الأحد , 11 ديسمبر 2016

ربيع العرب وأوروبا

مع اشتداد الأزمة في ليبيا وتحول معمر القذافي من رئيس دولة إلى هارب يبحث عن الملاجئ له ولأبنائه وأعوانه تتكشف للعالم نوعية من حكام العرب الذين كانوا يعتقدون أنهم مخلدون في الحكم. وكيف شاهد العالم القذافي وهو يفتضح أمره أمام شاشات وعدسات التلفزة العالمية، يتحدث بعصبية واصفاً شعبه الليبي بالجرذان والمهلوسين، وأوصاف أخرى توضح ثقافة وأخلاقيات رئيس الدولة الذي إلى آخر لحظة قبل سقوطه يدعى أنه لا يحكم، وأن الحكم بيد اللجان الشعبية، وبأن الشعب الليبي هو من يحكم نفسه…

كما أن هناك نموذجاً آخر من حكام العرب، بشار الأسد الذي أطلق حزب البعث والجيش وأجهزة المخابرات، أطلقهم على الشعب للقتل والتعذيب وحبس الحريات ليحكم الشعب السوري بالنار والحديد…

ما يجب أن نتعلمه من الربيع العربي هو الدرس الذي تعلمته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية منتصف القرن العشرين، منع وصول الدكتاتورية إلى سدة حكم كما فعلت أوروبا، حيث أوجدت لها أنظمة ديمقراطية تمنع وصول الأحزاب أو الشخصيات الدكتاتورية لتولي رئاسة البلاد أو رئاسة الوزراء.

الوطن العربي الذي شملته رياح التغيير في الربيع العربي عليه مسؤولية بناء الديمقراطيات في بلدانه حتى لا يخطف السلطة زعيم مثل القذافي أو بشار الأسد أو زين العابدين أو مبارك. هؤلاء جاؤوا بعد انقلابات بهدف الإعداد لانتخابات عامة خلال أشهر، وتحولت الأشهر إلى عقود من السنوات.

وكذلك الحال رؤساء جاؤوا للسلطة عبر انتخابات حقيقية أو غير حقيقية ولمدة (5) سنوات ولم يتزحزحوا إلا بعد رياح الربيع وبعد عقود…

الشعوب العربية الحالية ليست هي شعوب الأمس التي خرجت من عباءات الاستعمار الأوروبي قبيل أو بعيد الحرب العالمية الثانية 1945م، أو التبعيات العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى 1917م، حين كانت الشعوب العربية ترضى بأن تكون الحكومات عربية فقط، وهذا كان مطلبها الوحيد، حتى أن معمر القذافي حكم أكثر من 42 سنة والأسدين ومبارك أكثر من 30 سنة، وتمادي ثوار ورؤساء إلى السعي للحصول على رئاسة مدى الحياة.

هذا الزمن تغير ليس على الحكام العرب فقط بل على حكومات لها عراقة ديمقراطية مثل أوروبا، لأنه زمن الشعوب، وهي مرحلة ثقافية وحضارية تعقب مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أكملت (60) سنة دورة حضارية يعقبها تغيرات حضارية. وعادة تأتي التغيرات من خارج دائرتها الضيقة، أي من الأطراف، وتؤثر على المركز.

فاشمال الإفريقي أو شرق المتوسط هو أطراف أوروبا الجنوبية، فإذا لم تساعد أوروبا الشمال الإفريقي على تجاوز أزمته، فقد تكون هناك انعكاسات على دول غرب المتوسط، فرياح التغيير في الربيع العربي ليس كلها خيراً وليس كلها شراً، والعرب وأوروبا في مركب واحد.

ولسنا كما كنا في نهاية الاستعمار عندما رحلوا زرعوا لنا إسرائيل، فلن يجدوا إسرائيل أخرى لإنباتها بأرضنا العربية, والتاريخ لا يعيد نفسه بالتكرار السلبي, وبالتأكيد أن المفكرين في أوروبا يعلمون هذه الحقيقة، أن من يعيش على الشاطئ لا يلعن الأمواج أو التسونامي بل يتعلم كيف يتعايش مع الأمواج وأعاصير الشاطئ.

-- صحيفة الجزيرة:د. عبدالعزيز جار الله الجار الله

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*