السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مدن تُحرق.. ومتظاهرون يُقتلون وأطفال يُعذبون

مدن تُحرق.. ومتظاهرون يُقتلون وأطفال يُعذبون

نقدم المنهج السعودي الرشيد في التعامل مع الفكر التكفيري والفئة الضالة نموذجاً يحتذى لدول العسكر

هل رأينا في أنظمة العسكر البعثية أو القومية أو الجماهيرية محاكمات مدنية قضائية عادلة لأية فئة خرجت، أو جماعة تمردت، أو شخصيات معارضة تحمل فكرا آخر مختلفا ؟!

ما رأيناه في كل تلك الدول من سورية إلى العراق إلى ليبيا هو اختصار سريع لهذا المشوار القضائي الطويل من العدالة، وهو: الإعدام! الإعدام العلني أو السري، التغييب، إعدام بالمفرد وبالجملة، قبور جماعية، تسميم للأنهار، تجفيف لمنابع المياه، ضرب عشوائي بالمدفعية من البحر على القرى والمدن والمخيمات كما في اللاذقية، محاصرة للأحياء المدنية بالدبابات، تدمير كامل لمدن بالطائرات والدبابات كما حصل في حماة بحيث تصل الحصيلة من الضحايا إلى ما يفوق الأربعين ألفا من القتلى، وخمسة عشر ألفا من المفقودين ومائة ألف من الهاربين من مجزرة حماة، وفي بلد آخر هو العراق يستخدم بلطجية العسكر قنابل الغاز الكيماوي فيباد فورا أكثر من ستة آلاف من سكان حلبجة وقراها من أولئك الريفيين البسطاء والفقراء من الأكراد!

الوضع مختلف جدا جدا بين عقل يتعامل مع الفكر المنحرف الضال بمنطق الأبوة وبرغبة صادقة في اهتداء الضال وقيادات عسكرية لا عقل لديها، ولا وجود ولا صوت ولا تأثير ولاحق في الحياة إلا للنظام وزبانيته، وحين قامت الثورات واشتعلت وماجت شوارع الوطن العربي تبينت الحقائق ؛ برز الذين يتوقون إلى الحرية والعدالة تحت وطأة الأنظمة العسكرية وامتلأت بهم الشوارع والميادين هاتفة غاضبة ملقية بأجسادها إلى الحرائق والرصاص العشوائي والسياط والركل ودوس الظهور بجزم بلطجية العسكر.

وعلى الرغم من هذا الجبروت ما الذي دفع هؤلاء العزل في كل العواصم الثائرة إلى الارتماء تحت وابل الرصاص؟ أليست معاناتهم؟ أليست تعاساتهم؟ أين قبضة الأمن الحديدية؟ أين تشاوشيسكو دمشق وهولاكو طرابلس من أن يمنع المدن والقرى من أن تثور أو ترفع شارات الخلاص؟!

وفي المقابل : أين الشارع السعودي من كل هذا؟ لماذا لم يرفع بيارقه مع الثائرين؟

 ولماذا لزم الشعب السعودي بيوتهم، وساروا في حياتهم متلاحمين متضامنين مع قيادتهم؟ ما الذي يمنعهم من فعل ما فعل أشقاؤهم لو أرادوا واقتنعوا؟

هناك رجال أمن وهنا كذلك، فما الفارق إذن يا ترى؟!

هنا ما يستحق التدوين من أجل الحقيقة والتاريخ؛ فقد تجلى حرص أبناء هذا الوطن على وطنهم، وتقديرهم لقيادته، وما تتمتع به من صفات قيادية نادرة، وما بني عليه نظام الحكم من قواعد ومنطلقات تستمد روحها وتوجهها من قيم الدين الإسلامي السمحة، ومن القرب من الناس، والتبسط لهم وقضاء حوائجهم وإزاحة الحواجب بين الحاكم والمحكوم، واستخدام الحكمة والروية والأناة في حل المعضلات واللجوء إلى الشدة كحل أخير لما لم ينفع في علاجه اللين والتسامح.

 بهذه المعاني وبما ينطوي عليه السعوديون من حب وولاء لوطنهم وحرص على الحفاظ على المنجز وسعي إلى التطوير والإضافة ؛ شهدنا خلال هذه الشهور الثائرة الحارة المنصرمة أروع مثل للتلاحم والتضامن واتحاد الرؤى، بما أفشل وأتعس الشانئين والمتربصين وأفرح وأسعد المحبين والطيبين.

لا مقارنة ولا موازنة البتة بين حالة عقلانية راشدة هي المملكة العربية السعودية، تستمد قيادتها شرعيتها من الكفاح والجهاد طوال ثلاثة قرون، ومن تحكيم شرع الله، ومن الدماء الزكية التي بذلها أبناء الأسرة الحاكمة الكريمة في سبيل بناء ووحدة هذا الوطن والحفاظ عليه جيلا بعد جيل خلال ثلاثمائة عام، وحالات أخرى مختلفة كل الاختلاف من ثورات الشارع العربي على أنظمة عسكرية قمعية انتهازية طارئة، تسللت إلى السلطة على حين غفلة من هذه الشعوب، إما بانقلابات عسكرية متوالية كما هي الحال في سورية بدءا من عام 1949م حين ثار حسني الزعيم، وكما هي في مصر عام 1952م حين ثار محمد نجيب، وكما هي في ليبيا عام 1969م حين ثار معمر القذافي، وكما هي في اليمن عام 1962م حين استولى الجمهوريون بقيادة السلال على السلطة.

