الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الموت السريري للبعث السوري !

الموت السريري للبعث السوري !

من المفارقات الغريبة الظاهرة على مسرح الأحداث العربية اليوم، أن الربيع العربي هو من يكتب – بأمر الله – نهاية (البعث العربي الاشتراكي) من مكان مولده الأصلي، بعد رحلة دامت أكثر من 66 عاماً، يزعم فيها الانتصار للأمة العربية وصناعة مجدها وبناء حضارتها..

.. أي منذ ظهور فكرة البعث عام 1943م على يد زكي الأرسوزي، ثم ميشيل عفلق وصلاح البيطار واتحادهما مع أكرم الحوراني، خاصةً حزب (البعث العربي الاشتراكي السوري)، الذي يواجه اليوم أزمة وجود حقيقية بسبب واقع الأحداث الملتهبة في سورية منذ خمسة أشهر، ما يجعل نهايته أشبه ما تكون بنهاية حزب (البعث العربي الاشتراكي العراقي) مع الفارق في الأدوات والظروف، كون العراقي سقط تحت قصف أمريكا وحلفائها عام 2003م مع سقوط نظام صدام حسين البعثي، ومن ثم تمت ملاحقته من قبل الحكومات العراقية التي نصبها الاحتلال الأمريكي.

ملامح النهاية المرتقبة تبدو في المأزق الفعلي، الذي يعيشه البعث السوري الآن، أشبه ما يكون بالموت السريري، لأن الإصلاحات التي وعد بها الرئيس بشار الأسد خلال سياق خطاباته السياسية، وكان آخرها تشكيل لجنة الأحزاب تمثل التمهيد لهذا الموت، وضعت النظام البعثي أمام خيارين (التدخل الدولي) أو (الرفض الشعبي)، فاستمرار الأوضاع الساخنة ومشاهد القتل اليومي تدفع بهذا المجتمع شيئاً فشيئاً إلى تدويل الثورة السورية، كما حدث في ليبيا التي آتت ثمارها بسقوط نظام القذافي، وما التأخير الذي تظنه القيادة السورية تراخياً غربياً إلا دراسة جادة للآثار السلبية المتوقعة على أمن إسرائيل في حال كان هناك تدخل دولي عسكري، بحكم وجود جبهة بين سوريا وفلسطين المحتلة (دولة إسرائيل)، والغرب وبالذات أمريكا لا يرغبون في أي عمل قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على هذه الجبهة، فتكون النتائج وخيمة على أمن دويلة الكيان الصهيوني الذي عاش منعماً بهدوء تام من جهة الجبهة السورية منذ حرب النكسة عام 1967م.

أما الخيار الآخر فهو الرفض الشعبي حتى في حال تم وقف الأعمال الدموية في سوريا وتنفيذ الإصلاحات التي وعد بها نظام بشار الأسد، وأهمها التعددية الحزبية الحقيقية والعملية الانتخابية السليمة، لأن هذا يعني سقوط حزب البعث مع أول ورقة تدخل صندوق الانتخابات ومن ثم فقدانه السلطة، وذلك على خلفية جرائمه وأعماله العسكرية التي طالت حتى الأطفال والنساء، سواءً ما جرى خلال الشهور الخمسة الفائتة، أو ما نقش في ذاكرة الشعب السوري عن مذبحة حماة عام 1982م.

فهل يمكن أن يثق المواطن السوري بهذا الحزب العبثي بعد أعماله، التي شاهدها العالم مباشرةً؟ وقد كسر حاجز الخوف، أم هل يمكن أن يصدق وعوده الانتخابية وبرامجه التنموية، التي لا تعرف إلا لغة السجون والتعذيب؟ بعد أن استنشق عبق الحرية. قطعاً لا، لهذا نجد أن هذا الحزب الذي يمثل العمود الفقري للنظام السوري يواصل أعماله الدموية لهدف إخضاع الشعب السوري، وإعادته إلى بيت الطاعة العمياء حتى لو كلف ذلك إحراق المدن السورية، كما هدد بذلك ماهر الأسد أخو الرئيس حسب ما تناقلته مواقع إلكترونية، لأنه لازال يعيش بعقلية الماضي المتصدية بشعارات طلائع الأمة في وجه المؤامرة الاستعمارية، والتقدمية في وجه الرجعية وغيرها.

بقي أن أشير إلى أن ما بُني على باطل فهو باطل، وذلك بالرجوع إلى فكرة هذا (البعث)، الذي لم يكن يوماً على دين الله منهجاً وشريعةً، لهذا تبدو نهايته عبرة لكل التيارات القومية، فقد ظهرت فكرة (البعث العربي) مع زكي الأرسوزي أحد أبناء منطقة (لواء الأسكندرون)، التي تقع في شمال غرب سوريا، وضمتها تركيا الأتاتوركية عام 1939م، حيث قاد الأرسوزي حركة طلابية لمقاومة الإجراء التركي عام 1943م، وذلك بعد عودته من فرنسا، التي تأثر خلال إقامته فيها بالفكر اليساري، فدعا إلى (البعث العربي) لاستعادة لواء الأسكندرون، فانتشرت دعوته بين أوساط الشباب وقويت، خاصة بعد إقامته في دمشق عام 1950م، ثم انتحل ميشيل عفلق وصلاح البيطار كل أفكاره البعثية، وطوروها ونشروها تحت اسم (البعث العربي)، وكان شعاره (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)، مع استبعاد كل الاعتبارات الدينية والخصائص الإسلامية وما يتصل بهما من تاريخ وقيم وتشريعات، واعتبار اللغة والقومية هما الرابط الوحيد للأمة، بل إن بنية البعث الأساسية تشكلت من طوائف: العلويين والدروز والإسماعيايين والمسيحيين، ويكفي أن عفلق مسيحي من أم يهودية. غير أن ولادة هذا الحزب لم تكتمل إلا بعد اتحاده مع (الحزب العربي الاشتراكي) الذي أسسه أكرم الحوراني في ذات الفترة، فكان حزب (البعث العربي الاشتراكي). الذي ظهر في أكثر من بلد، ولكن أبرزهما: العراق وسوريا. ولعلي في مقال لاحق -إن شاء الله- أتحدث عن الفكر البعثي وقصة العداء الذي وقع بين بعث العراق وبعث سوريا.

kanaan999@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة:محمد بن عيسى الكنعان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*