الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التشدد في التعامل مع الأفكار

التشدد في التعامل مع الأفكار

 يتسم الوعي المصادر بجنوحه البالغ نحو الشدة حيث اللغة المتصلبة تكشف عن ذات حدّية مبرمجة على أولية مرتكزاتها وأفضلية أنساقها التي يفترض بالآخرين ترويض ذواتهم على الانصياع لشرائطها وتَشرّب روحها والالتزام بقطعياتها وأطرها العامة.

العجيب أن هذا الصنف من الوعي مع أنه لم يتزود بعدد كاف من الحقائق ومع أنه لم يحظَ بقدر من البرمجة المعرفية المعتبرة إلا أنه مع ذلك محكوم بمنطق صارم وبلغة نزقة جازمة حاسمة تتعاطى مع مفردات معقدة بأدوات هامشية هي إلى البساطة أقرب ولاغرو فثمة آماد متطاولة تفصل بين هذا الوعي وبين آفاق التفلسف التحليلي.

هذا اللون نتيجة للارتكاس في حضيض القولبة ينزع نحو الانكفاء كإفراز لتوهم الامتلاء الكاذب الذي يغتال الحقيقة بشكل سافر ومن ثم يتقوقع على أناه على نحو يجعل التواصل الحواري معه مغلقا فهو يعمل بعاطفته لابعقله ومن ثم فهو لايبدي أي قدر من الترحيب بتلك الأصوات التي قد تحدوه نحو التلبس بالشك فيما يقطع هو بيقينيته من الأفكار، ولايبدي أي نوع من الاستعداد لسماع ماقد يُخَفض من درجة إيمانه الراسخ بمفاهيم آسنة درج عليها منذ نعومة الأظفار.

الفكرة لديه تستمد قيمتها وفاعليتها من تقادمها، وثمة تجافٍ معرفي عن كل مامن شأنه إذكاء روح التوثب في الذات المسكونة بالتبعية وعن كل مامن شأنه تشكيل حساسية جديدة قد تقلل من قيمة أفكارٍ يجري التعاطي معها بوصفها نماذج رؤيوية بلغت في التوهج منتهاه.

الصورة الذهنية لديه عن الأشياء متدثرة بالعتمة، والهامَة متخمة بأدبيات يتم السير في ظلال دلالاتها وكأنها مفردات قرآنية تتعالى على التقييم؛ ثمة صعوبة فائقة في التعامل مع هذاالصنف حيث لايتقن فن الإنصات وإن أغلق شفتيه ذات رشد مّا فإنه لايحسن الفهم والتفسير وإن أتقن الفهم لحظة ما فهو لا يحسن الرد فالشح المعلوماتي الذي يتوفر عليه وقزامة المعاينة التي تشكل جزءا من البنية لاترشحه أن يدلف في جدل مُجَدول الأفكار، مهذب في نظامه اللغوي، وسامق فى عدته البيانية إذْ دون ذلك خرط القتاد.

ومحصول القول: إن الحدة المفْرطة والتشنج في التعاطي مع الأفكار إفراز قالب تربوي مشوه ونتاج ظرف مكاني مسكون بمعاناة الخصاصة المعرفية وإن إحراز درجة عالية من السمو في ذلكما هو من سيكفل التلطيف من غلواء تلك الآفة.

Abdalla_2015@hotmail.com 

-- صحيفة الجزيرة :عبدالله بن محمد السعوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*