الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كيف أدى النجاح الاقتصادي في مصر إلى ثورة يناير؟

كيف أدى النجاح الاقتصادي في مصر إلى ثورة يناير؟

خلافاً لما كان مرجواً، عجّل برنامج الإصلاح الاقتصادي في زوال نظام حسني مبارك، ولم يشفع له ارتفاع معدلات الأداء الاقتصادي، وشهادة المنظمات الدولية، لأنه لم يصحبه برنامج مواز لتحقيق العدالة الاجتماعية

لم يمض على تنحي الرئيس حسني مبارك سوى ستة أشهر، ومع ذلك فقد صدر عدد من الكتب والأبحاث العلمية، باللغة العربية والإنجليزية، وربما غيرهما، تحاول أن تفسر سبب انهيار نظام الرئيس مبارك.

وبقدر ما يعكس ذلك أهمية ووزن مصر في النظام الإقليمي، فإنه يعبر كذلك عن رغبة الباحثين في فهم هذا التحول في مصر واستخلاص الدروس والعبر.

ومع أن الصحافة قد قامت بتغطية “الشرارة” أو الشرارات التي أشعلت الثورة في مصر، مثل مقتل المدوّن الشاب خالد سعيد على أيدي رجال الشرطة، فإن من الواضح أن ذلك لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير. وكانت براعة الشباب في استخدام ذلك لتأجيج المشاعر التي كانت مشتعلة قبل ذلك بوقت طويل كما نعلم الآن.

وأذكر عندما سقط الاتحاد السوفييتي في عام 1989 اشتهرت مقولة إن ذلك الانهيار كان يبدو مستحيلاً قبل وقوعه، ولكنه بدا حتمياً بعد أن وقعت الواقعة. وقيل ذلك من قبل في الثورة الفرنسية والثورة الأميركية وغيرهما، فالثورة في الحالتين، كانت تبدو مستحيلة قبل وقوعها، ولكن بعد وقوعها يظهر جلياً للعيان أنها كانت أمراً حتمياً.

ونسمع اليوم مثل ذلك عن مصر، ولكن هذه المقولات على جمالها إنما تغطي حقيقة ضعف قدرة العلوم الاجتماعية والسياسية في التنبؤ بحدوث الثورات أو أي تحول اجتماعي وسياسي على هذا المستوى. فعلماء السياسة، وغيرها من العلوم الاجتماعية، قلما يعرفون أن تحولاً ما، كالثورة مثلاً، قد أوشك أن يحدث. ولكنهم بعد وقوع الثورة، يتبارون في بيان أسبابها، وتأكيد حتميتها. وجزء من ذلك طبيعي، فالصورة لا تتضح إلا بعد اكتمال عناصر الحدث، أي لحظة وقوعه، ولكن في ذلك تبسيطاً واختزالاً مخلاً، فحتى بعد وقوع الثورة، من الصعب أن نحدد بدقة ما هي العناصر التي أدت إلى نجاحها.

وعلى سبيل المثال، صدر هذا الصيف كتاب مفصل باللغة الإنجليزية عن سقوط نظام مبارك، يحاول المؤلف أن يجد جذور الثورة في التحولات التي مرت بها مصر في عام 1990، وما أدت إليه من سياسات نُفذت بطريقة أضعفت النظام وسحبت الشرعية منه تدريجياً.

ففي ذلك العام، مرت مصر بأحداث مفصلية، مثل اغتيال رئيس مجلس الشعب، وتزايد أعمال الإرهاب، وتراجع قطاع السياحة نتيجة لذلك. ووصل القطاع المصرفي إلى حافة الانهيار، بعد فشل عدد من البنوك المصرية، وانهار الجنيه المصري في أسواق العملة العالمية، وارتفع التضخم إلى 20%. وبدا الاقتصاد المصري، بل النظام السياسي بأسره، على شفير هاوية محتملة.

