السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تنظيم سري سعودي للوصول للحكم يفضح لعبة الفكر والسلاح

تنظيم سري سعودي للوصول للحكم يفضح لعبة الفكر والسلاح

لم نكن نقرأ الكف وبالتأكيد لم نكن نرجم بالغيب عندما قلنا مرارا بأن الجماعات الراديكالية تسعى إلى الاستيلاء على السلطة لتنفيذ برامجها النوستالجية أو الخيالية، ولم نكن مخطئين بل لم نتجن عليها لاسيما ونحن نستند على أرضية صلبة من الأدلة التي تدين عناصرها بعد تنفيذها لعمل إرهابي.

على أن السعودية نجحت وبامتياز في معركتها الأمنية ضد القاعدة سواء في مواجهاتها الميدانية أو في ضرباتها الاستباقية، إلا انه على الصعيد الفكري فما زالت المحصلة اقل من المأمول بكثير وتحتاج بلا أدنى شك لجهود مضاعفة مثيلة بالجهد الأمني أو أكثر، بدليل ما تم الإعلان عنه قبل أسبوع من تفاصيل مثيرة بشأن تنظيم سري سعى للاستيلاء على السلطة، وبالتالي لم نكن نبالغ فيما ذهبنا إليه، لاسيما بعدما تكشفت معلومات عنه بأنه يضمّ بين أعضائه عددًا من “الأكاديميين”، حيث كان هدفه “الوصول إلى الحكم” بالتعاون مع تنظيم “القاعدة” ودعم أنشطته الإرهابية التي قام بها، مستغلا الحوادث الإرهابية، إضافة إلى التعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية والتدخل المباشر في شؤون دول أجنبية وتمويل الإرهاب، وتأسيس تنظيم داخل البلاد وخارجها لجمع التبرعات تحت غطاء العمل الخيري.

ليس مستغرباً أن تخترق القاعدة شريحة الدكاترة والأكاديميين، كونها فئة مستهدفة لتواصلها وتأثيرها الاجتماعي ومواقعها الوظيفية وقدرتها المالية أيضاً، وما يدعمها في ذلك أن مرجعيتهم هي أدبياتها، وأن عقولهم قد تمت أدلجتها..

غير أنني كنت أحبذ أن تضمن البيان اسم الدولة التي قامت استخباراتها بالتعاون مع هذه المجموعة لتوضيح خطورة الظرف والمرحلة، ووضع النقاط على الحروف بتأكيد الاتهامات التي تظهر إعلاميا من وقت لآخر دون براهين. ومع ذلك هكذا معلومات مفزعة بهذا القدر، تجعلنا نتوقف عندها ونتأملها ونطرح تساؤلات عديدة حولها، لاسيما بعد تأييد المتهم الأول “الزعيم” لتلك الوقائع، حينما جرت مواجهته باعترافاته السابقة والمصدقة شرعا، لترسخ حقيقة ماثلة بأن بلادنا مهددة بالفعل وان ثمة عناصر ما بين ظهرانينا وبدعم خارجي تحمل حقدا دفينا على الدولة والنظام والمجتمع.

ولكي نمضي للمزيد من الشفافية، أقول إنني لم أجد تفسيرا مقنعا وعقلانيا يجيب على خطوة مجنونة ومريضة كهذه، بغض النظر عن فشلها المسبق، وما الهدف الحقيقي منها سوى الدمار والضياع لهذا الوطن، طالما أننا متفقون بأن هذه البلاد قامت على رسالة التوحيد، ولمت شمل القبائل في تجربة وحدوية غير مسبوقة، وتمثل سماحة الإسلام وروحه المعتدلة، وهي التي ما انفكت تتعاطى بأسلوب وسطي ومنفتح مع عالم لا يمكن الانعزال عنه.

غير أن المنطق يقول بأن محاولة قلب نظام الحكم والاستيلاء عليه، هي جريمة كبرى وعقوبتها جسيمة بحجم تبعاتها، فمن الناحية الدينية هو خروج عن ولي الأمر مع أن طاعته واجبة طالما انه لم يخالف كتاب الله وسنة رسوله، فضلا عن انه في التفسير الدستوري والقانوني ما هو سوى انقلاب على الشرعية والدستور ورفض لخيارات الشعب. والسعودية كدولة أكدت على مرجعية الكتاب والسنة كدستور للدولة منذ توحيدها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله، كما تضمنت مواد النظام الأساسي للحكم على مرجعيتهما في كل أنظمة الدولة ومجالاتها، إلى درجة ان ملك هذه البلاد يُطلق عليه بأنه خادم للبيتين تشرفا وإيمانا وتقديرا لهذه الشريعة وتمسكا بها. ولذلك فالمزايدة من قبلهم في هذا الأمر أصبح لعبة مكشوفة لم تعد تنطلي على احد، والسعودية ليست مضطرة ولا بحاجة إلى أن تبرهن على ذلك، فمسلكية القيادة والشعب يترجمان ذلك فعليا على الأرض ناهيك عن تفردها كعنوان في كل مناحي الحياة.

