الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إنه "ماديبا" أيها الثوار

إنه "ماديبا" أيها الثوار

يقول مانديلا: عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً

الثورات العربية لا تزال في بداية مشوارها، ولديها الكثير من السلبيات التي يجب أن نلتفت إليها الآن قبل فوات الأوان وخراب الديار، فالوضع العربي الراهن يجعل من الصعب التكهن والاستنتاج في ظل هذا السباق الزمني للأحداث في منطقة الشرق الأوسط، لكن من المؤكد أن ثمة أسبابا رئيسية لهذه الثورات الجامحة من الغرب إلى الشرق التي لم تتوقف إلى هذه اللحظة.

 ولعل السبب الرئيسي الذي يتفق عليه الجميع هو الظلم والاستبداد. ومن هذين المنطلقين أجدني غير محرج من القول إن الظلم الذي عانى منه الشعب الجنوب أفريقي والاستبداد الذي حصل له لا يمكن مقارنته مع البلدان العربية مجتمعة. أقول هذا الكلام لأني عشت في جنوب أفريقيا واستمعت إلى معاناة ذلك الشعب الذي تغلب على نزعاته الإنسانية الانتقامية من أجل بناء وطن متماسك، بخلاف زمبابوي التي جعلت من الانتقام سبيلا لها، فحصلت على ما أرادت من الانتقام لكنها خسرت بناء الدولة والإنسان.

 أنا لست مناضلا ولا سياسيا وقع تحت قهر الاستبداد والظلم، لكنني أجزم أن الجميع يتفق معي على أن مانديلا الذي احتفل الاثنين الماضي بعيد ميلاده الثالث والتسعين مناضل ضد الظلم والاستبداد من الطراز الأول، قضى كل حياته في النضال والبناء والتسامح! معادلة صعبة بالفعل، لأن نتيجة الظلم هي الانتقام عادة، لكن تحكيم العقل ومصلحة الشعوب هي الأصعب!

 الأسبوع الماضي بعث الرئيس مانديلا برسالة إلى الشعوب العربية لم تأخذ حظها في التغطية نتيجة حساسية المرحلة وخوف البعض من الخوض في تفاصيلها، لكني لا أجد غضاضة في استعرضها والتوقف عندها.

نيلسون مانديلا مناضل من الدرجة الأولى قل أن يوجد له مثيل في واقعنا المعاصر..

صاحب قيم ومبادئ راسخة، أمضى ستة وعشرين عاما في السجن يناضل من أجل الحرية، صاغ هذه التجربة بكاملها في كتابه الشهير (المسيرة الطويلة من أجل الحرية)، وهو كتاب حكى فيه جزءاً من هذا النضال الكبير فأصبح الكتاب مدرسة يستلهم منها أصحاب المبادئ طريقهم للصبر والتضحية. قابلته لمرة واحدة، وعندما تراه وترى حب الناس له تتعجب لأول مرة من سر هذا الحب، لكن عندما تعرف بساطته وطريقة مقابلته للعامة عندما كان رئيسا وبعد أن ترك الرئاسة بمحض إرادته…

يقول في رسالته الموجهة للعرب:

 (أحبتي ثوار العرب.
 ما زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يوماً مشمساً من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف عام.
 خرجت إلى الدنيا بعد وُورِيتُ عنها سبعاً وعشرين حِجةً، لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد. ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو:

 كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟

 أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير، وهو سؤال قد تحُدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم.

 إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

 فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي.

 أو على لغة أحد مفكريكم – حسن الترابي- فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل.

 أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس يشي بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء، كما يبدو لي أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وتبكيت كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة.

 ذاك أمر خاطئ في نظري.

 أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج، فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازن. أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي.

 إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن

 عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم، وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة..)

 أي منطق إيجابي يتحدث عنه مانديلا؟.. إنه (ماديبا) كما يحب أتباعه أن يسموه.

-- الوطن أونلاين : خالد عبدالله المشوح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*