الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة العربية

الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة العربية

هناك خشية حقيقية من استعادة السيناريو الليبي على الأرض السورية. ولن يفشل ذلك سوى خطوات عملية تقدم عليها الحكومة السورية والمعارضة على السواء، لتجنيب البلاد حالة الفوضى، والحفاظ على وحدة البلاد

في الحركات الاحتجاجية التي شهدها عدد من البلدان العربية، منذ بداية هذا العام لم ينتج عنها تغييرات في قمة السلطة سوى في قطرين عربيين هما تونس ومصر. وهي تغييرات جزئية اقتصرت على طرد بعض رموز السلطة، ومحاكمة الفاسدين.

لم تمس هذه التغييرات جذريا هيكلية النظامين السياسية، ولم تتسبب في انتقال حاسم في مراكز القوى الاجتماعية. لقد كان العامل الحاسم فيهما، انحياز مؤسستي الجيش للحركات الاحتجاجية.

في بقية البلدان التي تفاعلت مع موسم الربيع العربي، عجزت المعارضات السياسية والحركات الاحتجاجية عن حسم الموقف لصالحها. ورغم مبادرات الإصلاح المتتالية التي قدمتها الأنظمة في هذه البلدان، بقيت تلك حركات الاحتجاج متمسكة بمطلبها المتمثل في إسقاط النظام، وبرفضها فكرة الحوار مع حكوماتها. وقد غيبت بمواقفها هذه الفرصة في تحقيق خطوة باتجاه الإصلاح السياسي بمختلف تجلياته.

عجز الحركات الاحتجاجية عن تحقيق شعار إسقاط النظام، يعيدنا إلى أطروحة الباحثة الأميركية ثيدا سكوكبول، عن التحولات السياسية. فهي ترى أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحدها ليست كفيلة بإحداث التحولات السياسية والاجتماعية التي تتطلع لها الحركات الاحتجاجية. إن تحقيق ذلك رهن لضعف مؤسسات الدولة وتضعضع هيكليتها. وتؤكد سكوكبول أن بقاء بنية الدولة قوية ومتماسكة، يجعل الفشل الذريع مآلا للحركات الاحتجاجية والثورات الاجتماعية.

هكذا رأينا الأزمة في ليبيا تتحول إلى حرب أهلية، تقطع أوصال بلد عربي شقيق. وتشير كل التقديرات إلى أن نظام العقيد القذافي كان على وشك حسم الموقف والقضاء على الحركة الاحتجاجية، لولا تدخل الناتو.

ومما لا شك فيه أن هذه التدخلات لم تكن لوجه الله، وأنها أضافت تعقيدات جديدة للوضع. ولا يوجد ما يشير حتى هذه اللحظة، بقرب نهاية الأزمة. ويبدو أن جميع الغرماء يستبعدون اللجوء للحوار الوطني كمخرج لها.

والوضع في اليمن، لا يزال يراوح مكانه، بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على اندلاع الحركة الاحتجاجية. وفي هذا البلد تتداخل الولاءات القبلية والعشائرية والمذهبية لتجعل الموقف مراوحا في مكانه. ولا يبدو أن هناك مخرجا للأزمة من دون اللجوء إلى طاولة الحوار بين مختلف الأطراف المتصارعة.

في الأزمة السورية، مضى حتى الآن أكثر من أربعة أشهر على انطلاق الحركة الاحتجاجية. وقد تأكد عجز كل الأطراف المتصارعة على حسم الصراع لصالحها. فالحكومة السورية، عجزت بوسائلها الأمنية والسياسية عن إنهاء حركة الاحتجاجات. ولم تفلح الخطوات الإصلاحية التي أعلنت عنها في تحقيق أهدافها بسبب تراكمات الماضي، ولأنها جاءت بصيغة الجرعات البطيئة، التي لا تتناسب مع زخم حركة الاحتجاج، وأيضا لأنها تزامنت مع معالجات أمنية واسعة للأزمة، تجاوزها الزمن.

