الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإنترنت سلاح الإرهابيين

الإنترنت سلاح الإرهابيين

 تطورت المواقع الإرهابية والتي تنشر فكر القاعدة وغيرها من المنظمات الإرهابية من أربعة مواقع في عام 1998 إلى قرابة العشرة في 2001 عندما دخلت الانترنت للعالم العربي كانت ضعيفة وهزيلة ولكن استخداماتها قفزت قفزات هائلة وسريعة ومذهلة فلقد حقق مستخدمو الإنترنت في العالم العربي أكبر وتيرة نمو في العالم كله في الفترة بين 2000-2007 بلغت نسبتها 93.18 في المئة بعدد يتراوح بين 28-33 مليون إنسان من المجموع العالمي للمستخدمين والبالغ عددهم 1.319 بليون مستخدم بنهاية كانون الأول (ديسمبر) 2007.

وأصبح المتكلمون باللغة العربية يمثلون المرتبة العاشرة في العالم وهذا الرقم مرشح للارتفاع وبسرعة هائلة حيث ما زال يعتبر ضئيلاً إذا ما قورن بالدول الأخرى، إذ يشكل العرب المتعاملون مع الانترنت 7،5 في المئة من عدد السكان بينما في أوروبا فيبلغ 35،5 في المئة من العدد و 67،4 في أميركا الشمالية و 17 في المئة من سكان الصين يتعامل معها.

وهذا يثبت وبلا شك أننا سنرى تزايداً مطرداً وسريعاً لمستخدمي الانترنت في العالم العربي والمملكة العربية السعودية خصوصاً. وتذكر إحدى الدراسات الحديثة أن هنالك 4.5 مليون سعودي يتعاملون أو تعاملوا مع الإنترنت أي 18 في المئة من سكان المملكة، الغالبية العظمى من هؤلاء هم من جيل الشباب وذكرت الدراسة أن نسبة منهم دخلت مواقع فاسدة أخلاقياً أو فكرياً وهذا بحد ذاته مشكلة.
 
تطورت المواقع الإرهابية والتي تنشر فكر القاعدة وغيرها من المنظمات الإرهابية من أربعة مواقع في عام 1998 إلى قرابة العشرة في 2001 ومن أحداث الحادي عشر من سبتمبر حصل لهذا الفكر انفجار في العدد والسعة والكثافة فتحولت من عشرة إلى قرابة أربعة آلاف في غضون أربع سنوات وهي اليوم تعد بحسب أحدى الإحصاءات أقرب للعشرين ألف موقع وتتوالد مثل توالد أنثى الخنزير بسرعة وكثافة.

لقد أصبحت الخلية الإرهابية لا يهمها كم من الناس قتلوا بقدر ما يهمها كم من الناس شاهدوا وتفاعلوا مع الحدث الإرهابي، وهذا حول أفراد الخلية الإرهابية من مجموعة قليلة من الناس مبعثرة جغرافياً لتشكل مجتمعاً خاصاً بها يساعدها على الالتحام والتواصل الدائم، هذا الأمر يوهم الآخرين بأن هذا المجتمع كبير وغير محدد الأبعاد الكمية وقوي ومنظم…

بينما هو على العكس تماماً فقد تكون هذه الخلية قائمة على شخص واحد أو شخصين مع أجهزة حاسب محمول والكثير جداً من وقت الفراغ الذي استغل في الدمار والإفساد والقتل.
 
الأسلحة تغيرت

 يجب أن نعترف بأن الإرهابي بالأمس كان يتسلح ببندقية، أما إرهابي اليوم فجهاز حاسب محمول وهذا الذي حول الإنترنت لأداة رئيسية في النشاط الإرهابي الدولي. لقد خدمت الانترنت الخلية الإرهابية من حيث تضخيم الصورة الذهنية لقوة وحجم تلك الخلايا والتي تمتلك عدداً قليلاً من الأفراد لديهم أو لدى أحدهم خبرة بالانترنت وبرامج الملتيميديا لبث رسائل إعلامية تخدم أهدافهم الشيطانية كذلك لشن حرب نفسية ضد مستهدفيها والدعاية لأهدافها وأنشطتها بعيداً عن وسائل الإعلام التقليدية.

