السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القراءةُ التآمريَّة والقراءةُ التفاعلية..!

القراءةُ التآمريَّة والقراءةُ التفاعلية..!

لمَّا ضاق أحد المفكِّرين ذرعاً بخصومه الذين يتسلّلون إلى ثغرات التأويل ويستنجدون بآليات التفكيك، ليوهنوا عزماته ويغتالوا سمعته ويجيشوا عليه العامة، بدافع التنافس غير السوّي صاح بهم قائلاً: «اقرؤوا ما تحت السطور وإياكم تقويلي ما لم أقل»

….. وكم من ناهض بالحق وإلَيْه خانه سوءُ التعبير وصَفَّتْ سمعته صيحةُ العامة وتربصُ الخصوم غير الشرفاء.

والحضارة الإسلامية كأي حضارة تلتهم ما حولها وسعت أشتات المذاهب والتيارات والطوائف والأهواء، والملل والنحل المتصارع عليها من أجل الحق أو من أجل الانتصار لوجه الله أو لوجه الشيطان، ولم يخل فريق من كَذَبَةٍ متعصبين أو نفعيين يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه ويفترون الكذب، ولو أنّ أهل كل نحلة دفعوا بخطابهم، وقالوا كلمتهم ومضوا لشأنهم على سَنَنْ: «بلِّغوا عني ولو آية» لأصبحت الحضارة مجالاً خصباً لإنتاج الفكر الحي والحكمة البالغة، ولكن أنى للمتمنّي مثل هذه الحياة الهادئة الهانئة المطمئنة التي تفور بالماء الغدق والظل الظليل. والمغرمون بالقراءة يتعلّلون بقول الشاعر:

«إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ********ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربه»

فالآراء الضالة والأهواء المضلّة والافتراءات الكاذبة تحتنك قول الحق، ومن المأثور الاستعاذة من جَلَدِ الفاجر وغفلة المؤمن، وما انتصر الباطل إلا بتقويل المحن وتحريف قوله والتوسّل بكل مستويات القراءة ومناهج النقد لتطويع النصوص وتمكينها من إنتاج المراد، وللمرتاب أن ينظر إلى «الزمخشري» كيف انتصر لمذهبه الاعتزالي باستخدام آليات البلاغة لإجهاض النصوص وتحميلها ما لا تحتمل، ودعك من المفسرين الآخرين الذين أوغلوا في التصوف أو التشيع وسائر الملل والنحل، ومن ذا الذي يتوقع السلامة من القراءات التآمرية.

فالقرآن الكريم لم يسلم من ذلك، هذا فضلاً عن أنّ تحاسد العلماء من الظواهر الشائعة في التاريخ الحضاري، ولا يذكي حماس الفرق إلاّ الأشياع والأتباع وأنصاف المتعلمين والأحداث، وقد يستغل الأضوائيون والنفعيون هذا الحماس غير الرشيد بحيث يكرّسون الانتماء والتعصب الأعمى بالتأليف في المناقب والمثالب، ويتعمدون تصنيم الأشخاص والارتفاع بهم عن مستوى المساءلة والنقد وتجريم من سواهم، ولقد تذهب بالبعض مذاهب الادعاء العريض فيدعي أنّ طائفته هي الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ومسألة الطائفة المنصورة من مسائل الجمهور، فقد أخبر بها وعنها من لا ينطق عن الهوى، وليست لنا الخيرة فيما صحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإيماننا بالخبر الصحيح إيمان لا مزايدة فيه، فنحن نؤمن بقيام هذه الطائفة وبقائها، فالمبلغ عن الله يقول: «لا تزال طائفة» وعدم الزوال يعني البقاء والاستمرار. ويقول: «ظاهرة على الحق» وهذا يعني القوة والانتصار.

ويقول: «لا يضرهم من خذلهم» وهذا يعني أنها لن تسلم من التخذيل والمخالفة، كل ذلك حق لا يماري فيه إلاّ جاهل أو مكابر، غير أنّ احتكار ذلك على طائفة قائمة أو أهل بلد محدد كما قيل إنهم أهل الشام ومناصبة الطوائف الأخرى العداوة والبغضاء فكل ذلك فيه نظر، فالإنسان يختار المذهب أو الطائفة، وقد يولد في أجوائها ثم يتلبس بها تقليداً لا اختياراً، معتقداً أن طائفة الانتماء هي الفرقة الناجية وهو اعتقاد تقليد لا استبانة ولا اقتناعاً، وأقل ما يوصف به هذا الادعاء أنه حق من حقوقه، ولكن ليس من حقه أن يتبع هذا الادعاء مناصبة الآخرين العداوة، ولا أن يكيد لهم فذلك سبيل الفشل وذهاب الريح، وإذ شرذمت الأمة الإسلامية إلى دويلات ضعيفة فإنها في سبيل الشرذمة الطائفية.

