الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » خارطة الإرهاب بعد ابن لادن و 10 سنوات من 11 سبتمبر

خارطة الإرهاب بعد ابن لادن و 10 سنوات من 11 سبتمبر

خارطة الإرهاب بعد ابن لادن و 10 سنوات من 11 سبتمبر حلت الذكرى العاشرة لأحداث سبتمبر 2001 التي روعت الأمريكيين وهزت الضمير العالمي من هول الفاجعة التي أودت بحياة ثلاثة آلاف بريء تواجدوا لحظتها في البرجين المستهدفين دون أن يكونوا مقاتلين ولا مسلحين يتربصون بالمسلمين الدوائر.

وهذه المناسبة تضعنا أمام سؤال بسيط وشائك في نفس الوقت : أين العالم اليوم من خطر تنظيم القاعدة ؟

لقد شهدت العشر سنوات المنصرمة حربا شاملة على الإرهاب انطلقت من إسقاط نظام طالبان لاحتضانه تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن ، لتمتد إلى العراق الذي فتحت حدوده لكل “الجهاديين” ، ومكنتهم من رقاب العباد التي عاثوا فيها تفجيرا وجزا وتمثيلا .

بعد كل الجهود التي بذلت لتطويق نشاط تنظيم القاعدة وتأمين العالم من مخاطره ، يحق لنا جميعا ــ مواطنين ومسئولين ــ أن نتساءل : هل زال خطر الإرهاب وانحصر تهديده ؟

لا شك أن الإحصائيات التي كشفت عنها وكالة «أسوشييتد برس» بعد التحقيقات التي أجرتها في أكثر من مائة دولة تعكس الانخراط الفعلي لهذه الدول في مكافحة الإرهاب دون الاتفاق على وضع تعريف واضح ودقيق له ، الأمر الذي دفع كثيرا منها إلى شن حملات واسعة لاعتقال عناصر لا علاقة لها بالإرهاب عقيدة وتنظيما .

إذ جاءت تركيا والصين على رأس قائمة الدول التي اعتقلت أكبر عدد من الأشخاص بتهمة الإرهاب ، حيث اعتقلت تركيا 15 ألف شخص، وأدانت منهم 13 ألف شخص،علما أن أغلبيتهم من الأكراد الذين تمردوا ضد الحكومة المركزية مطالبين بالاستقلال أو الحكم الذاتي .

بينما جاءت الصين في المرتبة الثانية،حيث اتهمت 7 آلاف شخص بأنهم ارتكبوا «الشرور الثلاثة»: الإرهاب والانفصال والتطرف. ولا تخلو كثير من الدول العربية من سوء تطبيق هذا القانون الذي كانت لبعض النظم مآرب سياسية في تنزيله .

بل منها من كانت له علاقات مع التنظيمات المتطرفة لأغراض تخص الحفاظ على أمن النظام واستمراريته . فهل تمكنت الدول بكل القوانين والإجراءات الأمنية والمحاكمات التي شملت الآلاف أن تمنع خطر الإرهاب وتحصر نشاط التنظيمات المتطرفة؟ قد تكون فعلت إلى حدود معينة على مستوى تفكيك الخلايا الإرهابية وإفشال مخططاتها التخريبية التي تستهدف أمنها الداخلي .

والمغرب إحدى الدول التي انخرطت بفعالية في محاربة الإرهاب واستطاعت أجهزتها الأمنية أن تفكك ما يزيد عن المائة خلية ؛ ورغم كل الجهود المبذولة ، حدث تفجير مقهى أركانة بداية شهر مايو الماضي .

لكن على المستوى الجغرافي ، لم تستطع الحرب على الإرهاب تطويق التنظيمات المتطرفة ، بل فتحت لها فرصا لتنقل أنشطتها إلى أماكن التوتر عبر العالم ؛ الأمر الذي عقّد من مهام هذه الدول في حربها على الإرهاب ، خصوصا وأن التنظيمات الإرهابية تغير من إستراتيجياتها وخططها باستمرار حتى تستمر في نشاطها . ولعل أبرز الإستراتيجيات المعتمدة من طرف تنظيم القاعدة عولمة الإرهاب عبر اعتماد الخطط التالية :
1 ـ فتح جبهات جديدة في مناطق النزاع عبر العالم ( آسيا الوسطى ، اليمن ، الباكستان ،الصومال ، النيجر ) حيث يستغل المتطرفون الأوضاع الأمنية المتردية أو الصراعات الطائفية والمذهبية لتنفيذ جرائم القتل والترويع ضد المواطنين دون أن تتهدد مصالح الغرب والأمريكان التي تأسست هذه التنظيمات على استهدافها وفق شعار “مقاومة الاستكبار العالمي” .

