السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نموذج «كابل» هل يريده القذافي في «طرابلس»؟!

نموذج «كابل» هل يريده القذافي في «طرابلس»؟!

اعتادت الأمم المتطورة أن تقوم بمستوى نقدي بعد كل نجاح. ما جرى في طرابلس كان حسماً مدوياً لصراع طويل مع كتائب القذافي استمر قرابة نصف السنة، وبطرد فلوله من طرابلس حقّق الثوار إنجازاً حقيقياً ملموساً، وحسناً فعل رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبدالجليل حين حذّر في أول كلمة له بعد سقوط طرابلس من “الجماعات المتطرفة” والتي اعتبرها قلّة يجب أن تسلّم سلاحها فور انتهاء العمليات وأن الاختلاف سيدفعه نحو الاستقالة. هذا تحذير من رمز المجلس الذي يرجع إليه الثوار، ولم يقل أحد إن هذا التحذير لضرب الثورة. هو ينتقد حالة محتملة حتى لا تَتبدّد مكتسبات الثورة. حضور بعض الرموز الحركيّة ذات التاريخ “الجهادي” كان واضحاً، مع أن القذافي في البدء زعم أن كل الثوار خرجوا لأن ابن لادن حرضهم، وأن كل الثوار يتبعون تنظيم القاعدة وهذا اتهام “فانتازي” كتبتُ عنه من قبل لأنه اتهام في غير محله. جاء تحذير عبدالجليل قبل أن تحذّر هيلاري كلينتون من ذات الخطر قبل أمس 26 أغسطس!

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً كتبه كل من: “جوبي واريك” و”كارين دي يونغ” جاء فيه أن الثوار أعدوا خطة منذ خمسة أشهر قبل دخول طرابلس لتجنب الفوضى بعد سقوط القذافي. الذي يجري في ليبيا اليوم حالة مهمة وحيوية وهي مطالبة شعب بسقوط طاغية رغبة في بناء واقع جديد. الثوار لديهم مرجعيات وخلفيات ورؤى مختلفة للواقع الذي يريدونه، وهذا اختلاف طبيعي بين بني البشر، لهذا فإن أساس إنجاح الثورة يقوم على مَأْسَسة العمل العسكري فور انتهاء العمليات، وألا يكون سقوط طرابلس مثل سقوط “كابل” حيث هزم العدو “السوفييتي” ثم أُحْيت نيران الاختلاف وبدأت الحرب بين “المجاهدين” أنفسهم، بسبب أن تلك الحرب كانت غير مؤسسة ضمن جيش منظّم وإنما جاءت عفوية شعبية، ثم حين هدأت عاصفة الحرب جاءت شرارة الاختلاف التي دمرت أفغانستان وضيعت طعم ذلك الانتصار وقيمته التنموية.

من بين الأخطار التي تهدد الثورة في ليبيا هي “الجماعات المتطرفة” التي أشار إليها رئيس المجلس الانتقالي، من الواضح أن المجلس يعي الخطر الذي يمكن أن يأتي، وخاصة حين نتذكر النشاط الذي تعيشه هذه الأيام القاعدة في أفريقيا عامة وفي المغرب الإسلامي خاصة، مواجهات في موريتانيا بين الحكومة والقاعدة، نشاط للقاعدة في الجزائر عبدالقهار بلحاج في 25 يوليو قتل قبيل تفجير عملية همّوا بها في العاصمة الجزائرية، كما لا ننسى حضور القاعدة في الصومال، ذلك الحضور يمنح المدّ المتطرف تربة خصبة للتكاثر، والتنظيمات المسلحة بطبيعتها تنجذب مغناطيسياً إلى مناطق الصراع والفلتان. اليوم في ليبيا هناك هدف أساسي واحد هو القضاء على ديكتاتورية القذافي، لهذا فإن بعض الجماعات ربما تخترق ذلك الإنجاز.

الجزائر تناوش المجلس الانتقالي الليبي وتريد منه فوراً الحرب ضد الجماعات، مع أن الثوار في حرب ضد القذافي الآن؛ صحيح أن تخوّف الجزائر له مشروعيته الأمنية، لكن قهر الثوار بمطالب فورية بينما هم يقتلون بكتائب القذافي هذا فيه الكثير من التعجّل، مع أن الخطر القاعدي لا يزال ماثلاً، القذافي فتح “مخازن الأسلحة” وبعض أجنحة القاعدة في المغرب الإسلامي وصلت إليها صواريخ ومعدات ثقيلة بسبب الانفلات الأمني المصاحب لطبيعة الثورة وسياقها، لهذا فإن “إريك دينيسي” – مدير المركز الفرنسي لبحوث الاستخبارات أحد معدي تقرير حديث عن التمرد في ليبيا بعنوان: “ليبيا والمستقبل غير الواضح” – قال: “إن الاجهزة السرية الدولية قلقة جداً من عملية ضخ مكثفة للسلاح في شبكات التهريب الدولية، هناك أعضاء في القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي حصلوا على العديد من الصواريخ من مهربين ليبيين”! تلك الأزمة ليست مسؤولية الثوار – أكررها مرة أخرى – بل مسؤولية القذافي الذي فتح مخازن الأسلحة كما هدّد، ولكن على الثوار تحمل المسؤولية لاحقاً لتحصين ليبيا من أي اختراق سببه ذلك الفلتان.

نجاة ليبيا تكمن في “مَأْسَسة” العمل العسكري في أقرب وقت. بعد انتهاء العمليات الكبرى والسيطرة على المناطق الرئيسية وكسر أذرعة كتائب القذافي من الضروري أن يتجه الثوار إلى مؤسساتهم، بحيث يمكنهم إكمال نشاطهم العسكري في الجيش أو القوى الأمنية ثم بدء مشروع بناء الدولة.

إنها معادلة سهلة، الثوار قاموا بأعمال جبارة ضرورية، والحفاظ على مكتسبات الثورة يتطلب فتح العيون جيداً تجاه الجماعات المتطرفة لينخرطوا في العمل الوطني، ومن ثم بدء بناء مؤسسات الدولة لحراستها من نشاط الجماعات المتطرفة أو اختراقها.

علمنا التاريخ أن الإنجاز قيمة، والحفاظ عليه بتعاهده؛ وأفضل أساليب التعاهد أن نمحضه بالنقد والفحص لئلاّ يخترق. الفرح بالإنجاز يجب ألا يسلب عقولنا عن تحديات البناء والتشييد، هذا ما نتمناه على الليبيين الذي سطّروا البطولات بإسقاط طرابلس ونقض خيام القذافي البالية.

-- الرياض:شبينة الملحم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*