السبت , 3 ديسمبر 2016

البحرين ليست رهينة

ما هي الأسباب الحقيقية لانسحاب الوفاق من الحوار؟ وما الذي تخطط له؟

في مقال الأمس، تحدثت عن الأسباب والمبررات التي ساقتها جمعية الوفاق لتبرير قرارها بالانسحاب من حوار التوافق الوطني، وأوضحت كيف ان الوفاق لم تكن لا صادقة ولا امينة مع الناس حين ساقت هذه الاسباب، فليست هي الاسباب الحقيقية للانسحاب.
إذن، لماذا انسحبت الوفاق من الحوار؟

ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الانسحاب؟

محاولة الاجابة عن هذا التساؤل امر في غاية الاهمية، ليس فقط على سبيل الفهم والتحليل، لكن لسبب اهم واخطر.

ان فهم ومعرفة الاسباب الحقيقية لقرار الوفاق بالانسحاب من الحوار، سوف يكشفان عن جوانب خطيرة تتعلق بما تخطط له في المرحلة القادمة، من الواجب ان نحذر منها.

«الحوار» الذي تريده الوفاق

بداية، ليس سرا، بل هو امر معروف ومعلن، انه منذ ان اطلق جلالة الملك مبادرة حوار التوافق الوطني، ثم اوكل رئاسته الى الاستاذ خليفة الظهراني، ان الوفاق كانت غاضبة من المبادرة، ولم تكن راغبة أبدا في المشاركة في الحوار.

منذ البداية، اعتبرت الوفاق ان مبادرة الحوار، بالصيغة التي طرحت بها، وبالمشاركة الواسعة لقوى المجتمع المختلفة في الحوار، ليست في صالحها، ولا في صالح اجندتها.

اعتبرت الوفاق أن حوار التوافق الوطني بالشكل الذي طرح به، يعتبر بمثابة نكسة لها، ولمشروعها، ولأجندتها هي فيما يتعلق بالحوار ومفهومها له.

منذ البداية، لم تكن تريد الوفاق حواراًاصلاً.

«الحوار» بالنسبة إلى الوفاق كان، ولايزال، يعني امرين لا ثالث لهما:

1 ؟ يعني «مفاوضات» مباشرة مع الحكومة، أي مفاوضات بين الوفاق وحدها، وليس بمشاركة أي قوة اخرى، والحكومة.

2 ؟ ويعني ان موضوع هذه المفاوضات هو فقط، المطالب السياسية المعروفة التي ترفعها الوفاق، والتي تعتبر انها هي، وهي فقط، التي تستحق التفاوض حولها.

بالطبع، وراء هذه الصيغة التي كانت الوفاق تريدها للحوار، هو مرة اخرى، ذلك الاعتقاد الزائف الذي تروج له صباح مساء، بأنها هي التي تمثل الشعب، وهي وحدها التي لها حق التحاور او التفاوض باسم الشعب.

وبالطبع، في حسابات الوفاق ان هذه الصيغة للتفاوض مع الحكومة، او أي صيغة اخرى للحوار تصب في الاتجاه نفسه، انه عبر هذا يمكنها ان تفرض اولوياتها هي واجندتها هي، لا اولويات أي طرف او قوة اخرى في المجتمع.

وأولويات الوفاق معروفة.

فهى ترى انه يجب ألا يكون مطروحا على مائدة الحوار الا المطالب السياسية التي ترفعها، وتعتبر ان كل القضايا الاخرى في المجتمع ايا كانت، هي في حقيقة الامر قضايا تافهة لا تستحق الاهتمام بها، ولا التوقف عندها في أي حوار.

وبالطبع، في حسابات الوفاق ايضا عبر الاصرار على هذه الصيغة للتفاوض او الحوار المباشر مع الحكومة، انه حتى ان لم تستطع الحصول على كل المكاسب التي تتطلع إلى تحقيقها، فان ما يمكن ان تحصل عليه ايا كان، سوف يكون مكسبا هائلا في اطار تنفيذ اجندتها.

كان هذا هو موقف الوفاق من قضية الحوار حين طرح جلالة الملك مبادرته.

الاكتشاف المفزع

الذي حدث بعد ذلك، على نحو ما بات معلوما، ان الوفاق، وبعد تردد طويل، قبلت في اللحظة الاخيرة المشاركة في الحوار.

ليس مهما الآن الاسباب التي دفعت الوفاق ابتداء الى اتخاذ قرار المشاركة في الحوار، وما اذا كان وراء ذلك فعلا ضغوط من جهات اجنبية ايا كانت ام لا.

