الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

بين الدعوة والدعاية

من المادة اللغوية (د ع و)، جاء الاشتقاق لمادتي: دعوة، ودعاية، وبينهما التقاء وتباعد، التقاء في اللفظ، وتباعد في الدلالة والهدف.. وهذا من محاسن اللغة العربية وسعتها في الاشتقاقات. فالدعوة التي هي سبب من أسباب الوصول إلى غاية حسنة، معيّنة في دين الإسلام، والانصهار في تعاليمه جاء ذكرها في القرآن الكريم في عدة أماكن

منها دعوة الآخرين إلى دين الله ومنها الدعاء مع الله بما يرجوه العبد من ربه عسى أن يغفر له ويجاب دعاؤه، ومنها الدعوة بين الناس للمناسبات، فإجابتها من كسب المودة، وفي مواطن تتحول إلى عبادة والدعاية: أسلوب إداري مبتكر، للترويج للسلع، وبأنواع الأساليب التجارية، لغاية المكسب والأغراض الدنيوية، فالأولى إذا صَدَقت النيّة في تطبيق المفهوم الأساسي بالدعوة إلى دين الله سبحانه، وسخّر الداعية الذي يجب أن يكون عارفاً حقيقة ما يدعو إليه: علماً وفهماً، وعالماً بما ينهى عنه، نفسه وعلمه، وحلمه في هذا الميدان، فإن هذا العمل من أفضل القربات إلى الله، ونتائجه أجراً مدخراً عنده سبحانه، لأن الدعوة هي وظيفة أنبياء الله، في الدعوة إلى دين الله ويتبعهم فيها العلماء، والمدركون لحقيقة هذه الدعوة؛ باللسان أو القلم.. ونتائجها في الداعي يجده عند الله جزءاً مدخراً.

والدعاية: عمل مادي صِرف، اللهم إلا في حالات معينة، سوف نلمّح إليها، لأن عمل الدعاية أسلوب مبتكر من قبل الشركات والمصانع وما يشابهها مما يعود بمردود مالي عليهم، وترويج لبضائعهم.

فالشركات والمصانع باختلافها، تروّج لمصالحتها الاقتصادية بالدعاية التي أصبحت فناً من فنون المعرفة، ينفَق فيها أموال وجهود، وأساليب متنوعة، حتى تحصل على السمعة الحسنة لمنتجاتها مهما كانت ولو كان في هذا الأسلوب تضليل على من توجه إليه هذه الدعاية، لأن أصحابها عندهم أن الغاية تبرر الوسيلة، فالغاية الربح والمردود المالي، بأي وسيلة كانت؛ صدقاً أو كذباً، جودة للسلعة أو رداءة.

إذْ المهم التفنن في أسلوب الترغيب، وتنويعه لأجل الترويج الذي قد يلقى قبولاً عند المتلقي، أو يحدث لذلك ردة فعل في البعض مما يدعو إلى ابتكار مرغبات أخرى، وتحسينات قد يكون منها تغيير الاسم الذي أحدث رد فعل عند المستعمل ولم يرغب في هذه البضاعة بعد استعمالها، فيلجأ المروّج إلى أسلوب دعائي آخر بعد التعديل في السلعة.

مما ندرك منه أن الدعوة ترتبط بالدين في معظم أحوالها، والدعاية تعنى بأمور الدنيا والمكاسب المادية.

إلا أن الدعوة لها هدف سام بعيد الغور، حيث تتعلق بمصير الإنسان الأخروي؛ داعياً ومدعواً، ففي الحياة الدنيا لتكون النتائج ظاهرة بإنقاذ المدعو ودعوته لدين الله، وللداعي بإنقاذه لما فيه سعادته وفلاحه.

أما الدعاية، فمردودها مصالح دنيوية بحتة، سواء للداعي أو المدعو، اللهم إذا ارتبط ذلك بنيّة خالصة وكسب حلال وعدم الغش، وبالنصح والصدق والإخلاص، وهذا يدخل في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات».

ذلك أن الدعوة إلى الله، تعني أن يكون الداعية حليماً ولبقاً، وفاهماً مهمته فيما يتحدث عنه، لينا مع من يتحدث إليه، ملماً بما حوله من طبائع وعادات، حتى يحسن المدخل إلى القلوب، بحسن التصرف، مطبقاً المثالية في نفسه، متجرداً عن المطامع والأهداف، مستحضراً القول الكريم: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } (159) سورة آل عمران.