لقد وقفت على تلاحي الفقهاء والمحدثين وإصرار كل منهم على أنهم وحدهم المقصودون بالفرقة الناجية كما تلاحوا حول المقصود بالعلماء الذين يخشون ربهم، ويقيني أنّ أهل السنّة والجماعة بمفهوم المصطلح الواسع أقرب إلى الأمة المنصورة، لتمثلهم الكتاب وصحيح السنّة، والتزامهم بذلك، ولا عبرة بالاختلاف القائم بينهم فسيّان عندي الاختلاف في الفروع وإنما الإشكالية في الاختلاف غير المعتبر والاختلاف العقدي واختلاف المرجعية والتعويل على القراءات التآمرية التي لا تبقي ولا تذر لأي دلالة يحتملها النص، على أنّ مثل هذا الاختلاف إذا كان ناتج اجتهاد سليم وتأول محتمل مع اتحاد في المرجعية وخلوص من البرمجة المذهبية، فإنه يظل في إطار المقبول أو المتسامح معه على الأقل، كاختلاف السلف مع الأشاعرة أو الماتريدية.

واختلاف علماء الحديث في التصحيح والجرح والتعديل واختلاف الفقهاء، إذ من السلف وأهل الحديث من هو على المذهب الأشعري كأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، وأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وهذان العالمان الجليلان معدودان من أهل الحديث، والمتواتر عند العلماء أنّ أهل الحديث هم الفرقة الناجية والقول بهذا دون تعصب أو تعنت له مبررات واقعية، فأصحاب الحديث ليست لهم شطحات بعض المفسرين والمؤرّخين والفقهاء والفلاسفة والمتصوّفة والباطنية، ولست هنا مبرراً ولا متعصباً ولكنني راصد ناقل، فبعض الأحكام تأخذ سمة الاستفاضة، ولقد يأنس بذلك من له إلمام بتاريخ الحضارة ومن هو على علم بما تركه التنازع من أثر سيئ على لحمة الأمة وتماسكها.

وكلما أحس المتابع بالبعد عن مقاصد الشريعة، تلمس مذهباً يتحقق من خلاله الارتباط المباشر بالنص التشريعي وبالمقاصد الإسلامية القائمة على تغليب المصلحة والتيسير ومسايرة العقل، وبما كان عليه سلف الأمة، فلا يجده صافياً نقياً إلا عند المرتبطين بالنص المجرّد من أي إضافات، ولقد يكون أهل الحديث هم الأقرب لأنهم يحرصون على نفي تراكم التأويلات الجائرة، ولأنهم الألصق باللغة ودلالاتها، وخلوصهم من القراءة التآمرية يتأتى من القصدية الدلالية، ومن الاهتمام بتحرير المسائل وتأصيل المعارف والتعرف على نقلة النصوص من خلال ضوابط الجرح والتعديل، وكل هذه الضوابط تحول دون الجور والتحامل وتحريف الكلم عن مواضعه، ولقد تتّبعت سير أعلام النبلاء وكتب الطبقات والمناقب، فوجدت هذا الصنف من العلماء أكثر توازناً واتزاناً، وكم كان بودي لون المترددين قرؤوا بعض تراجم هذا الصنف من العلماء.

 وليكن على سبيل المثال أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والمصنّفات الحديثية كافة، ليقفوا على طائفة من علماء السلف الحريصين على براءة الذمة وسلامة المقاصد، والانطلاق من النص بكل نصاعته والبُعد عن التأويلات الجائرة والمماحكات الفارغة والتعصب المقيت، والأمة الإسلامية بما هي عليه من ضعف وتشرذم وإعجاب كل ذي رأي برأيه وتكاثر الرويبضات، بأمسِّ الحاجة إلى استغلال القواسم المشتركة والتخلي عن المراء والجدل العقيم، ولا يحسم الخلاف ويقرب وجهات النظر إلا الرجوع إلى النص المحرَّر من كل إضافة. وهذه الصيرورة تحقيق للرد إلى الله والرسول وخلوص من تراكم القراءات التآمرية التي حمل عليها التعصب المقيت للمذاهب، ومؤدى الانصياع لتناسل المذاهب والأيديولوجيات، يفرض على المشاهد مثل هذه القراءات غير الرشيدة وهي قراءات فرقت الأمة وحالت دون الارتباط بنص الخطاب القطعي الدلالة والثبوت، فالرجوع إلى القرآن وصحيح السنّة عين الرد المأمور به، ولقد يكون هناك اختلاف في المفاهيم وإن عدنا معاً إلى النص.