والحركات الاحتجاجية هي الأخرى، لم تتمكن من حسم الموقف لصالحها، لأسباب موضوعية، أهمها أن الحركة الاحتجاجية تلفعت برداء إسلامي، منذ انطلاقتها من مدينة درعا. وقد طبع ذلك حركة الاحتجاجات في المدن الأخرى. هذا الرداء، شكل نقطة ضعف في الحركة، حيث غيب المنادون بهذه الشعارات حقيقة وجود لوحة دينية ومذهبية واسعة بالمجتمع السوري. فهناك المسيحيون، والمسلمون العلويون والإسماعيليون والدروز والشيعة. وجميع هؤلاء يخشون من سيطرة الإسلام السياسي على السلطة، رغم أن كثيرا منهم عمل طويلا في صفوف المعارضة السورية.

يضاف إلى ذلك، حقيقة أخرى تتعلق ببنية الجيش العربي السوري. فهذا الجيش في معظمه يتكون من عناصر قدمت من الأرياف، وتشكل الأقليات الدينية عموده الفقري. لقد رفض تجار دمشق وعلية القوم فيما مضى، التحاق أبنائهم بالجيش العثماني والفرنسي لاحقا.

وحتى بعد الاستقلال بقيت نظرة العوائل الارستقراطية السورية سلبية تجاه التحاق أبنائهم بمؤسسة الجيش. وقد تغلبت المؤسسة العسكرية على ذلك، بتجنيد شباب من الأقليات المذهبية في الأرياف.

وبديهي أن يكون موقف هؤلاء الشباب القادمين من الريف والمنتمين للأقليات سلبيا من الشعارات التي يطرحها الإسلام السياسي، وتحديدا حركة الإخوان المسلمين، التي تتصدر قيادة معظم الحركات الاحتجاجية. والنتيجة أن المؤسسة العسكرية ظلت متماسكة، ولم يصدر عنها ما يشي بتعاطفها مع الحراك الشعبي الذي يجري من حولها.

في الأيام الأخيرة، تصاعد استخدام النظام للحل الأمني في عدد من المدن السورية. ودخل الجيش حماة ودير الزور وإدلب، مؤكدا أن ذلك يتم في إطار ملاحقة مخربين وإعادة الأمن.

لكن شلال الدم لم يستثن أحدا. فقد ذهب ضحيته الكثير من المدنيين، وضباط في الجيش والأجهزة الأمنية. ويلاحظ تصاعد المطالبات الدولية، بوقف أعمال العنف في سوريا.

وقد عبر عن ذلك صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن الدولي، وتصريحات للرئيس الأمريكي، باراك أوباما بمضاعفة إجراءات عزل النظام السوري عن المحيط الدولي، وتصريحات أخرى، فرنسية وألمانية مماثلة.

وعلى الصعيد الإقليمي، طالب مجلس التعاون الخليجي بوقف أعمال العنف، وعودة الاستقرار لسوريا، البلد العربي الشقيق. ومن جهة أخرى، صعدت تركيا لغتها الهجومية على القيادة السورية، مهددة باتخاذ خطوات عملية لوقف العنف، وكلف وزير خارجيتها لنقل رسالة من رئيس الحكومة أوردوغان للرئيس السوري، بشار الأسد.

هناك خشية حقيقية من استعادة السيناريو الليبي على الأرض السورية. ولن يفشل ذلك سوى خطوات عملية تقدم عليها الحكومة السورية والمعارضة على السواء، لتجنيب البلاد حالة الفوضى، والحفاظ على وحدة البلاد. وحرمان القوى الخارجية المتربصة بالأمة من تنفيذ مخططاتها.

لا مناص من الحوار الخلاق والمبدع بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي والسياسي في سوريا، وصولا إلى الاتفاق على ميثاق وطني شامل، يجري طرحه لاحقا على الشعب للاقتراع عليه.

إن ذلك وحده الذي ينقل الأزمة من حالتها المستعصية، المضمخة بالدم إلى حالة نهوض تزج بقوى الشعب في معركة الديمقراطية والحرية والبناء، حفاظا على وحدة سوريا وأمنها واستقرارها الوطني، وتمكينها من مواصلة دورها القومي الريادي في التصدي مع شقيقاتها الدول العربية للمشروع الاستيطاني الصهيوني، وتفعيل العمل العربي المشترك.

-- الوطن أونلاين:يوسف عبدا لله مكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*