لكن الارجح ان احد الاسباب الاساسية التي دفعت الوفاق إلى اتخاذ قرار المشاركة، هو الرغبة في «تجميل صورتها»، وبحيث لا تبدو منذ البداية في صورة الطرف المتطرف المتعنت الرافض حتى لاعطاء الحوار فرصة.

بعبارة اخرى، يبدو ان حسابات الوفاق قامت في جانب اساسي منها، على المشاركة مبدئيا في الحوار لتبديد هذه الصورة، وعلى اعتبار ان الامر في النهاية بيدها.

بعبارة أدق، فان الوفاق شاركت في الحوار، وقرار الانسحاب بالنسبة إليها مرجح ان تتخذه في أي وقت، كي تقول بعد ذلك: لقد شاركنا وحاولنا ولكننا فشلنا، وهذا هو ما فعلته بالفعل.

على اية حال، بالاضافة الى هذه الحسابات، فان الذي حدث منذ اليوم الاول للحوار، والايام التالية بالطبع، حمل للوفاق مفاجأة كبرى.

منذ اليوم الأول لجلسات الحوار، اكتشفت الوفاق ان هناك تيارا عاما بالفعل تمثله الاغلبية الساحقة من المشاركين، يتبنى رؤى ومطالب ومواقف تختلف جذريا عن رؤاها ومطالبها.

اكتشفت الوفاق منذ اليوم الاول ان هناك «توافقا وطنيا» آخذا في التشكل بالفعل حول الكثير من القضايا.

بعبارة اخرى، اكتشفت الوفاق انها في نهاية المطاف، ورغم كل ضجيجها، فانها ليست الا قوة واحدة من قوى كثيرة في المجتمع. وهذه القوى الاخرى، في اغلبيتها الساحقة لها اولويات اخرى ورؤى اخرى للإصلاح والتغيير، غير رؤى واولويات الوفاق المتطرفة.

واكتشفت الوفاق – على عكس ما زعمت تبريرا لانسحابها – ان الحوار جدي فعلا، وانه ينشد الاصلاح فعلا.

اكتشفت الوفاق بعبارة اخرى، ان المشاركين في الحوار، لم يأتوا الى الحوار لموالاة الحكومة او لمجرد الدفاع عنها، وانما أتوا ينشدون ادخال اصلاحات وتغييرات مهمة بالفعل في كل المجالات.

الفارق هنا ان الاصلاح والتغيير اللذين تنشدهما الاغلبية الساحقة من القوى والشخصيات المشاركة في الحوار هما اصلاح وتغيير في اطار الثوابت الوطنية، ويراعيان الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ويهدفان الى خروج البلاد من الازمة الراهنة ابتداء.

وبالطبع، يختلف هذا جذريا عن مفهوم الوفاق للإصلاح والتغيير، الذي هو مفهوم انقلابي بالاساس.

المهم ان هذا الذي اكتشفته الوفاق منذ اليوم الاول للحوار، ومع مضي جلساته، كان بالنسبة إليها اكتشافا مفزعا من زاويتين اساسا:

الأولى: انها اكتشفت انه ليس هناك مجال على الاطلاق امامها، كي تفرض اجندتها او تصوراتها او مطالبها، على الحوار، في ظل التوافق الوطني الذي رأت ملامحه تتشكل بالفعل.

الامر المفزع هنا بالنسبة إلى الوفاق، انها ادركت استحالة تمرير اجندتها ومطالبها ، ليس لأن الحكومة تريد ذلك، ولكن لأن هذه هي ارادة الغالبية الساحقة من قوى المجتمع المشاركة في الحوار.

والثانية: ان الوفاق ادركت، في ضوء كل ما سبق، انها في مأزق حقيقي ان هي استمرت في المشاركة في الحوار.

ادركت الوفاق انها لو استمرت في المشاركة في الحوار حتى نهايته، وبالنتائج التي سينتهي اليها من توافقات حول خطوات واجراءات اصلاحية في كل المجالات، فانها سوف تكون ملزمة، ليس بالضرورة بالموافقة على ما سينتهي اليه الحوار، وانما على الاقل بأن تحترم التوافقات الوطنية التي سينتهي اليها.

وبالطبع، فان احترام هذه التوافقات الوطنية، هو امر ليس واردا ابدا في حسابات الوفاق، ولا في اجندتها. ومن ثم، كان قرارها بالانسحاب من الحوار.
وفي ضوء ما سبق يمكن، في تقديري، تفسير الاسباب الحقيقية لانسحاب الوفاق من الحوار.

