السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العدل والأمانة.. لا صلاح للدول دونهما

العدل والأمانة.. لا صلاح للدول دونهما

كثيرة هي المعاني والأخلاق الفاضلة التي تأمر بها الشريعة الإسلامية وسائر الشرائع وتدعو إليها الفطرة السليمة، إلا أن من أهم هذه الفضائل الواجبة التي تكرر الأمر بها في القرآن الكريم والسنة النبوية في صور كثيرة ومواطن متعددة خلقي (العدل والأمانة)، وقد قرن الله عز وجل بينهما في آية عظيمة تحمل من المعاني والأبعاد ما لا يتسع المقام لبسطه وتجليته وهي قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).

ولعظمة معاني هذه الآية أفاض العلماء والفقهاء والمفسرون في شرحها وبيان دلالاتها العامة والخاصة، إلا أن من أوضح وأبرز ما تؤكده هذه الآية أنها تدل على أن العدل لا يوجد إلا إذا وجدت الأمانة، والأمانة لا توجد إلا بتحقيق العدل، فهما متلازمان تلازماً لا يمكن تفريقه، كما أن العدل والأمانة اللذين أمر الله بهما وبغيرهما لا صلاح ولا قيام ولا استقرار ولا بقاء لأي دولة؛ يشملان جميع معاني العدل والأمانة وصورهما ابتداء بعدل الإمام والملك والوزير وأمانتهم، فيما ولاهم الله عز وجل من ولايات عامة أو خاصة، وانتهاء بعدل وأمانة الرعية وعموم الناس في تعاملاتهم وما تحت أيديهم من أمانات حتى يصل الأمر في منتهاه إلى أمانة الرجل في غسل الجنابة كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة.. وذكر منهن: أداء الأمانة. قيل يا رسول الله: وما أداء الأمانة؟ فقال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها”، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده جيد.

كم أتمنى لو استشعر كل موظف أو مسؤول مهما كانت مرتبته أمر الله عز وجل بالعدل والأمانة وتحريمه للظلم والخيانة، وتأمل خطورة التفريط فيهما وأثره على الناس والمجتمعات والدول ..

يقول القرطبي “رحمه الله”: “والآية عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الحكومات.. وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى”. وقال رحمه الله عن الجزء الثاني من الآية: “وقوله سبحانه (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما في أداء الأمانات؛ وعلى هذا ينبغي على ولاة الأمر أن يحكموا بالعدل بين رعيتهم، وعلى القضاة أن يحكموا بالعدل بين المتخاصمين إليهم، وعلى الآباء أن يحكموا بالعدل بين أبنائهم، وعلى الزوج أن يحكم بالعدل بين زوجاته، وعلى المعلم أن يحكم بالعدل بين طلبته، وعلى الرئيس أن يحكم بالعدل بين مرؤوسيه، وهلم جرّا. وبتتبع ما تضمنه القرآن والسنة من نصوص تأمر بالأمانة والعدل وتحذر من الخيانة والظلم ندرك أهمية وخطر هذين الأمرين العظيمين، اللذين أجمع العقلاء من البشر والحكماء وأهل السياسة على أنه بغيرهما لا تقوم الدول ولا تستقر ولا تستمر، وبقدر ما يتهاون في تطبيقهما ويبدأ تضييعهما يبدأ الضعف وعوامل السقوط وعلامات النهاية تظهر في الحضارات والأمم والدول. حين تباع الذمم وتستباح الحقوق ويسود أهل الغش والجهل والخيانة ويؤخر أهل النصح والعلم والأمانة. قال أنس رضي الله عنه: «ما خَطَبَنَا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلاَ قال: لاَ إيمَانَ لمن لا أَمَانَةَ له…» رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

وسأله عليه الصلاة والسلام رجلا عن وقت الساعة فأجابه قائلاً: «فَإذَا ضُيّعَت الأَمَانَةُ فَانتَظر الساعَةَ، قَالَ: كَيفَ إضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إذَا وُسّدَ الأَمرُ إلَى غَير أَهله فَانتَظر الساعَةَ» رواه البخاري. وقال ابن مَسعُود رضي الله عنه: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة». 

وإن مما يسر الخاطر ويبعث على الطمأنينة ويشرق بنور الأمل في النفوس ما من الله به علينا من ولاية خادم الحرمين الشريفين وسيرته التي حين نقلب صفحاتها تُذكّرنا بسيرة ملوك وخلفاء الإسلام العظماء الذين سطر لهم التاريخ أروع القصص وأعطر الذكرى في رعاية الأمانة والحكم بالعدل والقوة في الحق حتى لا تأخذهم فيه لومة لائم.

وإن المتتبع لأوامره – أيده الله وحفظه – وتوجيهاته وكلماته التي يصدرها في مختلف الأحوال والمناسبات لا يرى فيها إلا هاجس الخوف من الله واستشعار عظم المسؤولية، والرغبة الأكيدة في بسط العدل والتحذير والتهديد من الفساد والتقصير والخيانة والاعتداء على الحقوق العامة أو الخاصة.

فما بين الأوامر الملكية في فاجعة سيول جدة، إلى الأمر الملكي بتنظيم الفتوى وقصرها على أهلها، إلى الأوامر الملكية بتعيين الوزراء ونواب الوزراء أو عزلهم وفق ما تقتضيه المصلحة وما يصل لعلمه – حفظه الله – من نجاح بعضهم أو إخفاقه وتقصيره، إلى أوامره وتأكيداته المتتالية التي يوجهها إلى الجهات الرقابية في الدولة لحضها على القيام بكامل واجبها دون تهاون ولا تخاذل، إلى قوته وعزمه – حفظه الله – في محاربة كافة صور الفساد والتقصير والاعتداء على المال العام ومحاسبة ومعاقبة من يثبت ارتكابه لذلك كائناً من كان.

إلى غير ذلك من آلاف الصور والشواهد والأمثلة منها ما أُعلن على الناس لارتباطه بأحداث عامة، والكثير منها لم يطلع عليه إلا من يخاطبون به من وزراء ومسؤولين أصبحوا يعلمون علم اليقين أنهم في عهد راشد صالح مصلح لا يقبل الاعتذار للتقصير ولا يسامح على الظلم أو الخيانة أياً كان مصدرها.

فكم أتمنى لو استشعر كل موظف أو مسؤول مهما كانت مرتبته أمر الله عز وجل بالعدل والأمانة وتحريمه للظلم والخيانة، وتأمل خطورة التفريط فيهما وأثره على الناس والمجتمعات والدول، بل حتى أثره على العمران والمطر وحياة الأرض والدواب والأنعام التي تصاب بالنقص ومحق البركة والقحط متى ما فشا الظلم والجور وضيعت الأمانة.

وكم أتمنى لو سار جميع مسؤولي الدولة ورجالها وموظفيها على خطى الملك الصالح والقائد المصلح – حفظه الله – واقتدوا بسيرته وتشبهوا بأفعاله وأدركوا صدق نيته وحبه للإصلاح وكراهيته للفساد.

فإن صلاح أحوالنا واستقرار وحفظ أمننا وازدهار معيشتنا كله مرهون برعاية هذا الأمر الجليل ورد عن الإمام أبو يوسف قاضي هارون الرشيد – رحمهما الله – أنه كتب للخليفة هارون كتابا جاء فيه: “إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر يزيد به الخراج وتكثر به عمارة البلاد”.

* القاضي السابق في ديوان المظالم والمحامي حالياً

-- الرياض:محمد بن سعود الجذلاني *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*