السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الربيع عندما يكون خريفاً في مكان آخر

الربيع عندما يكون خريفاً في مكان آخر

أحداث العنف التي شهدتها مدينة لندن وبعض المدن البريطانية الأخرى تعد ظاهرة تستحق الدراسة، فهي ليست ربيعاً بنكهة عربية، وهي ليست في ظاهرها ثورة الجياع أو احتجاج المضطهدين، ولم تكن انتفاضة ذات عرق أو دين أو لون بعينه؛ وإنما اندلعت احتجاجا من السكان المحليين على إطلاق الشرطة النار على شاب وقتله. أي أنها تشبه إلى حد ما ما حدث في الإسكندرية عندما قتلت عناصر من الشرطة الشاب خالد سعيد، وعندما صفعت شرطية بوعزيزي التونسي فانتفض الشارعان في تونس ومصر بعد ذلك. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا سميت ثورات الشوارع العربية الاحتجاجية ربيعاً في الإعلام الغربي، بينما اعتبرت احتجاجات لندن وما صاحبها من عنف خريفاً وشغباً غير مبرر، وفي أغرب التحليلات سميت انتفاضة الترف والرفاهية؟!

تابعتُ حلقة شارك فيها مجموعة من الكتاب العرب المقيمين في بريطانيا، ولاحظت كم هم حانقون على أحداث لندن ووصفوها بما تستحقه من الإدانة في مشهد مغاير لما يروجه كتاب عرب وخليجيون عن احتجاجات بعض طالباتنا على عدم قبولهن في الجامعات إلى درجة تسميتهن بالسعوديات الجدد، واعتبروا ذلك مجداً حققنه بينما نراهم يستنكفون عن التلويح بأية إيجابية لشغب الشباب اللندني الذي جردوه من كل مبررات الاحتجاج. فهم على حد قول أحد المعلقين يجدون ما ينفقونه ليليا في البارات.

قد نتفق في جانب ونختلف في جوانب مع من يتبنون كل حدث يستهدف أمن بلادنا ويعتبرونه نصرا وبادرة تستحق التشجيع، ويدينون في ذات الوقت بشدة ما يحدث في لندن. ووجه الاتفاق هو في أن من رزقه الله العيش الرغيد والأمن والاستقرار عليه أن يبذل الجهد في المحافظة عليه، وأن يكون شكر النعم بعدم التهور في افتعال الأسباب والمبادرة بما يعرض النعمة للزوال سواء أكان ذلك في لندن أم الرياض أم القاهرة أم واشنطن، ولكننا نختلف في المعايير المزدوجة التي تحلل ما يجري في الرياض أو المنامة أو الدوحة، وتحرم ما يجري في لندن.

وأكاد أجزم أن بريطانيا لو مضت في نواياها في التحكم في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة كالبلاك بيري فإنها ستجد من يتفهم موقفها في حين أن إعلان دول أخرى رغبتها في التحكم بمحتوى الرسائل النصية في تلك الوسيلة يعد خرقاً لحقوق الإنسان وتحكماً غير مشروع في وسائل الاتصال وسيجدون لذلك عقابا في التشريعات الاقتصادية وربما يصل الأمر إلى إدانة دولية.

أعتقد أن الصحافة البريطانية ضربت مثلا رائعا في العموم عندما توحدت إلى حد كبير في اعتبار ما حدث شغباً غير مبرر قام به لصوص وشبان أرهقهم الثراء فاتجهوا للحرق والسرقة والتدمير، وسواء أكانت تلك الوسائل محقة أم متجنية في وصف أولئك المحتجين فإنها قد مالت ميلا كاملا إلى جانب بريطانيا ومصالحها الوطنية.

ما يثير الإعجاب هو قدرة الصحافي وكاتب الرأي البريطاني على وزن الأحداث بمعيار وطني بحت، وتوجيه بوصلة آرائهما لخدمة مصالح بلادهما العليا لأنهما ببساطة يكتبان بحرفية ويغطيان الأحداث بمهنية، في حين أن بعض وسائل إعلامنا العربية تتخبط بين السبق والانتصار للذات وخدمة الأجندات الشخصية والخفية على حساب الأوطان؛ ما يجعل أقلامهم وآراءهم وتحليلاتهم موجهة للإضرار المباشر بمصالح بلدانهم العليا وأمنها الوطني. وما يمكن التأكيد عليه في أحداث لندن يتمثل في عدم استقلالية أدمغة كثير من الكتاب والمحللين العرب، وعدم قدرة البعض منهم على التفكير بصوت محايد والكتابة بقلمه، وإنما يظهر جليا تأثرهم بآراء الإعلام الغربي من الحدث فلو أن كبار الكتاب وكبريات وسائل الإعلام البريطانية اعتبرت أن ما حدث في لندن ربيعاً يستحق الإشادة لانعكس ذلك زاهياً في أعمدة وتحليلات بعض الكتاب العرب..

-- الرياض:د.عبد الله بن موسى الطاير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*