2 ـ إقامة قواعد خلفية في المناطق الصحراوية إما لوعورة تضاريسها أو لصعوبة مراقبتها أمنيا وعسكريا كما هو الوضع في منطقة الساحل والصحراء بشمال إفريقيا التي تمتد على مساحة 8 ملايين كلم مربع ، مما يجعل أمر مراقبتها مستحيلا على دول المنطقة نظرا لضعف إمكاناتها المادية والبشرية . واستطاع تنظيم القاعدة أن يؤسس قاعدة خلفية بالمنطقة تهدد أمن واستقرار ، ليس فقط دول الساحل ومعها المغاربية ، بل أيضا الدول الأوربية .

3 ـ تطوير الأساليب والتقنيات المستعملة في صنع المتفجرات بحيث يصعب الكشف عنها كما كان الحال بالنسبة للشاب النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب، الذي حاول تفجير نفسه بطائرة شركة «نورث ويست» الأميركية رقم 253 والتي كانت متجهة من أمستردام إلى ديترويت .

ومن شأن تطوير الأساليب أن يزيد من خطورة التنظيمات الإرهابية تبعا لطبيعة الأسلوب ، كما هو موضوع الاتهام الذي وجهه القاضي الإسباني المتخصص بشئون مكافحة الإرهاب “فرناندو جراندي مارلاسكا” إلى المغربي”عبد اللطيف ولاد شيبا” (36 عامًا) بالتخطيط لتسميم إمدادات المياه في مناطق سياحية انتقامًا لمقتل زعيم “القاعدة” أسامة بن لادن في غارة جوية أمريكية على بلدة “أبوت آباد” الباكستانية في مطلع مايو الماضي.

4 ـ اعتبار قتال العدو القريب مقدما على العدو البعيد ؛ مما يعني تركيز العمليات الإرهابية على المواطنين المحليين لسهولة الوصول إليهم ، ولا يتطلب تنفيذ العمليات الإجرامية تكاليف عالية أو تقنيات غاية في الدقة . إذ يكفي صنع عبوات ناسفة تقليدية من مواد متوفرة في الأسواق لاستهداف الأبرياء إما عبر التفجير عن بعد كما فعل العثماني مفجر مقهى أركانة ، أو تنفيذ عمليات انتحارية تستهدف مساجد أو نوادي . واعتماد هذه الإستراتيجية مرده إلى الحرب على الإرهاب التي ضيقت الخناق على نشاط هذه التنظيمات في الدول الأوربية وحالت دون تنفيذها لعمليات نوعية .

5 ـ الاقتصار على العمليات الانتحارية الفردية التي تستهدف أماكن معينة (مراكز شرطة ، مقاهي ، مساجد .. ) بدل استهداف منشآت وأهداف كبرى .

وإذا كانت الحرب على الإرهاب حدّت من قدرات تنظيم القاعدة على تنفيذ العمليات الكبرى في عمق الدول الغربية ، فإنها لم تستطع إنهاء أنشطته التخريبية خارج حدودها ؛ كما لم تفلح في حصر تمدده الجغرافي العابر للقارات ، حيث بات تنظيم القاعدة متواجدا بقوة في مناطق جديدة لم تعهد نشاطه قبل 2001 : اليمن ، الصومال ، النيجر ، منطقة الساحل والصحراء ، سيناء .

ولعل الأوضاع الأمنية المتردية في هذه المناطق ستزيد من خطورة التنظيمات الإرهابية التي باتت شبه مستقلة عن تنظيم القاعدة الأم في التمويل والتخطيط والتنفيذ وحتى التنظير ، حيث باتت هذه التنظيمات تدين بالولاء لأمراء محليين هم من يحدد الأهداف ويضع الخطط .

وما تعرفه منطقة شمال إفريقيا من أحداث مرتبطة بالثورات سيعقد من مهام الحرب على الإرهاب اعتبارا للأوضاع الأمنية التي أفرزها سقوط الأنظمة في تونس ومصر وليبيا ؛الأمر الذي زاد من مخاوف الدول الغربية بسبب احتمال حصول التنظيمات المتطرفة على الأسلحة بمختلف أنواعها من مخازن السلاح بليبيا .

وهذا ما حذر منه كبير ممثلي الاتحاد الأوروبي في العاصمة الليبية طرابلس أغوستينو ميوزو الذي قال بأن العدد الكبير من قطع السلاح المتداولة في ليبيا خلال فترة ما بعد الحرب مع وجود حدود غير آمنة يشكل خطرا على أوروبا ودول أخرى.