كذلك لتحقيق الترابط التنظيمي بين الجماعات والخلايا ولتبادل المقترحات والأفكار والمعلومات الميدانية حول كيفية إصابة الهدف واختراقه والتخطيط والتنسيق للعمل الإرهابي كذلك في تدمير مواقع الانترنت المضادة واختراق مؤسسات حيوية أو حتى تعطيل خدماتها الإلكترونية.

إن أهم العناصر التي تخدم الخلايا الإرهابية والتي توفرها لها الانترنت كما ذكرها غابريال ويمان في كتابة الإرهاب على الشبكة العالمية:

التنقيب عن المعلومات: حيث أن شبكة الانترنت عبارة عن مكتبة مليئة بالمعلومات الحساسة والتي تسيل لعاب أرباب الإرهاب.

الاتصالات: حيث تساعد الشبكة الإلكترونية على الاتصال بين أعضاء الخلية الإرهابية بعضهم ببعض والتنسيق في ما بينهم، وذلك لقلة تكاليف الاتصالات مقارنة بالوسائل الأخرى كما تمتاز بوفرة المعلومات التي يمكن تبادلها بالصوت والصورة.

التعبئة وتجنيد إرهابيين جدد: وهذا الأمر يحافظ على استمرار الخلية وبقائها وهم يستغلون تعاطف الآخرين من مستخدمي الانترنت مع قضاياهم ويجتذبون الصغار بعبارات حماسية مثيرة خاصة من خلال غرف الدردشة الإلكترونية.

إعطاء التعليمات والتلقين الإلكتروني: وذلك بواسطة مواد مرئية ومسموعة تشرح وببساطة طرق صنع القنابل والأسلحة الكيماوية.

التخطيط والتنسيق: حيث تعتبر الانترنت وسيلة اتصال بالغة الأهمية بالنسبة للمنظمات والخلية الإرهابية حيث تتيح لهم التنسيق الدقيق لشن هجمات إرهابية ويستخدم أرباب الإرهاب emails و chat rooms لتدبير الهجمات الإرهابية وتوزيع الأدوار وتنسيق الأعمال والمهام لكل عضو في الخلية.

الحصول على التمويل إذ إن أرباب الإرهاب يحصلون من الانترنت على قوائم إحصائية سكانية للتعرف على الأشخاص ذوي القلوب الرحيمة ومن ثم استجدائهم لدفع تبرعات وصدقات وزكوات لأشخاص اعتباريين أو مؤسسات خيرية يمثلون واجهة لهؤلاء الإرهابيين، وذلك بطرق ماكرة خبيثة لا يشك فيها المتبرع بأنه يساعد أحد المنظمات الإرهابية.

مهاجمة المنظمات الإرهابية الأخرى: إذ إن الإنترنت هي حلبة مصارعة بين المنظمات وبين الخلايا وحتى أعضاء الخلية الواحدة وتمتلئ المواقع الإلكترونية بالسباب والتشاتم واللعان بين أعضاء المنظمة الواحدة.

للأسف لقد أصبح اليوم وفي عصر الإرهاب الرقمي الحاسب الآلي المحمول وكاميرا الفيديو المحمولة على الكتف أو اليد أصبحت بأهمية وخطورة الكلاشينكوف وقذيفة «الآر بي جي»  وهذا ما أشار إليه أحد قادة الإرهاب عندما ذكر بالحرف: «إننا نخوض أكثر من نصف معركتنا في الساحة الإلكترونية والإعلامية» وقدم هذا الإرهابي الخبيث الدموي القاتل نصيحة لكوادره العاملة قائلاً: «عليكم أن تدركوا أن كل لقطة تلتقطونها هي بأهمية صاروخ يطلق على العدو …».

