الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العشر الأواخر موسم التسابق إلى الخيرات

العشر الأواخر موسم التسابق إلى الخيرات

 من نعم الله على عباده أنْ جعل لهم مواسم يضاعف فيها الأجور والحسنات ويرغب فيها بفعل الطاعات, يتسابقون فيها إلى فعل الخيرات, ومن تلك المواسم موسم رمضان المبارك الذي فرض الله علينا صيام نهاره, واستُحب لنا قيام ليله والإكثار فيه من الطاعات وإعمار المساجد فيه بنوافل العبادات كصلاة التراويح والقيام وتلاوة القرآن الكريم والاعتكاف, والإكثار من الاستغفار والتسبيح والتهليل, ففي هذا الشهر تُفتح أبواب السماء وتُغلق أبواب النار وتُصفَّد فيه الشياطين. وتتأكد فضيلة الأعمال في العشر الأواخر منه التي لياليها أفضل ليالي العام على الإطلاق.

وفيها ليلة القدر التي أنزل الله في فضلها سورة تُتلى وهي سورة القدر, من حُرم خيرها فقد حُرم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم رمضان شهرٌ مباركٌ, فرض الله عليكم صيامه, تُفتح فيه أبواب السماء, وتُغلق فيه أبواب الجحيم, وتُغل فيه مردة الشياطين, لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر, من حُرم خيرها فقد حُرم) أخرجه النسائي.

وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} سورة الدخان آية 3 أي: أنَّ القرآن الكريم أُنزل كاملاً في هذه الليلة, والقرآن الكريم فيه هداية الناس وإرشادهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة, وفيه حكم ما بينهم, وفيه إعجازٌ ظاهر, وفيه الشفاء للأمراض والأسقام, والهدى والرحمة.

 وليلة القدر ليلةٌ مباركةٌ فيها تقدير مقادير الخلائق, قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} سورة الدخان آية 4-5. وقال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أي: أنَّ أجر العبادة فيها خيرٌ من أجر العبادة في ألف شهر.

قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} أي: لعظم فضلها فإنَّ الملائكة يتنزلون فيها, ومعهم جبريل عليهم السلام, وهم لا يتنزلون إلا بالخير والبركة, وأنها سلامٌ حتى مطلع الفجر.

ومن قام هذه الليلة إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه, ومن صام رمضان إيمااً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه) أخرجه الشيخان.

ومن فضائل الأعمال التي تتأكد في العشر الأواخر قيام لياليها فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها مالا يجتهد في غيرها, فيشد مئزره ويوقظ أهله ويحيي ليله.

ومن فضائل الأعمال البر بالوالدين والصدقة وصلة الرحم والجود وأداء مناسك العمرة وكثرة تلاوة القرآن الكريم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان.

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة, والحسنة بعشر أمثالها, لا أقول: الـم حرفٌ ولكن ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرف) أخرجه الترمذي.

وعن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذي يقرأُ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة, والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقٌ فله أجران) أخرجه مسلم.

ولقد كان نبلاء الناس والصالحين منهم من سلف الأمة يتسابقون إلى تلاوة القرآن الكريم فمنهم من يختمه في شهر, ومنهم من يختمه في الشهر مرتين, ومنهم من يختمه ثلاث مرات, ومنهم من يختمه كل سبعة أيام, ومنهم من يختمه كل خمسة أيام, ومنهم من يختمه كل ثلاثة أيام.

فهم يعيشون مع القرآن يتلونه ويتدبرونه ويهتدون بهديه ويعطرون ألسنتهم بتلاوته, فهو ربيعٌ لقلوبهم, وجلاءٌ لهمومهم وغمومهم, ورافعٌ لدرجاتهم. وشهر رمضان هو شهر الصدقات والعفو والإحسان وتفريج الكرب.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصتْ صدقةٌ من مالٍ, وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً, وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله عز وجل) أخرجه مسلم. ففي الصدقة بركةٌ في المال, وسببٌ لنمائه وعدم نقصانه, وأنَّه لا يبقى لك من المال إلا ما تصدقت به, وخير الصدقة ما كان في الأقربين الأقرب فالأقرب, وهي في حقهم صدقةٌ وصلة رحم, والصدقة نجاةٌ من أهوال يوم القيامة, ونجاةٌ من النار, قال صلى الله عليه وسلم: (اتق النار ولو بشق تمرة) أي: ولو أنْ تتصدق بشق تمرة, وخير الصدقة ما كانت في حال الصحة والخوف من الفقر قال صلى الله عليه وسلم: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى, وابدأ بمن تعول) أخرجه البخاري. والعفو عمن أخطأ عليك من أعظم الأعمال الصالحة, ومن ثمراته أنْ يُعزَّ الله صاحب العفو, وهو طريقٌ موصلٌ للسعادة ولشيوع المحبة والألفة بين الناس واتحادهم وجمع كلمتهم.

ومن الأعمال الصالحة الاعتكاف في المساجد في العشر الأواخر وله أحكامٌ وضوابطٌ تتعلق به, فعلى من أراد أنْ يعتكف أنْ يتعلمها. ومن الأعمال الصالحة أداء مناسك العمرة في شهر رمضان إذ العمرة فيه تعدل حجة. قال صلى الله عليه وسلم لامرأةٍ من الأنصار: (فإذا جاء رمضان فاعتمري فإنَّ عمرةً فيه تعدل حجة) متفقٌ عليه. وهذه بعض فضائل الأعمال التي يحسن بالمرء عملها في هذه العشر.

فعلينا أنْ نتدارك ما بقي منها, ونحرص على حفظ أوقاتنا فيما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا, وأنْ نربي أبناءنا على فعل الطاعات ونحثهم عليه ونصبر ونصابر في ذلك.

واللهَ أسأل أنْ يتقبل صالح أعمالنا, وأنْ يعتق رقابنا من النار, وأنْ يغفر لنا ولوالدينا, وأنْ يرزقنا الإخلاص في القول والعمل, إنَّه سميعٌ مجيب.

– خطيب جامع بلدة الداخلة (سدير)

Mashri22@gmail.com

-- صحيفة الجزيرة :عمر بن عبدالله بن مشاري المشاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*