الخميس , 8 ديسمبر 2016

مكاييل الساسة!

 بعد ما فجر المتطرف «بيرفيك» مبنى حكومة النرويج، ثم قتل عشرات الأشخاص من رجال ونساء وأطفال عن طريق قنصهم عن قرب كما تصاد الأرانب، بكت وسائل الإعلام الغربية واستبكت، ثم رأينا الساسة واحدا بعد الآخر، وهم يغالبون دموعهم كمدا على القتلى والجرحى.

الرئيس الأمريكي أوباما زايد على الجميع، وقال: إن قلبه يكاد يتقطع من المناظر التي شاهدها على شاشات التلفزة. المؤلم أن هذا كله حدث في الوقت الذي كانت مناظر قتل المدنيين في ليبيا وسوريا تنشر في كل وسائل الإعلام، وصراخ وأنين الجرحى والثكالى يصم الآذان، ومع ذلك لم يتفطر قلب أحد من ساسة الغرب، بل اكتفى الجميع بإبداء الأسف، مع أن ما قام به المتطرف النرويجي كان حدثا نادرا تم وانتهى، وليس قتلا مستمرا بطريقة نظامية كما هو الحال في بعض البلدان العربية!.

ألم يكن حريا أن يتفطر قلب الرئيس أوباما على أولئك العرب الذين سهروا الليالي انتظارا لفوزه التاريخي، ثم خرجوا إلى الشوارع احتفالا بذلك؟، ثم هل يخفى على فخامته ما كانت تقوله وتردده وسائل الإعلام في الدول الإسكندنافية -بما فيها النرويج- أثناء حملته الإنتخابية؟.

 لا يراودنا شك بأنه يعلم كل ذلك، وهو المثقف والأستاذ الجامعي حاد الذكاء، ولكنها « السياسة» التي تجبر من يمتهنها على التخلي عن الكثير من المبادئ التي يؤمن بها في سبيل الاستمرار في دهاليزها المظلمة.

 نعم، إنها لعبة السياسة الكبرى المتمثلة بالكيل بمكاييل مختلفة لأحداث متشابهة، فليست هذه هي المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، فطالما أن هناك «ساسة» و»مراكز قوى» تحركهم، فسيستمر الحال إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ودونكم أحداث الشغب البريطانية التي بدأت شرارتها بسبب قتل رجال الشرطة البيض لرجل أسود في واحدة من أفقر مناطق «لندن» وأكثرها بؤسا.

لا أحد يؤيد العنف، وكانت مناظر السلب والحرائق التي بدأت في حي واحد، ثم امتدت إلى بقية أرجاء لندن ومنها إلى معظم المدن البريطانية تنتمي للقرون الوسطى، لا لواحدة من أرقى بلدان العالم وأكثرها تحضرا.

 هذا، ولكن ما يدعو للتأمل هو تركيز الساسة البريطانيين على أحداث العنف ذاتها، دون التوقف عند مسبباتها المتمثلة في إزهاق روح رجل لديه أسرة وأربعة أطفال، خصوصا أن التقارير أشارت إلى أنه لم يطلق النار على الشرطة كما زعموا، بل تم قتله بدم بارد. تُرى هل كان موقف الساسة سيختلف لو كان القتيل شخصا أبيضا، ولو أن من قام بالشغب نتيجة لذلك كانت مجموعات من البيض؟.

هذا السؤال يجيب عليه أحد أبرز رجال الشرطة البريطانيين، الذي تقاعد ورشح نفسه لعمودية لندن مرشحا عن حزب الديمقراطيين الأحرار. يقول في مقال له نشر في صحيفة الإندبندت: إن علاقة الشرطة بالمواطنين يجب أن تقوم على شعور المواطن أن رجل الأمن وجد ليحميه ويدافع عنه، وهذا ما يشعر به المواطن البريطاني الأبيض.

ثم يضيف أن المواطن «الأسود» في بريطانيا يشعر أن رجل الشرطة عدو له، يتربص به الدوائر ليوقعه في المصيدة حتى ولو كان برئيا، فمرة يستوقفه للتفتيش، ومرة يعتقله بتهمة الشغب، وهكذا دواليك، وهو يعترف أنه -هو نفسه- استغرق وقتا طويلا في العمل الأمني حتى توصل لهذه الحقيقة المرة التي لا يدركها الساسة. هو لم يبرر العنف في مقاله، ولكنه حاول أن يحلل أسباب الغضب الذي قاد إلى شغب لم تشهده بريطانيا في تاريخها الحديث.

وما يؤكد مصداقية كلامه هي الإحصائية التي نشرتها صحيفة «الديلي ميل» التي أشارت إلى أن إمكانية استيقاف السود من قبل الشرطة تزيد سبعة أضعاف عن البيض!.

وختاما، من المؤكد أنه لا يمكن أن يتحقق الأمن الاجتماعي ما لم يتعامل السياسي مع الأحداث المتماثلة بميزان واحد، وهو ما لم ولن يحدث إلا في خيال «السياسي المثالي»، الذي يسعى للمنصب، ولكنه لا يفوز، لأنه ببساطة «مثالي»!.

فاصلة:» إن السياسي هو نفسه في كل مكان… إذ إنه سيعد الناخبين ببناء جسر على الرغم من عدم وجود نهر!»..نيكيتا خروتشوف

amfarraj@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة:د. أحمد الفراج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*