أما بخصوص احتمال استغلال متشددين إسلاميين للثورة الليبية كي يعززوا قاعدتهم في المنطقة قال ميوزو “هذا خطر واضح، وسيطرة المجلس الوطني الانتقالي على حدود ليبيا الصحراوية الطويلة لا تمتد إلا لبضع مناطق، ولا نعرف الوضع بالنسبة لباقي البلاد فالحدود ما زالت مفتوحة أمام الناس والمرتزقة وأي أحد يتحرك فالحدود طويلة”.

وفي محاولة لتدارك الوضع ، انعقد يومي 7 و 8 شنبر 2011 بنادي الصنوبر بالجزائر مؤتمر هو الأول من نوعه ضم وزراء خارجية الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر إضافة إلى خبراء من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي ومنظمات دولية أخرى باستثناء المغرب وليبيا اللذين استبعدتهما الجزائر لاعتبارات سياسية ضيقة ؛ حيث أجمع المتدخلون على أن “الأزمة الليبية زادت الوضع أكثر تأزما بمنطقة الساحل لتنضاف إلى ظاهرة الإرهاب وتحركات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتنقل الكثيف للأسلحة المهربة من ليبيا”.

وهذا ما سبق وحذر منه منسق مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي جيل دو كيرشوف في بروكسل باحتمال حصول تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على الأسلحة من المخازن الليبية ، “إما أسلحة صغيرة وأما رشاشات وإما بعض الصواريخ ارض- جو خطيرة للغاية لأنها تجعل التحليق في الأجواء أكثر خطورة “.

ونفس الأمر ذهبت إليه صحيفة “نيويورك تايمز” التي نبهت إلى اختفاء الصواريخ التي تعرف بالصواريخ المتتبعة للحرارة من مستودعات الأسلحة الليبية والتي يمكن أن يستعين بها الإرهابيون في إسقاط طائرات مدنية، حيث اعتبرتها التهديد الأكبر الذي تخشاه الآن السلطات الأميركية.

وسبق أن تم تحديد تلك الصواريخ، ومعظمها من طراز SA – 7B، في ليبيا من قبل، وكانت قد بيعت لحكومة العقيد القذافي من قِبل بلدان كانت تقع سابقاً في الكتلة الشرقية.

نحن ، إذن ، أمام واقع يثبت سعي تنظيم القاعدة إلى تعزيز قدراته وتوسيع أنشطته وتنويعها لتشمل الاتجار بالمخدرات ، تهريب البشر ، تهريب الأسلحة ( عبرت المنطقة كمية من لهيرويين تقدر بـ 50 طنا ، كما تم مؤخرا حجز 500 كلغ من مادة السانتاكس الموجهة لصناعة المتفجرات )، خطف الرهائن إذ تحتجز القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي منذ منتصف سبتمبر 2010 أربعة فرنسيين كانوا يعملون لحساب شركات فرنسية في شمال النيجر، إضافة إلى فرنسية خطفت في الثاني من فبراير الفائت في جنوب الجزائر. وقد غنم فرع القاعدة من عمليات الخطف 50 مليون يورو .

إن مواجهة خطر الإرهاب تقتضي اعتماد مقاربة شمولية لا تقتصر على الجانب الأمني والعسكري رغم أهميته ، وإنما تتطلب تكثيف الجهود لحل النزاعات الإقليمية والصراعات الداخلية التي يستغلها المتطرفون سواء في الاستقطاب أو التحريض ضد الغرب والأنظمة الحليفة له ؛ فضلا عن خلق فرص التنمية المستدامة التي من شأنها امتصاص غضب الفئات العاطلة عن العمل أو التي تعيش الهشاشة والفقر حتى لا يستغل المتطرفون ظروفها الاجتماعية والنفسية.

ولو أن جزءا من الكلفة الباهظة للحرب على الإرهاب أنفقت في مجال التنمية لتم القضاء على الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يتغذى عليها التطرف والإرهاب ، وتركز الجهد ، في المقابل ، على المنابع الفكرية التي تشيع ثقافة القتل والكراهية .

وبحسب الدراسة التي أعدها معهد الدراسات الدولية في جامعة براون ، فقد بلغت كلفة غزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 وكذلك العمليات العسكرية المتعاقبة على الباكستان ، حوالي 4 آلاف مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة وحدها ؛ وهو رقم يتجاوز تكاليف الحرب العالمية الثانية ، ومرشح للارتفاع طالما الحرب على الإرهاب مستمرة.

-- خاص بالسكينة سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*