«الأزمة» في مفهوم الوفاق

السؤال المهم جدا الآن هو: بعد قرار الوفاق بالانسحاب من الحوار، ما هي حساباتها للمرحلة القادمة؟.. ما الذي يمكن ان تكون تفكر فيه او تخطط له في المرحلة القادمة؟

قبل ان نتطرق الى ذلك، لابد ان نشير الى ان الاجابة عن هذا التساؤل ترتبط اشد الارتباط بمفهوم الوفاق للأزمة في البحرين.. ماذا تعني الازمة بالنسبة إليها؟.. وكيف يمكن الخروج من الازمة في تقديرها؟

الامر هنا باختصار شديد – وهذا هو تقديري الشخصي بالطبع – ان الوفاق ليست معنية ابتداء بجوهر الازمة كما يراها الكل اليوم، اعني انها ليست معنية بالانقسام الطائفي الحاد الذي يشهده المجتمع، وعدم الثقة الذي كرسته الازمة بين ابناء وطوائف المجتمع، والذي يجمع الكل على انه جوهر الازمة.

الوفاق لا تعتبر ان هذه ازمة اصلا. بالعكس، هي تعتبر ان هذا »رصيد« لها، ومصدر قوة لها.

الوفاق تعتبر ان هذا الانقسام الطائفي كفيل باستمرار التفاف »الشارع الشيعي« حولها، واستمرار تبنيه لأجندتها ومطالبها.

والوفاق لا تعتبر ان الازمات الكبرى الاخرى التي يعانيها المجتمع، لها أي قيمة او اهمية. هي لا تعتبر مثلا ان ما حل بالاقتصاد الوطني من خسائر ودمار يمثل أزمة، ولا تعتبر ان أي قضية اجتماعية اخرى تمثل مشكلة او ازمة.

هم يقولون هذا صراحة.

وقد رأينا مثلا انهم اثناء مشاركتهم في الحوار، يقاطعون جلسات تناقش قضايا اقتصادية واجتماعية في غاية الاهمية .

هم مثلا، قاطعوا الجلسة التي تناقش قضية في غاية الاهمية والخطورة، والمتعلقة بمؤسسات المجتمع المدني، وكان تبريرهم المعلن لهذه المقاطعة ان هذه قضايا تافهة غير مهمة لا تستحق التوقف عندها، ولا التحاور حولها.

إذن، هذا هو مفهوم الوفاق للأزمة في البحرين، وتقديرهم لها.

وفي ضوء هذا، فان للوفاق مفهوما محددا للخروج من الأزمة في البحرين.

«الخروج من الأزمة» يعني بالنسبة إلى الوفاق أمرا واحدا لا ثاني له، هو تمكينها من السلطة في البحرين.

بغض النظر عن التفاصيل هنا، فان «الاصلاح» و«التغيير» و«حل الأزمة» في البحرين، يعني تحديدا بالنسبة إلى الوفاق، تمكينها في نهاية المطاف من السيطرة الكاملة على البرلمان «الكامل الصلاحيات»، ومن ثم تمكينها من ان تشكل هي الحكومة، وتعين رئيس الحكومة.
هذا هو الامر باختصار شديد، وبوضوح تام.

ما الذي يخططون له؟

الآن، عودة الى السؤال: ما الذي يمكن أن تكون الوفاق تخطط له في المرحلة القادمة، بعد انسحابها من الحوار؟

في ضوء ما ذكرته عن اجندة الوفاق، ورؤيتها للأزمة ولكيفية «الخروج منها»، اتصور – وهذا تقديري الشخصي بالطبع – ان خطة الوفاق في الفترة القادمة سوف تدور حول الجوانب التالية:

أولا: سوف تشن الوفاق حملة شرسة على حوار التوافق الوطني، وعلى كل ما سوف يسفر عنه من نتائج. وحملتها هذه سوف تكون اساسا موجهة الى الخارج، وسوف تجند كل اجهزة الاعلام الاجنبية المعروفة التي تتعاطف معها من اجل هذه الغاية. وقد بدأت الوفاق هذه الحملة بالفعل.

الفكرة الجوهرية هنا معروفة. الوفاق سوف تسعى عبر هذه الحملة الى محاولة تصوير الحوار على انه عملية عبثية، وانه – أيا كانت نتائجه – لا يقدم ولا يؤخر في حل الازمة في البلاد.

بعبارة اخرى، ستحاول الوفاق الترويج لزعم مؤداه ان نتائج الحوار لا يعتد بها ويجب عدم التوقف عندها.

