصارحة والمكاشفة، وربما كنت ناسيا أنّ علي أن أقوم بدور ما، فلقد بقيت دهرا، وأنا استصغر نفسي أمام تراثي ورجاله، وحين جدّت اللعبة لم أكن قد تهيأت، فلم يبق أمامي من حل عدا أن أُجابه الحياة بتراث، بدأت أراه اكتسب القداسة كالنص، فما دام النص صالحا لكل زمان ومكان، فما بال التراث المبني عليه! إنهما شيء واحد!

إنّ استصحاب الماضي ظلم له، دعانا إليه فقر الحاضر، هكذا يضحي فقرنا جناية على ماضينا، وليس علينا وحدنا، إنني حين أرانا نحضر الماضي ورجالاته مع ما يجتال في العصر أشعر كأني أدفع بجدي الوقور في حلبة مصارعة مع رجل فتي مفتول العضل، فما تراه يصنع به؟.

إن تراثي الحافل كجدي سيضيع في معركة ما أُعِدّ لها، وأنا الفتى الذي كانت المواجهة من واجبي بقيت أتفرج على مآل جدي، ثم دخلت في نفق أخطاء جلبها علي عدم معرفتي بأساسيات الصراع، لقد تنبهت لخطئي في إدخال جدي، فبدأت في تسويغ ما قمت به، ورحت أُري من حولي أنّ ما صنعته كان منتهى العقل، وغاية الحصافة، فازددت هربا من العصر ومواجهته، وزادت الحال سوءا، والجد عقوقا، أهذا جزاؤه بعد أن قدم كل ما في طاقته! ما لمثلي حينئذ إلا أن ينادي بأعلى صوته: ما أعظم بري بجدي! ما أعظمه!

لقد أدركت أن المنتظر مني أن يكون عنوان المقال: أنا والغرب، لكن عشقي للهرب، زجّ بي إلى ما ترون، فوضعت جدي في لافتة المقال، بددت جهده وشتته حتى في عناوين المقالات حين حشرته، وما زلت أحمله – على كبره – على كتفي لمنازلة الرائح والغادي من الفتيان، لك الله يا جدي، لك الله! هذا مصيرك حين اجتالتني ثقافة الهروب!! التي صنعت لي شغلا، فيما لم يكن لي فيه شغل.

أيها الأخوة ليست بيننا وبين الغرب الآن مواجهة، ما زلنا بعيدين عن ذلك، إنّ المواجهة بين تراثنا والغرب، بين أجدادنا وفتيانهم، ونحن في الظل، إننا لم نحسن التعلم، ولم نفهم العصر حقا، فاتجهنا إلى أجدادنا كي يقوموا بما قدّموه بمواجهة قوم، كنا أحرى بمواجهتهم، فما بالكم بقوم يغلب على ثقافتهم الهروب من المواجهة؟ يقال لهم: انطقوا أعربوا عن أنفسكم، فيركضون بحثا عن أقوال الأجداد حتى تتحدث عنهم، وتحامي عن حالهم! إن ثقافتنا اليوم فيها طبع من نسائنا، إنها كالعذراء في خدرها! لكنها تختلف عنهن؛ إذ هي تقف – مع حيائها عن المواجهة – بصرامة في طريق كل أخ، يبذل جهده في إخراجها من هذا الخدر البئيس!

-- الرياض:د. ابراهيم المطرودي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*