الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » سقوط القذافي وتهاوي قلعة العزيزية: دروس وعبر مستفادة من نهايات الطغاة ومصارع الاستبداد! (1-2)

سقوط القذافي وتهاوي قلعة العزيزية: دروس وعبر مستفادة من نهايات الطغاة ومصارع الاستبداد! (1-2)

وهكذا يتساقط الطغاة واحدا بعد الآخر، تماما كأحجار الدومينو، لتثبت نظرية « العدل أساس الملك « وليسقط الاستبدادُ نفسَه وبمعوله هو كما تحدث عن هذا المعنى المفكر العربي السوري الحلبي عبدالرحمن الكواكبي (1271هـ – 1320هـ) الذي مات مسموما بعد شربه كوب قهوة من مقهى

« الأستانة « بالقاهرة في أثناء لقاء أخوي مع ثلة من المثقفين والكتاب. من سمه؟ من سعى إلى اغتيال فكره؟ من أراد إطفاء أنواره النهضوية المقاومة لكل أشكال الفساد والطغيان؟ إنه « الاستبداد « الذي كتب عنه كتابه الشهير « طبائع الاستبداد « ومقالاته التي لاتكاد تنقطع في جريدة « الفرات « التي نسب إليها لاحقا لشهرة ماكان يكتب، والتي تسمى باسمها حين ألف كتابه الآخر النادر « أم القرى «عن مؤتمر النهضة الإسلامية الذي انعقد بمكة المكرمة عام 1316هـ حيث تلقب بـ « السيد الفراتي».

قاوم المفكر الثائر عبدالرحمن الكواكبي استبداد الدولة العثمانية التركية وطغيانها وعنصريتها المقيتة، وأبان سبيل النهوض للأمة العربية، وسعى إلى تكوين رابطة عربية قومية، واجتهد مع مفكرين إسلاميين آخرين مجايلين له إلى تقديم رؤية مستنيرة للإسلام، مثل :محمدرشيد رضا، وعبدالعزيز الثعالبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمدعبده، ولكنه كان أكثرهم إقداما وشجاعة على مقاومة التتريك والاستبداد في المنطقة العربية، ورفض سياسة جمال باشا السفاح في مصر، وكذا فعل إبراهيم المويلحي في مذكراته الشهيرة « ماهنالك من بلاط السلطان عبدالحميد « حين كتب يومياته أو سيرته الذاتية في البلاط العثماني، ووصف بدقة وبأسلوب بليغ كيف يتم إحكام الرقابة على ماينشر في الصحافة التركية والعربية، وكيف يراقب الكتاب والمفكرون، وماهي مصاير من خرج منهم عن الطاعة بالموت مسموما أو مغتالا أو في الأقبية المظلمة.كتب الشرفاء كلمة الحق في ظلال معتمة من هيمنة الجبروت والطغيان، وقدم الكواكبي روحه فداء لما يؤمن به من قيم العدالة والحرية ومجد الأمة ومستقبلها، وسقطت الدولة العثمانية بجيوشها الجرارة وتسلطها وتجسسها واستعبادها الشعوب واغتيالاتها وسجونها وغزواتها الدموية على سائر أقطار الوطن العربي من الشام إلى نجد إلى اليمن إلى شمال إفريقيا، سقط الجبروت العثماني وبقي الكواكبي، وسقط محمدعلي باشا مندوب الباب العالي في مصر، وبقيت الدولة السعودية التي ناصبتها الدولة العثمانية العداء.

يزهق الله الباطل ويحق الحق، ويخسر المعتدي، وتندثر القوة الغاشمة، وتبقى الحقيقة الأزلية التي يسير على منوالها هذا الكون وهي « العدل « ولو كان الميزان مقلوبا لفسدت الأرض، ولما قام عمران، ولما تناسل إنسان، ولا بنيت حضارات.