ولكي ينفذ الداعية لمستودعات أفكار المدعوين، وما يجول فيها، عليه تقريب ذلك بمثل مقالة رينورت الفرنسي (لا يجب أن نعترف أن العلوم الطبيعية، والفلك والفلسفة والرياضيات التي أنعشت أوروبا في القرن العاشر وقامت على أساسها حضارة الغرب، فإنها مقتبسة من القرآن)، وقال بمثلها رثيو نبورت الذي اعتبر جميع العلماء مدينون للقرآن، وحتى المستشرق والفيلسوف الفرنسي الذي عرفت له شطحات في قدح بعض تعاليم الإسلام، والنيل من الفكر فيه، لتباينه مع المنطلقات الفكرية المادية، وغيره من الذين ينطق الحق على ألسنتهم، حيث نرى آراء كثيرة منصفة حول القرآن الكريم في ردهم على ما حصل في الدنمارك، من إساءة حول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم والقرآن العظيم.

ومن منطلق الدعوة والفكر في دين الإسلام، يجدر بالداعية، الذي يرغب في تلمّس ما يؤثر في الوجدانيات، ويهتم بمخاطبة الأحاسيس المؤثرة، يجب أن ينفذ إليهم وفق مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «خاطبوا الناس بما يعرفون حتى لا يكذّب الله ورسوله».

فإن كان المدعو ممن يحترم الكتب المقدسة، فيناقش من حيث: إن القرآن كتاب سماوي ولم تكن فيه القوانين الدينية فقط، بل فيه ما تصلح به أحوال الناس: سياسة واجتماعاً، واقتصاداً وتنظيماً، وما إلى ذلك، وهو أعظم كتاب حوى من المعارف وأخبار الأمم ما لم يحوِه غيره من الكتب.

ثم إدراك ما يدور في نفوس المخاطبين والتغلغل في خواطر الفئة المدعوة، لأن من الحكمة أن يتصف الداعية بما يدور في البيئة المدعوة، حول المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، حتى يقترن أسلوب العرض، بما يريح النفوس الراغبة في السماع وما يؤثر في عواطفهم، بالقرائن والأمور المحسوسة، النافذة إلى أفهامهم، مع ربطها بما هو محسوس لديهم.

والداعي إلى الله في أسلوبه وتعامله مع الآخرين يحسن به أن يكون كالتاجر الذي يعرض تجارته، وكالداعية الذي يتفنن في التسويق وترغيب الآخرين في محاسن بضاعته، فيختار الوقت والزمن الملائمين مع العبارات المرغوبة في السامعين، ومع النساء يحسن أن توجه إليهن دعوات نسائية كما عرف عن رابعة العدوية وغيرها قديماً وحديثاً. ويتفاعل مع الأحداث المناسبة، ويخاطب العقول بما يلامس أوتارها، ويحرك مواطن الحس فيها ويعرض ويتفاعل مع الأحداث المناسبة، ويعرض ذلك مغلفاً بالحكمة، وممزوجاً بالمجادلة الحسنة، قدوة بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأمر الله له: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل..

لأن النفس البشرية كحالة غريزية فيها تكره العنف والشدة، فتعاند ما تُدعا إليه ولا تستجيب وترتاح إلا مع الملاينة، وبالرفق تنجذب إلى داعي الخير، ثم تلين وتستجيب معه البشارة بالنتيجة والمقارنة المحسوسة التي تحرك المشاعر، ومن هنا أُمر الداعية، وعلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدواعي الاستجابة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا».

وفي هذا العصر الذي امتزج فيه العقل بالعلم، وتقاربت ثقافات الأمم، وتداخلت معارفهم، واتصل بعضهم بالفضائيات وتداخلت الثقافات، يجب على الداعي إلى دين الله، أن يرسم لنفسه هدفاً يتجه إليه، وغاية ينشدها، ليركب الوسيلة الملائمة الموصلة إلى الأمر المنشود، لأنها طرق متشعبة، ليأخذ بالأيسر المقنع، فالهدف هو أداء أمر الله، بالأسلوب المناسب لتعريف الناس بدين الله الحق، والقناعة التي ينشدها بذلك أداء الأمانة في هذه الدعوة، سواء حصلت استجابة أم لا، حتى تقوم الحجة بعد توضيح المعرفة الحقيقية، والصدق في الأداء، مع التحمل والصبر على ما يعترض كل داعية، واستغلال القدرة العقلية في تصحيح المفاهيم المختلفة، والله سبحانه هو الهادي ولا يستطيع أي إنسان أن يهدي حتى أقرب الناس إليه كما ذكر سبحانه عن نبيه.

-- صحيفة الجزيرة:د.محمد بن سعد الشويعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*