السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جواب عن إشكالية رؤية هلال شهر شوال

جواب عن إشكالية رؤية هلال شهر شوال

تناقلت الجوالات وبعض المواقع الانترنتية والصحف والقنوات أخبار التشكيك في صحة قرار المحكمة العليا أن يوم الثلاثاء الموافق بالتقويم – تقويم أم القرى – اليوم الأول في أيام شهر شوال لعام ١٤٣٢ه هو يوم العيد وذلك بشهادة مجموعة شهود من شقراء وسدير وقد تجاوزت هذه الإشاعات بالتشكيك في صحة هذا القرار إلى حد أن الملك – حفظه الله – قد التزم بكفارة المسلمين عن هذا الخطأ. وقد كان لخبر نُقل عن الجمعية الفلكية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة أن ما رآه الراؤون ليس الهلال وإنما هو كوكب زحل أو عطارد وتعليقي على هذا التشكيك الخالي عما يسنده ما يلي:

أولاً: الإشادة بتوفيق الله تعالى للمحكمة العليا فمنذ أن أسند إليها أمر إثبات دخول شهر رمضان وخروجه وشهر ذي الحجة وتحديد يوم عرفة وأمورنا منضبطة وجميع قرارات المحكمة متفقة مع التوقيتين الشرعي والفلكي والفضل في ذلك لله تعالى ثم لخادم الحرمين الشريفين اسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في موازين حسناته وأن يجزيه عما قدمه لبلاده خاصة وللمسلمين عامة ما يضاعف أجره ويهيئ له مكانة عليا في جنات النعيم.

ثانياً: أجمع علماء الفلك بلا مخالف فيما أعلم أن الشمس مساء يوم الاثنين الموافق ٢٩/٩/١٤٣٢ه تغرب قبل القمر في سماء السعودية وأنها تغرب في سماء مكة المكرمة الساعة السادسة وواحدا وأربعين دقيقة وأن القمر يغرب بعدها الساعة السادسة وأربعا وأربعين دقيقة فبين غروب الشمس قبل القمر وغروب القمر بعدها ثلاث دقائق وقد ولد الهلال ذلك اليوم ٢٩/٩/١٤٣٢ه قبل غروب الشمس بخمس ساعات وزيادة.

ثالثاً: لا يعرف خلاف بين علماء الفلك ومؤسساته العلمية في تحديد ولادة الهلال واقترانه وتحديد غروبه قبل الشمس أو بعد غروبها في جميع أرض الله لجميع شهور السنة.

رابعاً: يكاد الإجماع ينعقد بين علماء الشريعة المهتمين بعلم الفلك في عصرنا الحاضر المتميز بتطور علم الفلك وتطهيره من أفكار الدجل والشعوذة والكهانة واعتقاد تأثر حوادث الأرض بحركات الكواكب بأن علم الفلك يجب الأخذ بأقواله فيما يتعلق بالنفي دون الإثبات. فإذا قرر علم الفلك أن اقتران القمر بالشمس أو ولادة الهلال لم يتم بعد أو أن الهلال غرب قبل الشمس فهذا نفي من علماء الفلك لرؤية الهلال بعد غروب الشمس ويجب الأخذ بهذا القول وردِّ كل شهادة برؤية الهلال في هذه الأحوال لأنها شهادة مرتبطة بما يكذبها والشهادة الشرعية في الاثبات لأي دعوى لها شروط أهمها أن تنفك عما يكذبها. وهذا هو معنى الأخذ بعلم الفلك في حال النفي لأن هذا النفي مبني على استحالة. وأما عدم الأخذ بقول علماء الفلك في حال الإثبات حتى ينضم إليه ثبوت شرعي بالرؤية. فتوضيحه أن يقول علماء الفلك بأن الاقتران حصل وأن الولادة تمت وأن الشمس غربت قبل غروب القمر وأن دخول الشهر الجديد قد ثبت بذلك هذا القول – أعني ثبوت دخول الشهر فلكياً. لا يقبل حتى ينضم إليه الثبوت الشرعي برؤية الهلال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» فإن لم يُر الهلال بالرغم من قول علماء الفلك بأن الشمس غربت قبله فلا يجوز إثبات دخول الشهر بقول علماء الفلك دون أن ينضم إليه الثبوت الشرعي بالرؤية.

فهذا هو معنى رد قول علماء الفلك في إثبات دخول الشهر فلكياً. وهناك من علماء الشرع وفقهائه قديماً وحديثاً من قال بالأخذ بأقوال علماء الفلك مطلقاً في حال النفي أو الإثبات لأن الرؤية وسيلة إلى إثبات غاية وهي الصوم فإذا وجد لدينا وسيلتان إحداهما أقوى من الأخرى في الإثبات تعيَّن علينا الأخذ بالوسيلة الأقوى. ولاشك أن خبر علم الفلك أقوى من خبر الرؤية هذه حجة القائلين بالأخذ بخبر علم الفلك مطلقاً نفياً لو إثباتاً.

خامساً: اتفق علم الفلك مع النظر الشرعي في صحة دخول شهر شوال عام ١٤٣٢ه ليلة الثلاثاء الموافق ٣٠/٨/٢٠١١م حيث قرر علم الفلك أن الشمس تغرب قبل القمر في جميع سماء المملكة وجاءت الشهادات المُعدَّل أصحابها برؤية الهلال هذه الليلة بعد غروب الشمس فليس بين النظر الشرعي والنظر الفلكي خلاف في الإثبات بل اتفق النظران على صحة الإثبات والحمد لله.