لقد استغل الإرهاب الحاسب والكاميرا إلى أقصى حدّ ممكن فأصبحت تقدم أدلة عسكرية على شكل كتب وأفلام وسلايدات «باور باوينت» تتضمن معلومات شتى عن الأسلحة وتقنيات الاغتيالات وصنع المتفجرات والسموم.

أصبحت شبكة الإنترنت الواسعة وكأنها معسكر تدريب افتراضي للإرهابيين ، وللأسف فلغة الغالبية العظمى من هذه المواقع هي العربية، وهي تدعو للجهاد ولكن في الوقت نفسه تعلم أصول صنع المواد المتفجرة والأحزمة الناسفة. هذه المواقع الإرهابية والمتطرفة من الصعب جداً تعقبها لأنها تظهر على الشبكة الإلكترونية ثم تختفي سريعاً، والأصعب من ذلك معرفة وتتبع الأشخاص المسؤولين عنها، لأن أماكن إخفاء الهوية على الإنترنت تزداد سهولة، ولقد نشرت صحيفة النيويورك تايمز تقريراً يؤكد أن 90 في المئة من الهجمات الإرهابية استخدم فيها متفجرات صناعة يدوية من تلك التي توجد وصفاتها بكثرة على شبكة الإنترنت. لقد لعب البريد الإلكتروني دوراً مهماً في التواصل بين الإرهابيين وتبادل المعلومات بينهم، بل إن كثيراً من المعلومات الإرهابية التي حدثت في الآونة الأخيرة كان البريد الإلكتروني فيها وسيلة من وسائل تبادل المعلومات وتناقلها بين القائمين بالعمليات الإرهابية والمخططين لها.

وإذا كان التقاء الإرهابيين في مكان معين لتعلم طرق الإرهاب وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات صعباً في الواقع، فإن الإنترنت سهلت هذه العملية كثيراً، إذ يمكن أن يلتقي أشخاص عدة في أماكن متعددة في وقت واحد، ويتبادلوا الحديث بل يمكنهم أن يجمعوا لهم أتباعاً وأنصاراً عبر إشاعة أفكارهم ومبادئهم من خلال مواقع الإنترنت ومنتديات الحوار وما يسمى بغرف الدردشة.

وإذا كان الحصول على وسائل إعلامية تقليدية كالتلفزيون والإذاعة صعباً، فإن إنشاء مواقع على الإنترنت واستغلال منتديات الحوار وغيرها لخدمة أهداف الإرهابيين أصبح سهلاً وممكناً، بل تجد لبعض المنظمات الإرهابية آلاف المواقع حتى يضمنوا انتشاراً أوسع، وحتى لو تمّ منع الدخول على بعض هذه المواقع أو تعرضت للتدمير تبقى المواقع الأخرى سهلة الوصول .
 
دروس مجانية

 المواقع الإرهابية والمتطرفة للأسف تتطور بسرعة خارقة من حيث التصميم والإمكانات التقنية، ولقد تنبه الإرهابيون باكراً جداً إلى الإمكانات التي تتيحها الإنترنت ما جعلهم يطورون تقنياتهم فيها، وللأسف فما زالوا يحافظون على سعيهم الدائم للتطور والتنظيم الإلكتروني.

يوجد على الشبكة الإلكترونية بعض المواد التي تعتبر بمثابة دروس مجانية للإرهابيين، خصوصاً المبتدئين منهم، ابتداء من بيان كيفية صناعة الزجاجة الحارقة، مروراً بكيفية صنع الطرود المفخخة، وصولاً إلى كيفية صناعة بعض القنابل.

وأصبح كل ما يحتاج إليه الإرهابي المحترف في هذا المجال الحيوي والمعقد هو جهاز حاسب آلي واتصال بشبكة الإنترنت، مما يتيح لهذا الإرهابي القيام بأعمال تخريبية وهو آمن في مقره بواسطة نقرات بسيطة على لوحة المفاتيح ومن دون أن يترك أثراً. هذه النقرات على لوحة المفاتيح قد تنطوي على أوامر مواجهة لبعض الخلايا للقيام بأعمال إرهابية معينة.

