الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حتى لا تخرج الثورة الليبية عن أهدافها .

حتى لا تخرج الثورة الليبية عن أهدافها .

شكلت الثورة الليبية تجربة نوعية بسبب اضطرار الثوار إلى حمل السلاح ، ومن ثمة عسكرة الثورة وتدويلها . إنه الخيار الثاني الذي اتبعه ثوار ليبيا بعد خيار المظاهرات والعصيان المدني الذي ميز ثورة الفل والياسمين في مصر وتونس . وإذا كانت تكلفة إسقاط نظام القذافي باهظة مقارنة مع ما تطلبه إسقاط نظامي مبارك وبن علي ، فإن فرص نجاح الليبيين في تحقيق أهداف الثورة تبدو وافرة مقارنة مع التجربة التونسية والمصرية . ويمكن رصد هذه الفرص كالتالي :

1 ـ الدعم الدولي العربي والأجنبي : مما ساهم في انتصار الثوار الدعم الدولي المباشر الذي اتخذ أشكالا عدة أبرزها التدخل العسكري الذي شل القدرات التدميرية للآلة الحربية التي حركها القذافي لتبيد المواطنين من أجل أن يبقى هو في الحكم ويؤمنه لورثته ، وانتصر الثوار رغم التكاليف الباهضة في الأرواح والدماء التي قدموها في سبيل الخلاص من الطاغية القذافي (ما يزيد عن 20 ألف قتيل ) . وهذا الدعم يشكل صمام أمان .

2 ـ غياب البنيات السياسية والحزبية مما يجعل الليبيين يخوضون التجربة الحزبية والمؤسساتية على قدم المساواة ودون التعلق أو الاستناد إلى شرعية ما تاريخية أو طائفية أو سياسية أو قبلية . فعلى مدى أربعة عقود لم يعرف الليبيون أحزابا أو نقابات ولا مارسوا تجربة التعدد والاختلاف .

لهذا لن تتغلب عليهم أي نزعة حزبية أو طائفية فتعوق جهود التواصل فيما بينهم . بل هم بحاجة إلى الانفتاح على تجارب الأمم والاستفادة منها في بناء نظام سياسي يقوم على قاعدة التعددية الحزبية والاختلاف الإيديولوجي . من هنا ، فالبيئة الليبية بعيدة عن الدسائس الحزبية والمؤامرات الطائفية التي تفسد الحياة السياسية وتؤجج الصراعات بين الأطراف والطوائف من أجل الظفر بالسلطة .

3 ـ الاستبداد شمل كل فئات المجتمع الليبي ولم يستثن جهة بعينها لتحظى بالسلطة والمال فتكون محط حقد ونقمة واستئصال على الشكل الذي تعرفه مصر وتونس بسبب النفوذ المالي والسياسي والاقتصادي للحزبين الحاكمين على عهد مبارك وبن علي ، حيث تتعالى الأصوات مطالبة بمنع أعضاء الحزبين من ممارسة أي نشاط سياسي ، بل وبتطبيق قانون الغدر من أجل الانتقام والإقصاء . فليبيا لم تعرف حزبا ولا قوة سياسية تتحكم في دواليب السياسة والاقتصاد ضدا على إرادة المواطنين عبر التزوير والتعيين ؛ لأن القذافي لم يكن يسمح ببروز أي جهة سياسية أو مدنية يمكن أن تمارس بعض النفوذ ولو الرمزي داخل المجتمع الليبي .

وما جرائمه المتعددة إلا تجسيد لجنون العظمة الذي تملك القذافي على امتداد حكمه وتحكمه في رقاب الليبيين الذين حُرموا حتى من معرفة أسماء لاعبي منتخبهم الوطني لكرة القدم بعد أن تحولوا إلى مجرد أرقام بدون بُعد إنساني ووطني ، بحيث يمنع حمل أسماء اللاعبين على الأقمصة الرياضية كما هو معمول به في كل دول العالم .

4 ـ غياب رموز وطنية يمكن أن تنافس على السلطة أو تصارع من أجلها حد إشعال الفتنة ، لما قد تملكه من رصيد سياسي أو ديني أو تاريخي يوفر لها قاعدة من الأتباع تكون ذات سطوة وغلبة وعزوة حتى ، لفرض الأمر الواقع أو تعطيل وتهديد الانتقال الديمقراطي على النحو الذي يعرفه ميدان التحرير في مصر ،أو المسيرات المليونية المضادة لبعضها البعض .