لقد لخص المفكر العربي الكبير عبدالرحمن بن خلدون هذه الحقائق بأسلوب شفاف مستخلصا العظات والعبر من سير الأمم والدول المتعاقبة، ومما عاصره وشاهده وكان قريبا من زمانه ؛ فأعاد صياغة النواميس الكونية التي انطبقت على الأولين والآخرين وهي أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وأن الدول لها عمركعمر الإنسان، وأن مبادي الخراب في الأمصار تنبعث من التسلط والانفراد بالسلطة وعسف الناس والتجبر وفرض المكوس ومزاحمتهم في معايشهم وإشاعة الخوف والأخذ بالظنة والانتصار للعصبية وفساد الحاشية وتقريب المنافقين والمطبلين وإبعاد الصادقين والمخلصين.

هذه هي المبادئ التي وقف عليها ابن خلدون متأملا، وكأنه يجيب عن سؤال في غاية الأهمية:

كيف تقوم الدول وتنهض؟ ثم كيف تسقط وتتهاوى؟

كيف يبنى مجد أمة أو دولة وكيف يتسع ملكها ويزداد قوة ورسوخا بكثرة العمران ونهضة العلوم وإشاعة الأمن وبسط يد العدالة، ثم كيف يحل الخراب ومن أين يبدأ؟

وماهي أسباب؟

وماهي المراحل التي يسير فيها الفساد ليؤذن بسقوط الدولة وانهيارها وقبل ذلك ما هي الصفات التي يتحلى بها السلطان في فترات الازدهار وماهي تلك الصفات التي تغلب عليه في فترات الذبول ثم الانهيار؟

وهي أيضا المعاني العظيمة التي أطال التأمل فيها المفكر الشاب عبدالرحمن الكواكبي فقتلته، ولكنها أيضا أسقطت المستبد الذي رام كتم هذه الحقائق!.

واليوم تتكرر المشاهد وتتوالى الصور وكأن التأريخ يعيد سيرته الأولى أو أن الحاكم المتسلط يكرر نفسه على مدى تعاقب الأزمان، ويستنسخ الطبائع نفسها ولايرعوي ولايستفيد من الدروس ولا من المصاير، ولا يحسن قراءة التأريخ، وهنا نجد التشابه التام في صورة الدكتاتور بل أكاد أقول التطابق التام في أسلوب إدارة الدولة القائم على العسف والظلم والقسوة والتكبر والشعور المفرط بالثقة واستبعاد السقوط والشره والأنانية والشك والانتقام واستسهال إراقة الدماء وضرب التيارات بعضها ببعض وإبعاد القادرين والأقوياء والثقة في الخاملين والضعفاء، و الخوف من الكفاءات المميزة وإيلائها أسوأ الأمكنة وأقلها تأثيرا ووضع زمر ممن لايملكون رؤية ولاصدقا ولانزاهة ولا حرصا على مصالح الناس في مواقع وظيفية مهمة لأنهم يبصمون ويؤمنون ويركعون للطاغية المستبد وغير قادرين على قول كلمة: لا، ولا مستطيعين كشف سفاهات القائد الفذ ولا إبانة خطر قراراته غير الحكيمة ولا الصائبة!

وهنا يدب الخراب، ويسري دود الفناء في الدولة!

تتكرر الأحداث وتتشابه النهايات وتختلف الأسماء فقط!

السيرة الدكتاتورية الظالمة السفيهة واحدة والمصاير المأساوية واحدة ولكن الأسماء فقط لاتتطابق ؛ تتفق البدايات والنهايات وتختلف الألوان واللغات والأسماء على مدى التاريخ ؛ بدءا من نيرون وهولاكو والوليد بن يزيد الأموي وأبوجعفر السفاح والحجاج ومحمدعلي باشا وجمال باشا السفاح وستالين وهتلر وتشاوشيسكو وفرانكو وحافظ أسد وصدام حسين وبشار أسد وانتهاء بمعمر القذافي!.

ولنأخذ هذا الأخير من كوكبة السفاحين الظلمة نموذجا لتحليل شخصيته العصية على التحليل.

– يتبع –

-- صحيفة الجزيرة:د.محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*