يجب أن نعترف أن الإنترنت لها مجال مفتوح وواسع وبلا حدود ويتوسع في كل يوم ويمكنك من موقعك في أي بلد الوصول لأي مكان من دون أوراق أو تفتيش أو قيود، وكل ما تحتاج إليه هو بعض المعلومات لتستطيع اقتحام الحوائط الإلكترونية، كما أن تكاليف القيام بمثل هذه الهجمات الإلكترونية لا يتجاوز أكثر من حاسب آلي واتصال بشبكة الإنترنت.

لقد أصبح الإرهاب الحديث أكثر ضراوة لاعتماده على التكنولوجيا المتطورة للإنترنت، التي ساعدت المنظمات الإرهابية في التحكم الكامل في اتصالاتهم ببعضهم البعض، ما زاد من اتساع مسرح عملياتهم الإرهابية، وبالتالي أصبح من الصعوبة اصطياد هذا الوحش الإلكتروني الجديد وتدميره وقتله.

أضحت الشبكة العنكبوتية «الانترنت» الساحة المتاحة الأكبر لمعتنقي الفكر التكفيري والتفجيري لاجتذاب أكبر عدد من الشباب من خلال الشات وغرف البالتوك أو بنشر أفكارهم على المنتديات أو من خلال المواقع التي تعبر عن الجماعات التي تعتنق هذه الأفكار أو القريبة منها.

ولقد تولدت قناعة لدى بعض المؤمنين بأفكار التنظيمات المتطرفة والتكفيرية والإرهابية أن شبكة الانترنت تعد مجالاً خصباً لممارسة ما أطلقوا عليه الجهاد الإلكتروني، ودفعهم ذلك لتدمير المواقع المخالفة لنهجهم ومحاولة نشر فكر التنظيم وإقناع الشباب به، وبالتالي أصبحت الشبكة هي البديل لمن لم يتمكن من الإرهاب كسلوك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو تصوير وإظهار ممارسي الإرهاب الرقمي بمظهر البطولة والقدرة والتي جعلت منهم نجوماً يسعى الكثير من المراهقين لتقليدهم والإفادة من تجاربهم الإرهابية والمتطرفة والتكفيرية.

هل يصدق أن احد المواقع الإرهابية الكبيرة أسست ما أسمته جامعة الجهاد الإلكترونية تحتضن كليات عدة منها كلية الجهاد الإلكتروني وكلية جهاد النفس وكلية تقنية العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وكلية الجهاد الإعلامي؟!

إننا أمام مجتمع افتراضي تحكمه ديموقراطية بلا حدود ولا قيود ولا توجد في الغالب مساءلة إزاء وجود محتويات غير قانونية فضلاً عن إمكانات هائلة في التواصل الصوتي والمرئي والمكتوب ذي طبيعة سرية وفورية وقليلة التكلفة، وهي أمور تساعد التنظيم الإرهابي على بناء علاقات بين أعضائه في الفضاء الخارجي بعيداً عن المراقبة الأمنية، يستفاد من ذلك من أعداد هائلة من الزوار من مختلف الجنسيات يمكن للتنظيم أن يجند بعضهم أو يكسب تعاطف البعض الآخر. وتقوم العلاقات بين الأفراد في التنظيم الإرهابي الإلكتروني على النمط الشبكي الأفقي الذي يتساوى أفراده في الحقوق، فلا يملك أحدهم السلطة على الآخر، فهو مجتمع بلا قوانين ملزمة لسلوك الأفراد، ويستطيعون الدخول والخروج من هذه الشبكة متى ما يشاؤون.
 