لا مقارنة بين حالة عقلانية في التعامل مع أحداث التكفير في بلادنا وحالة أخرى هي أقرب إلى الشذوذ، أو أقرب إلى الجنون، أو أقرب إلى امتطاء الصدفة واغتنامها للتسلط في الدول العسكرتارية، واستباحة كل القيم الأخلاقية والإنسانية في سبيل غاية أنانية ضيقة الأفق ؛ فالوضع في دول العسكر الثائرة وخاصة ليبيا وعقيدها الملهم المفكر صاحب النظرية الثالثة، وسورية وبعثها وطائفيتها المقيتة العلوية النصيرية ونظامها الاستخباراتي، ودمويتها التي فاقت عرقية وجبروت هتلر ووحشية ستالين ومعتقلات تشاوشسيكو وقسوة فرانكو وغطرسة صدام ؛ لا أبدا لا مقارنة البتة. فالوضع مختلف كليا ؛ لأن الثائرين في سورية أو في ليبيا مواطنون مسالمون يبحثون عن حريتهم وخلاصهم من نظامي القمع والاستبداد والبطش والفئوية والأخذ بالظن والفساد وتسلط أجهزة القمع العسكرية، وارتهان مستقبلهم لتحالف مع نظام الملالي الغريب لغة وثقافة ومنطلقات عن شعب سورية العربي المسلم.

أما في ليبيا فقد اضطر الثوار إلى استخدام السلاح بعد أن فتك بهم وأجرم في حقهم صاحب الكتاب الأخضر المبشر بالأحلام الإنسانية في العدالة والمساواة والحرية والكرامة! فمن حقهم السعي إلى إعادة وطنهم المختطف من الجنون إلى العقل، ومن التخلف إلى النهضة ومن العزلة إلى التفاعل مع إخوانهم العرب قبل الأفارقة، ومع المجتمعات الأخرى الإنسانية.

إننا حين نقدم التجربة السعودية الحكيمة في التعامل مع الفئة التكفيرية الضالة في هذه المرحلة الصعبة المرة التي تراق فيها دماء الأبرياء في دير الزور واللاذقية وحمص وحماة ودمشق وغيرها، وفي مصراتة والزاوية والبريقة وغيرها، وفي مشاهد لشعب عربي يحاكم رئيسه على سرير المرض في قفص المحكمة على الهواء، وفي مرحلة يطارد فيها شعب عربي آخر رئيسه بالأحكام الغيابية، ويلجأ رئيس آخر إلينا طلبا للعلاج بعد أن تفجرت القنابل في وجهه ؛ نريد أن نري الناس، ونكتب للتأريخ النموذج العربي الإسلامي الأوحد في العصر الحديث الذي يبني دولة متجذرة وعميقة وممتدة في التاريخ وفي الجغرافيا، ومؤسسة على كفاح مشترك، ومنطلقة من قيم وتراث واحد، لم تقترح منهجا نشازا، ولم تبدل سحنتها، ولم تغير لغتها، ولا توجهت شرقا ولاغربا، ولا تنكرت لماضيها، ولا استعبدت أو استذلت، ولا وقفت أمام حركة التاريخ وتطور العقل الإنساني، ولا أغلقت أبوابها أمام ما يضيف ويزكي وينمي ويطور، ولا عادت أو صادقت لرغبات أنانية خاصة في الزعامة والقيادة ؛ ولا واجهت الفكر الشاذ أو الناقمين أو الحاسدين أو المخدوعين بالانتقام والبطش ؛ بل بالحكمة والصفح أحيانا، وبالحوار والاستقطاب أحيانا، وبالشدة حين لا يكون لها بديل.

دولة تزداد رسوخا وقوة وثباتا كلما انكشفت قبائح وأخلاقيات وجهالات الطارئين من العسكر الذين يقيمون في كل شارع وحي محكمة عسكرية واحدة مستعجلة تصدر حكما واحدا هو : الإعدام للشعب ليبقى الحزب أو الطائفة!

مآذن تقصف بدل أن يصدح منها نداء الحق، ومساجد تهدم بدل أن تقام فيها الصلوات، ومؤمنون تغتالهم رصاصات البطش وهم متوجهون إلى مساجدهم تحت وابل الرصاص فيذهبون شهداء على وضوئهم! ويطلب الطغاة البغاة أن يعبد الزعيم وحده فلا إله غيره! فأي طغيان وكفر وإجرام بعد هذا كله!

نقدم التجربة السعودية في التعامل مع المخالفين المنحرفين الضالين بالحكمة والإرشاد والنصح والاحتواء وتطبيق شرع الله، في أتون لحظات لا يتورع طغيان العسكر فيها عن إبادة الأخضر واليابس وإحراق المدن والقرى على ساكنيها وهدم المساجد والمآذن على مواطنين أبرياء عزل ذنبهم الوحيد أن قالوا: نتعطش إلى الحرية، ونتوق إلى الخلاص من بطش الطغاة وإجرامهم بعد عقود أربعة من الاستعباد والذل.

ولذا نقدم التجربة السعودية النموذج، البدو وأبناء الصحراء الذين يعلمون الحكومات الثورية كيف تعطي « الرجعية « التي اتهمنا بها سنين طويلة هذه الثمار اليانعة من العقل والحكمة والنهوض والتطور والانفتاح.

ksa-7007@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة : د.محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*