الإثنين , 5 ديسمبر 2016

قلوب وقوالب

أعمالنا على اختلافها وتنوعها تشبه تركيبنا، فلكل عمل صورة وروح، كما أن لكل واحد منا روحا وصورة. ولا مراء من حيث الأصل في ضرورة العناية بالقلب والقالب والصورة والروح، إلا أنه في الواقع العملي يتفاوت الناس في قدر ما يولونه من العناية والرعاية لهذين الأمرين سواء في الأبدان أو الأعمال، والاهتمام في غالب أحوال الناس مصروف جله إلى الصور والقوالب.

وهذا الاختلال في الميزان بين القلوب والقوالب والصور والمقاصد له تأثير سلبي في الأعمال كلها، دينية أكانت أم دنيوية، فطغيان الصور والأشكال يُغيب الحقائق والمعاني. كما أن الغفلة عن الصور والقوالب تشوه المقاصد والغايات. وميزان العدل يقي ورطات الانحراف، فالصورة والروح والقلب والقالب جناحان بهما ترتفع الأعمال.

والمنطلق في ميزان القسط إدراك أن المقصود بالأعمال لبها وحقائقها وأن القوالب والصور وسائل لتحقيق تلك الغايات.

ومن نافلة القول أن شريعة أحكم الحاكمين القائمة بالقسط والميزان أولت كل جانب ما يستحقه، فأعطت كل ذي حق حقه. فإن الغاية العظمى في كل التشريعات تحقيق التقوى؛ هذا هو مقصود كلمة التقوى “لا إله إلا الله”، وهو مقصود سائر أركان الإسلام ودعائمه من الصلاة وكذا الزكاة والصوم والحج. وقد أكدت هذا المعنى نصوص كثيرة في الكتاب والسنة.

فالصوم مثلا يذكر الله تعالى غاية تشريعه في أولى آياته حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]. فليس الصوم جوعا وعطشا لا غاية منه ولا قصد، بل أسمى غاياته تحقيق تقوى الله في القلوب والأقوال والأعمال، والاستقامة ظاهرا وباطنا.

فإن مقصود الصيام أن تستعلي النفس على ملذاتها وشهواتها، فتتخلى عن الرذائل والقبائح، فإذا لم تسمُ بصيامك عن السيئات في القول والعمل كان صومك صورة لا روحا له وقالبا لا قلبا وقشرا لا لب فيه، وخذ دليل ذلك من قول من لا ينطق عن الهوى، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

ولا غرو فكما أن المفطرات من الأكل والشرب تفسد الصوم وتقطعه كذا التورط في السيئات قولا وعملا ظاهرا وباطنا ينقص ثواب الصوم ويذهب ثمرته. بل الأمر أبعد من ذلك، فالصوم يسمو بالأخلاق وتربو فيه الفضائل حتى ينكف الإنسان عن بعض الذي له، مراعاة لصومه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم).

فالصوم الصالح ينتج آثاراً زكية في قول الإنسان وعمله ومعاملته، وسائر شأنه. كل هذا يوضح أن من أكبر غايات الصيام العناية بالقلوب والأرواح بتهذيب النفوس وكفها عن الرذائل والارتقاء بها في سماء الفضائل. فجدير بنا أن نسأل أنفسنا: ما مدى تحقيقنا لروح الصيام ومقاصده؟! وأن نتفقده في أخلاقنا وأعمالنا. بالتأكيد أن استحضارنا لهذه المعاني وبذل الوسع في إدراكها سيجعل لصيامنا مذاقا مختلفا وثمارا يانعة.

-- الوطن أونلاين : خالد المصلح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*