الهيكل الأفقي

 العلاقات داخل التنظيم الإرهابي الإلكتروني قائمة على الهيكل الأفقي وعلاقاتها قائمة على مبدأ المرونة والتنسيق والدعم والتخطيط الاستراتيجي والفكري من دون إملاء للقرارات التكتيكية، وهذا المنطق يجعلها أكثر قدرة على الضربات الأمنية، فالتنظيمات ذات البناء الهرمي الصارم تصاب بالتصدع بعد كل ضربة وقد تنهار نهائياً.

بينما تمتاز المنظمات غير الهرمية بالقدرة على امتصاص الضربة وعزلها والتعافي من آثارها بسرعة، لأن العلاقات داخل التنظيم جانبية (أفقية) وليست رأسية (هرمية).

ولذلك نرى تنظيماً إرهابياً مثل القاعدة مثلاً يتبنى معادلة التوجيه الاستراتيجي والاستقلال التكتيكي وترجيح التنسيق الأفقي على الهيمنة العامودية، فحرص التنظيم على وضوح السياج الفكري المتطرف والتكفيري في أذهان الأعضاء، لكن التنظيم سمح لهم بقدر كبير من الاستقلالية في التكتيك والأمور العملياتية، فهذا التنظيم لا يملك في الحقيقة أوامر تنزل من الأعلى للأسفل، ولكن العمليات تتفق مع الخط العام للتنظيم وباستقلالية تامة ما عدا الاسم والفكر يكون للتنظيم الأم.

وكعينة لإرهابيي الانترنت نأخذ مثالاً واحداً لشاب في الثانية والعشرين من العمر من أصل مغربي يعيش في لندن اسمه يونس واسمه في الانترنت (إرهابي007) وقبض عليه في تشرين الأول (أكتوبر) 2005. ويونس هذا لم يطلق طلقة واحدة في حياته ولكنه وبكل تأكيد أكثر خطراً من عشرات الإرهابيين، إذ لعب هذا الشاب أدواراً أساسية ومحورية في إعادة تنظيم القاعدة بعد سقوط نظام طالبان.

 كان يونس يعمل مع اثنين من المتعاملين معه، ومع أنه لم يسبق لهم الالتقاء وجهاً لوجه مطلقاً فإن جميع الاتصالات واللقاءات كانت عبر الشبكة العنكبوتية، لقد كانت هذه الخلية تدير شبكة لبطاقات الاعتماد المزيفة بقيمة بلغت 8.1 مليون جنية إسترليني، وأنفقت هذه الأموال على شراء معدات لتنظيمات إرهابية وتصميم مواقع جهادية على الشبكة الإلكترونية. كما تبين أن لهذه الخلية خاصة (إرهابي 007) ارتباطاً بالتخطيط لتفجير مواقع عسكرية ومدنية في واشنطن ولندن، وله علاقة بالخلية من الأطباء التي حاولت تفجير مطار غلاسكو، وعثر بجهاز (إرهابي007) على رسالة تقول «نحن 45 طبيباً مصممون على الجهاد في سبيل الله ونقل الحركة إلى داخل أميركا الفاسدة بعون الله». كما وجد في حاسبه كذلك مخطط لضرب قاعدة بحرية أميركية في فلوريدا.

وهذه عينة فقط لإرهابيي الانترنت ومدى فاعليتهم وخطرهم على المجتمع والأمن ككل.

ظهرت في الإنترنت دعوات كثيرة جداً للشباب للذهاب للعراق وغيرها من المناطق الساخنة بالحروب والقلاقل للقتال ومقاومة المحتل. وما زالت المنتديات تدفع بشبابنا وأبنائنا للذهاب هناك، حيث الموت والمحرقة الفعلية للشباب. وهذا الذهاب للهلاك والدمار للأسف يسوّق له بغير اسمه فاسمه عبر الإنترنت الجهاد ودفع الصائل وجهاد الدفع وغيرها من المسميات الرنانة عند كثير من شبابنا الذين لا يملكون الفقه لمعرفة الحق من الباطل.