وكان النائب الثاني الأمير نايف بن عبدالعزيز سبق أن عبّر عن دهشته، مشيرا إلى أنه “خلال السنوات الثلاث الماضية، ظهرت لنا مجموعات من المؤهلين تأهيلاً علمياً من حملة الشهادات، فضلاً عن وجود ممولين بالمال، أي أن هناك فكراً ومالاً، وهذا يؤسفنا كثيراً ويؤلمنا”.

على أن الصورة اتضحت بشكل جلي في تقاطع المصالح، وثمة معادلة ما بين الطرفين أو لنقل تقاطع الفكر (الدكاترة) مع السلاح (القاعدة) للوصول إلى الحكم. معادلة لم يكتب لها النجاح، لان هنالك اعتقادا راسخا بأن غالبية المجتمع السعودي يقف ضد هذه الجماعات بطروحاتها المتشددة، فضلا عن انه متمسك بقيادته ووحدته الوطنية، ويرفض كل دعوة تمس استقرار هذا البلد، وقد شاهدنا على الأرض حقيقة هذا الشعور في تلك الجمعة الشهيرة التي أكدتها وسائل الإعلام الغربية التي جاءت لتغطية الحدث.

غير أن سلوك الشعب عكس درجة عالية من الوعي والحكمة. طبعا هذا لا يعني عدم وجود مطالب أو مظالم وأخطاء وتجاوزات، ولا ندعي بأننا مجتمع ملائكي، بل هناك رغبة شعبية بالإصلاح، وهذا أمر طبيعي، فشعور الكثيرين بضرورة تسريع وتيرة الإصلاح أمر متفق عليه، وهناك أولويات يجدر البدء بها من خلال القنوات المشروعة، فالسعوديون بطبيعتهم ينزعون للسلم والأمن والهدوء، وينتمون لبلادهم ويعتزون بقيادتهم، وهم ضد الفوضى والصخب والصراع، وان لم يخل الأمر من أصوات نشاز تدفع باتجاه التأزيم والانفعال.

ومع ذلك يلاحظ توجه القيادة السعودية في ضرورة بناء دولة عصرية حديثة، ولا زالت تسير في مشروعها الإصلاحي بقيادة الملك عبدالله، خاصة وان الوقت الراهن بات يتطلب تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وبصورة تتوازى مع مكانة المملكة.

على أن خطورة الايدولوجيا «الدينية الراديكالية» حين تحليلها معرفياً، تجد أنها تهدف لجذب المجتمع للانخراط في مشروعها أو دعمها والتعاطف معها على اقل تقدير.

ولذا فليس مستغرباً أن تخترق القاعدة شريحة الدكاترة والأكاديميين، كونها فئة مستهدفة لتواصلها وتأثيرها الاجتماعي ومواقعها الوظيفية وقدرتها المالية أيضا، وما يدعمها في ذلك أن مرجعيتهم هي أدبياتها، وأن عقولهم قد تمت أدلجتها. في حين أن الأكاديميين ومن زاويتهم يرون في سلاح القاعدة وسيلة ربما لتحقيق مبتغاهم. وهنا لا نعلم على وجه اليقين من يضحك على من؟!

على أي حال، إن اكتشاف هذا التنظيم يدفعنا كشعب إلى المزيد من الحذر والانتباه والوعي، وأن يؤدي كل واحد منا دوره قدر استطاعته. وان نتيقظ وطنيا، حماية لهذا الكيان، بشعبه ومكتسباته وأمنه، متحولين لممارسة فعل يمارس النقد، أي بنقد أدوات ومضامين هذا الفكر المتطرف، لأنه بات وباء يهدد مستقبلنا ووحدتنا الوطنية، ما يدفعنا لمواجهته بكل ما نملك لكبحه، وهو بمثابة تحصين لوحدة هذا الوطن ونسيجه الاجتماعي، قبل أن يكون إنجازاً فكرياً أجهز على فكر شاذ. حمى الله بلادنا من كل سوء.

-- الرياض:د. زهير فهد الحارثي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*