السبت , 10 ديسمبر 2016

ثورة بلا فوضى!!

تميّز الثوار في ليبيا، حتى الآن بأنه لم تسُد الفوضى في دخولهم العاصمة؛ بحيث يأتي الانتقام من كل من اتصل بالقذافي، أو نهب ممتلكات، والاعتداء على المتاجر والمحال التجارية كما جرى في العراق أثناء الاحتلال وانتهاء حكم صدام، والذي صاحبته كوارث الانتقام بمذابح غير مسبوقة ونهب كل شيء، حتى المتحف الوطني الذي يعتبر ذخيرة حضارة ما بين النهرين تعرض للسرقة والإتلاف..

ليبيا من حيث التنوع العرقي متعددة الأرومات، والقبائل لاتزال تعيش حياتها الخاصة وعقدها الاجتماعي، وتشبه العراق في هذه التركيبة القبلية والسكانية، لكنها متجانسة من حيث المذهب حيث الأغلبية الكبيرة سنية، على عكس العراق الذي وصل الخلاف بين الشيعة والسنّة إلى حد التقاتل، وكذلك ما تعرضت له الأقليات الأخرى، مسيحية وآشورية وكلدانية ويزيدية وغيرها من تهجير أو تخريب لكنائسهم ومقار عباداتهم..

المخاوف على ليبيا أن تتشرذم تشكيلات الثوار التي لا رابط بينها إلا إسقاط القذافي؛ لأن الجيش أصبح خارج المعادلة لانضمامه لحزب العقيد، وتفرُّق الباقين وهروبهم إما باتجاه الثوار، أو الاختفاء نهائياً خشية المساءلة والمطاردة، وهذا الفراغ لم يحدث للجيش المصري في حراسته الثورة، وهو غير ممكن في ليبيا ما يضطر أي سلطة لإعادة بناء القوات المسلحة والشرطة وهيكلة الأجهزة الأمنية الأخرى من جديد..

حلف الأطلسي، وبناءً على تجارب أمريكا في حروبها التي احتلت بها مواقع التوتر، ووضعتها في شبه هزيمة، يجعل الأوروبيين عازفين عن مجازفة دخول قوات برية حتى لو اعتبرت ليبيا مشتركة معهم في جوار البحر الأبيض المتوسط، ثم الخوف من أن ينقلب الحليف المنقذ إلى عدو يفتح باب الكرامة الوطنية الليبية برفض الاحتلال والاستعداء إلى تحرير الوطن بالكفاح المسلح..

ليبيا بلد بمساحات كبيرة، ويتركز السكان في المناطق الحضرية، وهم قلة قياساً على الجغرافيا الهائلة، وعودة عقلية المستعمر الأوروبي لمغريات الثروات تعتبر مجازفة خطيرة مهما كانت المبررات، إذ يجب مراعاة الحساسية الشعبية بعلاقات لا تنزع للفوقية خاصة في مجتمع قبلي نزعة الكرامة عنده عالية جداً..

الدعوات التي صاحبت نجاح الثورة برفض سياسة الانتقام واعتبار القضاء وسيلة التحكم والاقتصاص من أصحاب الجرائم، هي حق وطني شعبي، لكن أن تسود نزعة الاتهام لمجرد الانتهاء للحكم السابق فذلك ليس وسيلة ناجحة، بل على الأعضاء التذكر بإعادة القيمة لتاريخهم القريب وخاصة ملكهم إدريس السنوسي الذي أطاح به القذافي، والذي شكّل مملكة دستورية ربما هي الأولى من نوعها في التاريخ العربي الحديث، حتى إنه في منفاه في مصر، وحفظاً لأمانته أرسل سيارته لحكومة الثورة باعتبارها ملكاً للدولة، ورد الاعتبار لمثل هذه الشخصية تأصيل لقيمة ليبيا شعباً وتاريخاً..

وإذا كان هناك من أخطاء لتلك المرحلة تحاكم على ضوء حيادية القضاء، فذلك مطلب يجعل المقارنة بين حكم القذافي الذي دام أربعة عقود مع تلك الملكية المسالمة، هي نقطة العبور لدولة جديدة بعقلية تعيد البناء والحرية لشعب عانى ونجح في ثورته..

-- الرياض:يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*