الحق الذي عرفته عن طريق عدد من الشباب الذين قدموا من تلك المناطق الساخنة أن شبابنا وأبناءنا يستغلون هناك لهجمات انتحارية، إذ إنهم ذهبوا هناك للموت، فمرحباً بهم للموت. الشاب السعودي ذهب ليموت هناك وعند وصوله يعطى سيارة مفخخة ليفجر نفسه بها ويموت بثمن بخس. وهناك عصابات في تلك المناطق تستغل الشاب السعودي لتصفية حسابات فيما بينها. الشاب السعودي يصل إلى العراق مثلاً وهو لا يعرف من هو عدوه من صديقه وللأسف ذهب هناك بثقافة متطرفة ثقافة الموت والهلاك. وعند وصوله تلتقطه إحدى الجماعات وترسله ليموت في أي جهة تريدها، فهل هذا الجهاد الشرعي الحقيقي؟

 شبابنا يدفع هناك ليكون وقوداً رخيصاً للحرب، ويستغل أبشع استغلال وتنتهك إنسانيته فقط لأنه يريد الشهادة.

إذاً علينا فعلاً أن نقف وقفة جادة وقوية في وجه من يريد تدمير شبابنا وإرسالهم للمحرقة هناك. للأسف الشديد يتعلق الشاب بالإنترنت، فهذه التقنية تعطيه إحساساً بالقوة (وهذه إحدى مترادفات مرحلة المراهقة) وإنه ليس وحيداً، وهذه المواقع يجب أن نعترف بأن كثيراً منها لديه جاذبية لهذا الفكر الفاسد، لأنه يضرب على الوتر الحساس، هنا يقتنع الشاب بالذهاب لمناطق القتال لنصرة هذه الفئة أو تلك، وأحياناً كثيرة يقع الشاب طعماً لعصابات في طريق ذهابه، إذ إنه ذهب سراً ويختطف ويطلب من أسرته وسفارات المملكة دفع فدية كبيرة لاسترجاعه وإلا قتل من تلك الجماعات المجهولة.

كذلك تفتح الإنترنت باب شر كبير من حيث تعليمها للشاب الصغير كيفية صنع واستخدام المتفجرات، والشاب المراهق يبحث عن هذه المتعة ويحاول أن يجربها، وهنا يتحول الشاب المسالم لقاتل، كذلك يتحدث الشاب لأناس غير معروفين يتعرف عليهم عن طريق غرف المحادثة في الغالب بأسماء رمزية، ويدخلون على الشاب من باب التوبة وأنه ارتكب من الذنوب والجرائم والخطايا ما الله به عليم، وأن السبيل الوحيد للتخلص من هذه الأوزار هو الشهادة في سبيل الله، ومن هنا تبدأ رحلة السفر للموت للتخلص من هذه الذنوب والآثام.

هنا يقع الشاب المراهق فريسة لأطماع كبرى، تبحث عن كبش فداء، ليقدم نفسه وماله قرباناً لتلك الجهات المجهولة فقط باسم التوبة من الذنوب، وكأن الذنوب لا يستطيع أن يتوب عنها هنا، مع أننا نحتضن في وطننا الكريم هذا الحرمين الشريفين، ومع ذلك يقنع أرباب الفكر التكفيري والضال، شبابنا بالتوبة في أماكن بعيدة، عن طريق قيادة صهريج مليء بالمتفجرات، أو يتحزم بحزام ناسف، يتحول فيها ساعد من سواعد أبناء هذا الوطن لأشلاء مترامية في بلاد غريبة لسبب غريب. وهناك مشكلة مرتبطة بهذا الموضوع، فعندما يهرب الشاب من تلك المناطق الساخنة بالحروب والفتن ويعود لوطنه، يعود بعقل وقلب جديدين، فقد مثل ما يقال (مات قلبه) مما رأى من القتلى والموتى، ويأتي لهذا الوطن الآمن وهو بثقافة وعقل الموت، فلا يستغرب أن يقتل أو يفجر، وأقـل ما فيهــــــــــا أن يصاب بمرض نفســي ويعتزل المجــتــمــــــع.