سادساً: التكئة التي اتكأ عليها معارضو الإثبات هي دعوى عدم إمكان الرؤية مع وجود القمر بعد غروب الشمس وإمكان الرؤية وعدمها محل بحث ونظر واجتهاد بين علماء الشرع. فأكثر علماء الشرع ومحققيهم لا يعتبرون القول بعدم امكان الرؤية مع وجود الهلال بعد غروب الشمس لأن هذا القول معارض بالعقل والحس والواقع أما العقل فلاشك أن كل مسلم يعتقد قدرة الله تعالى على انعامه لبعض عباده بقوة إبصار يرى الهلال مجاوراً للشمس في النهار يمينها أو يسارها أو خلفها أو أمامها وقد رأينا بعضاً من اخواننا وهم يشاهدون النجوم في النهار ويعينونها بأسمائها هذه الثرياء وهذه الجوزاء وهذا المرزم وغيرها فقدرة الله لا حد لها ولا يجوز تحديدها. وأما الحس والواقع فإن القاعدة الحقوقية تؤكد أن المثبت مقدم على النافي إذا لم يتعلق بالإثبات استحالة. كمن يدعي رؤية الهلال بعد غروب الشمس والحال أنه غرب قبلها. فالحس والواقع يؤكدان إمكان الرؤية مع وجود المرئي. وأما أقوال علماء الفلك بالاستحالة أو عدم الامكان أو التعذر فهذه أقوال فيها التساهل بقبول تعبيرات غير دقيقة والتعبير الدقيق هو القول باستبعاد الرؤية مع ضعف القول بإمكانها فلا استحالة في إمكان الرؤية بعد غروب الشمس قبل القمر. والقول باستبعاد إمكان الرؤية لا يعني الاستحالة وإنما يعني غلبة الظن بعدم إمكانها ولشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بحث في رسالة الهلال المطبوعة ضمن محتويات الجزء الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى جاء في عشر صفحات منه الرد على القول بعدم إمكان الرؤية بعد ثبوت غروب الشمس قبل القمر. وقد أيد هذا الرد الشيخ أحمد شاكر في رسالته الهلال فقال – رحمه الله -: إذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة منعه وجب أيضاً الرجوع إلى الحساب الحقيقي واطراح إمكان الرؤية وعدم إمكانها فليكن أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس ولو بلحظة واحدة. ا. ه.

سادساً: الإشاعة أن الملك عبدالله – حفظه الله – تحمل عن المواطنين كفارة الخطأ في رؤية الهلال. فأي كفارة هذه؟ إذا كانت الرؤية غير صحيحة فيجب على كل المفطرين بها قضاء يوم فقط وليس هناك كفارة مطلقاً فهذا قول غلاة عوام المسلمين في الجهل. والعتب على وسائل الإعلام في نقل أخبار حطَّاب الليل.

والخلاصة أن الصحيح الذي لا يتطرقه الشك أو التردد أن صيامنا صحيح ومكتمل لكامل وقته وأن فطرنا يوم الثلاثاء وعيدنا فيه صحيح يُجمع على صحته علماء الفلك وعلماء الشريعة والقائلون باعتبار الحساب الفلكي مطلقاً نفياً أو إثباتاً. وان قول جمعية الفلكيين بالتشكيك في الرؤية قول غير صحيح لسقوط القول باعتبار إمكان الرؤية من عدمه. فعلماء الفلك مجمعون على أن الشمس غربت قبل غروب القمر في جميع سماء المملكة والرؤية الشرعية الصادرة ممن هم محل تسليم بقوة ابصارهم متوفرة فقد اجتمع لدينا النظر أن النظر الفلكي والنظر الشرعي في صحة أن رمضان عدد أيامه تسعة وعشرون يوماً وأن يوم الثلاثاء الموافق ٣٠/٨/٢٠١١م هو عيد الفطر المبارك أول يوم من شهر شوال.

والاعتراض على ذلك لا يعتمد إلا على وهم من أوهام المشككين في قدرة خالق الكون ومبدعه حيث قرر المحققون من أهل العلم الشرعي أن رد ثبوت دخول الشهر بعدم إمكان الرؤية مع دخوله فلكياً وشرعياً قول غير صحيح لمخالفته للعقل المفطور على الايمان بالله ولمخالفيه الحس والواقع.

ولا يجوز لنا أن نتلمس أعذاراً وموانع إلا في حال وجود استحالة مثل أن يقرر علم الفلك أن القمر يغرب قبل الشمس فيأتي من يدعي رؤيته والحال انه غرب قبل الشمس فهذه الحال جديرة بالرد والتماس الموانع من تكذيب الرؤية أو توهمها برؤية زحل أو عطارد أو نحو ذلك لأن مثل هذه الرؤية مرتبطة بما يكذبها وقد أجمع أهل العلم أن الشهادة المرتبطة بما يكذبها باطلة وعليه فإننا نؤكد تهنئتنا لمليكنا المفدى بعيد الفطر المبارك ونؤكد بطلان الإشاعات بالتشكيك فيه ونؤكد تهنئتنا لكافة اخواننا المسلمين بعيد الفطر سائلاً الله تعالى أن يشمل الجميع بفضله وإحسانه ورحمته ومغفرته وأن يعيده على الجميع بالتوفيق والهداية والرشاد وتحقيق العزة والرفعة للإسلام والمسلمين والله المستعان.

-- الرياض:معالي الشيخ/عبدالله بن سليمان المنيع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*