السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أسباب وتداعيات الاتصاف بخصلة التناقض الذاتي

أسباب وتداعيات الاتصاف بخصلة التناقض الذاتي

تختلف الأمم في تقييمها لسلوك أفرادها وذلك لأنها تنطلق من مبادئ متنوعة المشارب تحكم سلوك الفرد والمجتمع على حد سواء، ولكنني أظنها متفقة على عدم محبة التناقض الشخصي؛ لأنه سلوك يعكس التذبذب.

وعدم الصدق مع النفس أولاً ومع الآخرين ثانياً. إنها – صفة الاختلاف، أو عدم التوافق الصريح بين القول والعمل – واحدة من السلوكيات العصرية المستشرية الموجودة في كل نواحي وقسمات الكثير من ذواتنا غير الحميدة التي هي حصيلة أمور عدة يأتي على رأسها: عدم الثبات على رأي واحد، وعدم الثقة بالنفس، وعدم القدرة على التعبير بصراحة عمّا يجول فيها، والمؤدية إلى نتائج وخيمة يحصد مرها الشخص المتناقض والمتمثلة في الشعور بالقلق النفسي الدائم، ونظرة اجتماعية غير إيجابية تجاه من يتصف بهذه الصفة.

وسنحاول في هذه الاطلالة المتقضبة تسليط الضوء بإشارات سريعة حول أسباب وتداعيات وتأثير الاتصاف بخصلة التناقض نتيجة الاختلاف البيّن بين ما يقوله المرء وما يمارسه على أرض الواقع.

يعد عدم الثبات على رأي واحد أحد المصادر الموجدة لصفة التناقض. فما يقوله المرء في مكان وزمان ما يختلف تماماً عن التطبيق الفعلي الذي يستدعيه ما قاله. فهو غير ثابت في رأيه يقول شيئاً ويفعل ما يخالفه، وهذا مرده ليس لأنه اكتشف أنًّ ما قاله كان غير صائب ثم اتضح له خلاف ذلك ولذا حصل الاختلاف بين ما قاله ويعمله الآن، ولكن لأن لديه الازدواجية، أو عدم الاستقرار التي أدت به في النهاية لعدم الثبات على موقف ورأي واحد.

 وذلك يمكن تجسيده من خلال حال الأب الذي ينهر ابنه عندما يقدم على شرب الدخان وهو يقوم بذات العمل، وكذلك الطبيب الذي ينصح مرضاه بتناول غذاء صحي متوازن، ولكنه يمارس سلوكيات غذائية غير صحية.

والسبب الآخر الذي يقود إلى التناقض مرده إلى عدم الثقة بالنفس؛ فهو يقول أمراً ما ويمارس فعلاً متناقضاً معه، لأنه ليس لديه الثقة الكاملة في أنّ ما قاله يجدر أن يقترن بفعل متوافق مع ما قاله، وليس لديه أيضاً درجة من الثقة بالنفس تجعله يدافع ويعلن بملء فيه أن فعله مبني على ما يراه صواباً.

وهكذا نجد أن عدم الثقة بالنفس تقود صاحبها إلى أن يقول شيئاً في مكان ما ولكنه يفعل خلاف ذلك ويعجز دوماً عن جعل قوله مسايراً لعمله إما بسبب فقدانه الكامل لثقته بنفسه، أو لاهتزاز مستوى ودرجة هذه الثقة.

والعنصر الأخير الذي يوجد التناقض بين القول والعمل مبعثه عدم القدرة على التعبير الصريح عمّا يجول في النفس. ولذا فهو يملك القدرة على الفعل ولكنه يمارس ما يريده الآخرون لا لأمر إلاّ لأنه لا يستطيع التصريح عمّا يجول في خاطره.

وهكذا فضعف الشخصية أدت بمن يتصف بذلك إلى أن يكون ذا شخصية ازدواجية غير قادرة على أن يتوافق قولها مع عملها بسبب هاجس الخوف من تطبيق ما قاله، أو ما يعتقده.

ويمكن حصر خطورة الاتصاف بهذه الصفة، أو بالأحرى ما يترتب على الاتصاف بهذه الصفة الخلقية غير الحميدة بأنها تقود إلى قلق نفسي، وخلق نظرة اجتماعية دونية تجاه الفرد، أو المجتمع بأكمله.

وهي أيضاً تجعل المتصف بهذه الصفة يحس داخلياً بتضارب وتنازع دائمين بسبب الفكر التناقضي بين ما يقوله ويعمله، أو العكس. كما أنها تجعل المرء يشعر دوماً بعدم احترام الذات، وتقلل في الوقت نفسه من الثقة بالنفس.

وهذا بالإجمال يؤدي بدوره إلى ألم نفسي متواصل لهذه النوعية من الناس المصابة بداء التناقض البغيض.

والخلاص من هذه التذبذبة والتجاذب، بل وتداعيات تكبيل النفس بأصفاد التناقضات – إن صح لي تسميتها بذلك – يكمن في الابتعاد عن تبني الصفات المذكورة آنفاً، أو لنقل عوامل رسوخ وتجذر سلوك التناقض والعمل جدياً على تكوين شخصية تتمتع بأحادية الموقف والرأي، أو القول والعمل.

وهذا يتطلب من المرء أن يجعل همّه منصباً على قرن قوله بعمله، وأن يجعل عمله انعكاساً لما يعتقده، وأن يجاهد نفسه ليضع حداً لنوازع ومضامين النتاقض الممقوتة التي ربما تسيّر سلوكه وتدفع به نحو قيمة عدم الثبات، وأن يعي كذلك معنى وثقل مسؤولية الالتزام بالكلمة التي تفوه بها، أو العمل الذي يقومون به.

alseghayer@yahoo.com

-- صحيفة الجزيرة:د. خالد محمد الصغِّير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*