الشاب الصغير لا يستطيع تصور قسوة وهول الموقف هناك، وعند العودة للوطن يأتي بثقافة العنف والإرهاب.

هذه المواقــــــــــع الإرهابية يجب أن تكون مصدر معلومات كبيرة للأجهزة الأمنية من حيث علاقات الإرهابيين والفكر الإرهابي والخطط الإرهابية، ودراسة البيانات الصادرة من أرباب الإرهاب، و نحن هنا نستفيد من خلال سلاح الإرهاب لندمرهم به أو على الأقل لندرس خططهم واستراتيجياتهم حتى تتمكن الأجهزة الأمنية من أن تقف مع الإرهاب في نفس المستوى الفكري واللوجستي إن لم تتفوق عليهم بواسطة استخدام أسلحتهم ومواقعهم.

أتمنى أن تكون هذه المواقع الإرهابية مصدر معلومة أمنية ولو فقط للجهات الأمنية للاستفادة منها وحربها من الداخل ولا مانع في رأيي كمتخصص في الإرهاب من إدخال عناصر أمنية للكتابة لهذه المواقع وإفساد الخطط أو حتى لو وصل الأمر لتدمير المواقع، أو على الأقل حتى لا يثق من يدخل هذه المواقع بالعاملين فيها، فلا يدري هل هم أهل فكر أم جهات أخرى، وهنا تفقد هذه المواقع بريقها ولمعانها، وتصبح بدلاً من أن تخترق هي المواقع الرسمية تصبح هذه المواقع نفسها مخترقة من بعض الشباب الموثوق بهم دينياً ووطنياً وفكرياً للدخول والمحاورة وتشتيت جهود أهل الفكر الضال والإرهاب، وإدخال عناصر غير منضبطة لهذه المواقع مما يفقدها الثقة والقوة، ويجعلها متأرجحة مشكوك في أمرها وفي سريتها وفي ولائها لفكر التنظيم الضال، ويجعل من الدخول لها مخاطرة ومجازفة غير محسوبة العواقب.
 
إبهار  متعمد

 من الاستراتيجيات أن نهتم بالتمويل الإلكتروني فعدد كبير من المواقع الإلكترونية تقدم دعايات وإعلانات وخدمات وتقبض أموالاً طائلة في مقابل ذلك، وقد يكون  الموقع عادياً لا شائبة حوله، ولكنه واجهة لخلية إرهابية، ودلت بعض الدراسات أن بعض هذه المواقع يصل دخلها إلى ملايين الريالات، وهذه المواقع «العادية» تبهر المتصفح بالإعلانات المصممة تصميماً أقرب للخيال العلمي، وهي بذلك تربح الملايين من الريالات من هذه الدعايات والإعلانات والخدمات المقدمة، وللأسف الشديد لا يعرف أين تذهب هذه الأموال ولا أدري شخصياً هل هناك جهات محاسبية أو رقابية تشرف على هذه المواقع مالياً على الأقل، وهذا يجب إذا لم يكن موجوداً فيجب أن يفعل حالاً فالأمر لا يحتمل أي تأخير.

كذلك يجب ألا نغفل العوامل التي قد تساعد أو تؤثر على بعض الشباب، فالشباب هم المناخ الخصب لزرع المفاهيم التكفيرية تساعدهم في ذلك بعض العوامل مثل البطالة والحال المالية واللتين يجب أن نوجد برامج فاعلة لمساعدة الشباب بالأعمال وبالمال لنقضي على أحد أهم العوامل المساعدة على الدخول والتأثر بتلك المواقع التكفيرية ألا وهو وقت الفراغ.
 
* أستاذ علم الإجرام ومكافحة الجريمة المشارك بجامعة القصيم

-- الحياة : يوسف بن أحمد الرميح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*