ثانيا: الوفاق سوف تسعى الى التصعيد في الشارع الشيعي، عبر التجمعات التي تنظمها بالفعل، وربما عبر اساليب تصعيد اخرى.
والفكرة هنا ان الوفاق سوف تسعى الى محاولة اقناع العالم الخارجي بأن «الشعب» يرفض نتائج الحوار ولا يعترف بها. هذا بالاضافة بالطبع الى محاولة الضغط على القيادة في البلاد وابتزازها.

ثالثا: ان الوفاق تتصور انها عبر ما سبق، وايضا عبر استعداء قوى خارجية على البحرين، فان بمقدورها في لحظة معينة ان تجبر القيادة في البحرين على العودة الى الاجندة الاصلية للوفاق.. أي تجبرها على ان تتفاوض مباشرة مع الوفاق حول مطالبها واجندتها.

وبالمناسبة، فانهم بدأوا بالفعل تسريب هذا المخطط الى بعض وسائل الاعلام الاجنبية. اعني تسريب انه في مرحلة قادمة لن تجد القيادة بدا من «الحوار» المباشر مع الوفاق، بغض النظر عن أي نتائج يمكن ان يسفر عنها الحوار الحالي.

البحرين ليست رهينة

إذا صح هذا التقدير الذي ذهبت اليه لحسابات الوفاق حين انسحبت من الحوار، ولما تفكر فيه وتخطط له، واظنه صحيحا، فما الذي يمكن ان يقود اليه كل هذا؟

كل هذا يعني بداية وانتهاء، ان الوفاق لا تريد للبلاد ان تتجاوز ازمتها.. لا تريد أي حلول وطنية حقة لأزمات البلاد ومشاكلها.. لا تريد لهذا الوطن ان يتعافى وان يلم شمل ابنائه، وان يبدأ حقبة جديدة من الاصلاح الوطني المسئول.

الوفاق تريد للبحرين ان تبقى رهينة.. رهينة لمشروعها الانقلابي الطائفي.. رهينة ايضا لارادة قوى اجنبية معادية، ولمشاريعها.

وازاء هذا، نظن انه من المهم تأكيد الجوانب الاساسية التالية:

اولا: ينبغي ان يكون واضحا للقاصي والداني، سواء هنا في داخل البحرين او خارجها، ان البحرين ليست رهينة.. البحرين لا يمكن ان تكون رهينة لأي قوة محلية او اجنبية.. ولا يمكن ان تكون رهينة لمشاريع او مخططات طائفية تخريبية اجرامية.

البحرين لا يمكن ان تكون رهينة، لا للوفاق واجندتها التخريبية، ولا لأي قوة اجنبية.

ويعني هذا، من بين امور كثيرة يعنيها، ان قيادة هذا الوطن، ليس لها ان تلتفت الى أي ضغوط، او أي اساليب رخيصة تلجأ اليها أي قوة محلية او اجنبية، تهدف الى دفعها الى أي خطوة تهدد المصالح الوطنية العليا، كخطوة التحاور مع الوفاق مثلا، على نحو ما يريدون ويخططون.
ثانيا: ان على كل قوى المجتمع ان تدرك ان حوار التوافق الوطني هذا، هو «المخرج الآمن» للوطن من أزمته..

هو النافذة الحضارية الوطنية التي فتحها جلالة الملك، نحو الاصلاح والتغيير اللذين تقتضيهما اوضاع البلاد، ويتطلبهما مستقبلها.

ولهذا، يجب حشد كل الجهود الوطنية المخلصة خلف هذا الحوار الوطني، وخلف ما سوف ينتهي اليه من رؤى ومطالب للإصلاح والتغيير.
ثالثا: انه طالما ان الوفاق قد ذهبت الى هذا الحد في تحدي ارادة التوافق الوطني..

وطالما انها لم تظهر أي نية او رغبة في المساهمة الايجابية في اخراج الوطن من الأزمة.. وطالما انها لم تظهر أي مؤشر لاحتمال تخليها عن اجندتها الطائفية الانقلابية المدمرة..

 طالما ان هذا هو ما انتهى اليه امرها..

فنظن انه آن الأوان، لأن تتكاتف كل القوى الوطنية المخلصة، وفي مقدمتها القوى الوطنية الشيعية، من اجل عزل الوفاق في الحياة السياسية في البلاد، ومن اجل تحييد خطرها على مستقبل الدولة والمجتمع، ومستقبل الوطن بأسره.

رابط المقال :

http://www.akhbar-alkhaleej.com/#!452925

-- أخبار الخليج: السيد زهره

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*