فلا جهة أو طرف يمكن أن يحشد الجماهير الليبية بمئات الآلاف من أجل مشروعه السياسي أو انتزاع مكاسب سياسية أو دستورية يستقوي بها على خصومه . كل الليبيين سيخوضون التجربة السياسية لما بعد القذافي من دون سند تاريخي أو شعبي يوفر لهم أيام حكم القذافي الذي تميز باغتيال المعارضين والرموز .

5 ـ رغبة المنتظم الدولي في معاقبة القذافي على جرائمه التي ارتكبها بدعم المجموعات المتمردة والإرهابية في العالم أو بإسقاطه الطائرات ، الأمر الذي سيحرم القذافي من كل دعم خارجي أو احتضان له ولأسرته . بل إن متابعته من طرف محكمة العدل الدولية بسبب جرائمه ضد الإنسانية ستعدم فرص نجاته أو لجوئه السياسي إلى أي بلد مجاور لليبيا يتخذه منطلقا لعمليات تخريبية أو إرهابية داخل التراب الليبي .

ومن شأن هذه الوضعية أن تعزز ثقة الدول في قيادة الثورة الليبية ودعمها لبناء دولة ديمقراطية تساهم في ضمان السلم والاستقرار في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط التي هي على مشارف أوروبا .وأي اضطراب أو فوضى وغياب الأمن في ليبيا سيتهدد مباشرة استقرار أوربا وأمنها . ولعل الحرص الأممي لإرسال شرطة للمساهمة في حفظ الأمن داخل ليبيا خصوصا مع الانتشار الواسع للسلاح الذي قد يتهدد الأمن العام ، من شأنه أن يعزز الوحدة الوطنية ويقوي فرص الانتقال الديمقراطي .

6 ـ الدعوات الأممية إلى الثوار باحترام حقوق الإنسان والتواصل مع كل الأطراف من أجل بناء ليبيا ما بعد القذافي . ومن شأن هذا الحرص الأممي أن يقضي على أسباب الفتنة في مهدها ولا يترك المجال لدوافع الانتقام أن تفعل فعلها في نفوس الثوار أو من كانوا من الموالين للقذافي .

ولا شك أن الرغبة التي أعرب عنها الترهوني نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي في دمج أنصار نظام القذافي في مؤسسات الدولة الجديدة التي تتشكل أركانها الآن في ليبيا، تدل على وعي المجلس بأهمية هذه الخطوة لتجاوز أسباب الفتنة وتوفير الشروط الموضوعية لتقوية الوحدة الوطنية .

وفي لقاء مع صحيفتي “زود دويتشه تسايتونغ” و”تاجيس شبيغل” الألمانيتين ، قال الترهزني “سنحافظ على 90% من رجال الشرطة الموجودين الآن” ، وأن هناك مباحثات تدور الآن بهذا الشأن، مبينا أنه لن يتم عزل أحد من عمله “إلا الذين تلطخت أيديهم بالدماء” . وبرر هذا القرار بأنه يأتي انطلاقا من الرغبة في تجنب الأخطاء التي وقعت بالعراق بعد سقوط نظام صدام .

إذن ، تتوفر للثورة الليبية أسباب النجاح في ضمان التحول الديمقراطي والقطع مع تجربة الحكم الفردي ما لم يتوفر لغيرها من الثورات العربية . ومن أجل حسن استثمار عناصر النجاح، على أعضاء المجلس الوطني الانتقالي توحيد مجموعات الثوار في إطار أو مؤسسة ذات صبغة عسكرية تشكل نواة للجيش الوطني الليبي ، مما سيساهم مباشرة في إدماجها في المشروع الوطني وتخلي بعد فئاتها عن قناعاتهم الإيديولوجية أو العقدية ، خاصة المجموعات التي تراجعت عن قناعاتها الجهادية . فالشعب الليبي يتطلع إلى الحرية والكرامة والمساواة ، ومن أجلها خاض ثورته وضحى بحيات أبنائه . ولا مجال لاستبدال استبداد بآخر .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*