فالذين من قبلنا انطلقوا من النصين وكان هناك اختلاف، وتلك حجة يتعلل بها أسرى المذاهب، ولها شيء من المشروعية ولكنها مشروعية مفضولة بالتجربة والخبرة، فالتجديد الذي بشّر به الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس كل قرن، لا يتحقق إلا بالرجوع إلى منهج السلف الصالح، والعلماء الذين اجتهدوا داخل مذاهبهم نفوا كثيرا من تراكمات الأخطاء والأحكام المفضولة، وعلى ضوء ذلك فالرجوع إلى الكتاب والسنّة وطلب رئيس لكل مذهب مهما ادعى أصحابه سلامة مقاصدهم، وفصل الأمة عن القرآن وصحيح الحديث بمنجز المذاهب يكرّس الفرقة ويعزز التنازع، وذهاب كل نحلة برأيها تفرض القراءة التآمرية وتجعلها سيدة الموقف إذ كل نحلة تحكم نسيج حماها بتشويه مقاصد الآخر، ولن يتحقق الانتصار إلا بهذا اللون من القراءات.

لقد قيل عن علماء أجلاء ما لو صدق بعضه لكانوا خارج الملَّة وما على المتردد في قبول هذا التوقع من القراءات الآثمة، إلاّ أن يقرأ ما يقوله خصوم (ابن تيمية) و(ابن عبد الوهاب) ثم ليقرأ ما قالاه في كتبهم مما قد يتفق مع ما يعتقد خصومهم، والذين ينالون منهم تقليداً لو قرؤوهم لكانوا لهم تبعاً، وكل ذلك ناتج القراءة التآمرية التي فرضتها المذاهب.

ونحن هنا لا نتطلع ولا ندعو إلى إسلام بلا مذاهب كما ذهب إلى ذلك الدكتور مصطفى الكعة رحمه الله وأثار بقوله هذا كل المذاهب، ولكننا ندعو إلى مذاهب متصالحة مذاهب قادرة على إعادة المراجعة والقراءة لما توصلت إليه مما هو مخالف لرأي الجمهور وإجماع الأمة ومنهج السلف الصالح على سنن الإمام الشافعي رحمه الله الذي قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وسنن الإمام مالك رحمه الله الذي قال: «كلٌ يؤخذ من رأيه ويترك إلاّ صاحب هذا القبر» وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولما كان القرآن الكريم هو القول الفصل، فقد حاول أصحاب الأهواء وأساطين القراءات التآمرية الالتفاف على دلالاته القامعة لأهوائهم، وذلك بإجهاض آياته البيّنات لتكون ظهيراً لما يذهبون إليه، ولقد يجدون في النص الحمّال ملاذاً لتبرير أقوالهم. وفي سبيل قطع دابر القراءات التآمرية، وضع علماء التفسير ضوابط وشروطاً للمفسرين، غير أن بعض القراء يضربون صفحاً عن تلك الضوابط ومن ثم يكون استنباطهم معوجاً.

واختلاف المفسرين بضوابطه لا يكون من المحظور فالاختلاف متوقع لأنّ هناك اختلافاً في وجوه الإعراب وفي المعاني واشتراكاً في الألفاظ كما أن هناك خصوصاً وعموماً وإطلاقاً وتقييداً وحقيقة ومجازاً وإظهاراً وإضماراً وسياقاً وتقديماً وتأخيراً ومحكماً ومتشابهاً وناسخاً ومنسوخاً، واختلافاً في الرواية صحةً وضعفاً، ولكن علماء الأصول أحكموا وجوه الترجيح ورتبوا مراحل التفسير وأفضلياته من تفسير للقرآن بالقرآن ثم بصحيح السنّة وأقوال الصحابة وإجماع الأمة.

ولن يحسم الخلاف ويجهض القراءات التآمرية إلا البحث عن الحق واعتباره ضالة المؤمن والإلمام بمصادر التفسير وكبح جماح الهوى والتعصب المقيت والولاء للحق لا للرجال.

-- صحيفة الجزيرة:حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*