حدث ذلك كله قبل غزو صدام حسين للكويت في أغسطس 1990. وكما نذكر، اتخذت مصر وقتها قراراً حاسماً بمعارضة الاحتلال ودعم التحالف الدولي لتحرير الكويت. وتقديراً لهذا الموقف، ومراعاة للوضع الاقتصادي الحرج الذي كانت مصر تمر به، قامت الولايات المتحدة ونادي باريس بإلغاء ديون مصر، وتلقت مصر في تلك الفترة مساعدات إضافية تُقدر بنحو (15) مليار دولار.

وكما كان متوقعاً، أنعشت أموال المساعدات القطاع المصرفي المصري، وأعادت الاستقرار إلى أسواق العملة والاقتصاد بشكل عام، ولكن المساعدات الغربية جاءت مشروطة بالتزام مصر ببرنامج الإصلاح الذي وضعه صندوق النقد الدولي، وتضمن إعادة هيكلة الاقتصاد والسياسة المالية. وكان أهم عناصره، الخصخصة وتقليص الخدمات الحكومية، بما في ذلك شبكة الحماية الاجتماعية، والتخلي عن قيادة نقابات العمال. وجاء انضمام مصر إلى منظمة التجارة العالمية في عام 1995 مكرساً لهذا التوجه.

وبالفعل نجح برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، بل أعلن صندوق النقد الدولي في عام 2007 أن ذلك البرنامج حقق أعلى معدلات النجاح دولياً، حين بلغ معدل النمو الاقتصادي 7%، مقارنة بمعدلات النمو السلبية قبل تبني ذلك البرنامج. وانخفضت معدلات التضخم إلى 7% أيضاَ مقارنة بمعدلات التضخم العالية السابقة، واستعاد الجنيه المصري استقراره لأول مرة منذ عقود.

ولكن هذا النجاح كان يحمل في طياته عناصر ضعف رئيسة. فالتخصيص كان يثير شكوك المصري العادي، قبل أن تتكشف لاحقا حقيقة ما تم بالفعل، بأنه كان موجهاً لمصلحة أفراد معينين، ولم يراع مصلحة الاقتصاد أو المواطن العادي أو خزينة الدولة التي كانت تملك شركات القطاع العام التي تم تخصيصها.

أما تحرير الاستيراد والتصدير فجأة، دون توفير عناصر حماية بديلة للمصدرين، فقد انعكس سلباً على الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي يعمل فيها غالبية المصريين، خاصة صناعات المنسوجات التي تتميز بكثافة استخدامها للعمالة، مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة على الرغم من أن برنامج الإصلاح تضمن عدداً من الإجراءات التي صُممت لحماية فرص العمل للمصريين، ولكنها لم تنفذ على النحو المطلوب.

ومع البطالة وإلغاء الدعم الحكومي عن 75% من السلع التي كانت مدعومة سابقاً، ازدادت شكوى المواطن العادي من برنامج الإصلاح الاقتصادي، ولم يعد يقنعه “نجاح” البرنامج على مستوى الاقتصاد الكلي.

وأدت تلك الظروف، بالإضافة إلى تخلي الدولة عن قيادة نقابات العمال، إلى استقلالية تلك النقابات ومن ثم تسييسها، ولذلك كان دورها محورياً في الثورة.
وإلى حد كبير نرى من هذا الاستعراض أن النجاح الاقتصادي في مصر على المستوى الكلي، وشهادة المنظمات الدولية، واتخاذ جميع القرارات المطلوبة والمبررة علمياً، لم تنجح في إقناع المواطن العادي، إذ لم يصحبها برنامج مواز لتحقيق العدالة الاجتماعية. فإثراء طائفة محدودة من الشعب في الوقت الذي تخفض فيه الإعانات عن المواد الأساسية وتُقلص الخدمات الحكومية، أفقد برنامج الإصلاح الاقتصادي شرعيته في ذهن المواطن، ودفعه إلى المطالبة برحيل النظام.

-- الوطن أونلاين:عبدالعزيز حمد العويشق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*