الجمعة , 9 ديسمبر 2016

اليمن.. إلى أين؟

 

أحداث درامية تتتابع سريعاً في اليمن، مظاهرات لا تكل ولا تمل، الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تعرض لمحاولة اغتيال لم تنجح، المعارضون بدؤوا الدخول مبكراً في مرحلة الخلاف بعد أن بدأت في اليومَيْن الماضيَيْن فئات منهم تعلن تشكيل مجالس وطنية لحكم البلاد. هذه الأحداث تتكشف في الوقت ذاته الذي ينشط فيه تنظيم القاعدة الإرهابي لإحكام قبضته على البلاد.

اليمن إذن منقسم، والخوف أن يتقسم؛ فالشعب منقسم، ولربما محتار ما بين مؤيد ومعارض للرئيس علي عبد الله صالح. أيضاً العالم كله بما فيه الدول العربية منقسمون حول ما يحدث في اليمن ما بين مراقب ومتفرج، ومؤيد على مضض، أو معارض باستحياء.

المعارضة اليمنية تريد التغيير، تطالب برحيل الرئيس علي عبد الله صالح وجميع رموزه السياسية. نعم، هم يعتقدون أن الرئيس اليمني أطال في زمن حكمه، ووصلت سياساته التنموية والإصلاحية إلى طريق مسدود.

أما مؤيدو الرئيس علي عبد الله صالح فهم يؤكدون أنه الرجل الذي تمكَّن من توحيد اليمن، ومضى بها في طريق التنمية والتحديث، بل ونقلها في السنوات الماضية من مرحلة التخلف إلى مرحلة النمو.

هنا، من الواضح أن القسمة قد يراها البعض عادلة ومنصفة من مختلف النواحي السياسية والاجتماعية؛ فاليمن مجتمع قبلي، ما زالت فيه مشاعر الولاء والانتماء القبلية تفوق مشاعر الولاء والانتماء الوطني لليمن بوصفه دولة، بل وتتخطى محاذير الولاء السياسي لليمن بوصفه وحدة سياسية مترابطة وموحدة.

بيد أن تلك القِسْمة لا يمكن أن يُكتب لها البقاء ناهيكم عن الاستمرار طويلاً؛ لما فيها من مخاطر سياسية وأمنية عظيمة تُهدِّد أمن واستقرار اليمن بل ورفاهية شعبه بعد تدني الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفضل عدم الاستقرار السياسي. اليمن إذن يترنح من جراء ثقل المشاكل السياسية والأزمات الاقتصادية، وخصوصاً من وطأة الفقر والجهل والمرض، وبالطبع الفساد.

الأمراض هذه التي تعصف بشعبه من كل حدب وصوب تتواصل ممعنة في تناقص الموارد وتجفيف مصادرها، وفي ندرة مصادر الرزق والعيش منابعها، بعد أن تفاقمت أعداد من يحتكرونها ويقسمونها على أقسام محدودة.

اليمن لا يختلف عن تونس، مصر وسوريا، فالمنطقة العربية بدورها تعاني مرحلة مخاض سياسي عقيمة لم تنتهِ حتى الآن منذ شهور طويلة، وتحديداً ما إن بدأت مرحلة ما يُسمّى بـ»ربيع الثورات العربية». انهماك معظم دول المنطقة في تطبيب الجراح التي أُلحقت بها بفعل فاعل من خارجها، وبمساعدة فئات محددة من مواطنيها من الداخل. هنا لا نقول إننا ضد هؤلاء أو مع هؤلاء؛ فالقول الفصل ليس لنا، وإنما للشعوب العربية.

هذا ما قد يفسر الحيرة العميقة التي انزلقت في متاهاتها بعض حكومات الدول العربية تجاه كيفية معالجة حالات المخاض السياسية الفجائية التي تواجهها من جهة، ومن الجهة الأخرى في كيفية الحفاظ على وسائل دعم ومساندة حكومات الدول الإقليمية والدولية، بل أيضا في حيرة المجتمع الدولي في طُرُق وسُبُل التعاطي مع الدول العربية التي تواجه انتفاضات ومظاهرات صاخبة.

إن ساندت الحكومات ونجحت الشعوب فلربما تكون القطيعة أو المماحكة السياسية والدبلوماسية مع الحكومات الجديدة. وإن ناصرت الشعوب ونجحت الحكومات فإنها لن تسلم أيضاً من سياسات تصفية الحسابات التي لا مفر منها ولا مهرب بعد أن تنفض عن كواهل الحكومات مخاطر تلك المرحلة. من الأفضل إذن التزام سياسة المراقبة والحياد في هذا الوقت المهول بعدم اتخاذ أي سياسة حيال ما يدور من أحداث درامية في تلك الدول العربية.

الحال ذاتها قد ينطبق على الدول الكبرى وبل والمجتمع الدولي برمته الذي بدوره في حيرة عظيمة مما يجري في بعض الدول العربية من حراك لمخاضات سياسية دراماتيكية لا يمكن التكهن بمنتجاتها ولا بمخرجاتها. فدعم أنظمة الدول قد تفقدها مستقبل علاقاتها مع حكومات الشعوب العربية القادمة، ودعم الشعوب قد تفقدها صداقات الحكومات الحالية معرضة للخطر مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في تلك الدول.

اليمن ينخرط بكل معنى وقول في هذه المعادلة العويصة نظراً لما يعتمل في أحشائه الاجتماعية والسياسية من مصادر خطر متطرفة وضعت بويضاتها فيه منذ أن غدا اليمن الوطن البديل لتنظيم القاعدة. ها هنا تصبح المعادلة أكثر غموضاً وخطورة؛ فالرئيس علي عبد الله صالح في اعتقاد الغرب هو الرجل الذي يثقون به في محاربة الإرهاب وتنظيماته في اليمن بل حتى في القرن الإفريقي.

لا مناص إذن من إثارة التساؤلات: كيف يمكن تخطي هذه العقبة الواقعية المنيعة؟ كيف يمكن إرضاء الشعب اليمني في الوقت ذاته الذي لا تتخلى فيه الدول الغربية عن حليفها القوي في اليمن؟ وكيف يمكن تفادي تورط سياسي وعسكري أكثر وأعمق في اليمن، البلد الذي تصعب السيطرة عليه من قوى الخارج، إن لم يكن يستحيل على أي دولة في العالم أن تفرض سيطرتها عليه؟ هذا ما يقوله التاريخ وتؤكده الأحداث والحقائق، فاسم واحد من أسماء اليمن في الماضي كان «مقبرة الأتراك».

لذا هل يترك اليمن لشأنه اليمني؟ هل يستمر العالم في التغاضي والتخوف والترقب؟ هل ينتقل اليمن قريباً إلى مرحلة جديدة؟ أم يبقى في المرحلة ذاتها؟ مرة أخرى، ذلكم شأن يمني يقرره أهل اليمن.

www.almantiq.org

-- صحيفة الجزيرة:د. وحيد هاشم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*