الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هجمات «القاعدة» وهجمات الربيع

هجمات «القاعدة» وهجمات الربيع

التونسيون الذين اطاحوا نظام زين العابدين بن علي لم يتسلحوا، لا بصور اسامة بن لادن ولا ببيانات «القاعدة». والتظاهرات المليونية التي شهدها ميدان التحرير لم ترفع صورته ولم تغرف من قاموسه. لم نلمس حضوراً له في ساحة الاحتجاج في صنعاء. لم يعثر له على صورة في تظاهرات درعا او حمص. لم يحاول ثوار بنغازي الاتكاء على تسجيلاته الصوتية على رغم مرور بعضهم بمعاهده المقلقة. لم يقل المحتجون في ساحات الربيع العربي ان همّهم الاول هو محاربة اميركا التي كان بن لادن يسمّيها «رأس الافعى».
 
يقرأ اهل الشرق الاوسط الذكرى العاشرة لهجمات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 انطلاقاً من مجريات الربيع العربي ودلالاته. لغة «القاعدة» التي بدت جذابة لبعض الشباب ولبعض الوقت افتقرت الى الجاذبية حين نزل الناس الى الشوارع في عدد من الدول ليعبروا عن غضبهم وأحلامهم وطموحاتهم. يمكن القول ان من تدفقوا الى الساحات طالبوا بعكس ما تدعو اليه «القاعدة». طالبوا بالديموقراطية والتداول السلمي للسلطة واستقلال القضاء والشفافية. ولا علاقة لهذه المطالب بمشروع اسامة بن لادن.
 
لم يعش اسامة بن لادن ليستمتع برؤية القوات الاميركية تغادر افغانستان مثخنة تاركة على ارضها الكثير من الدم وحطام هيبتها. أغلب الظن ان الرجل الذي ابتهج برؤية «الجيش الاحمر» ينسحب والاتحاد السوفياتي ينفجر، حلم بتكرار المشهد. هذا لا يلغي ابداً خطورة ما جرى في 11 ايلول 2001. ولا يقلل ايضاً من أثمان عقد كامل ولد من رحم «غزوتي واشنطن ونيويورك».
 
لم يكن بسيطاً ان تنقل «القاعدة» الحرب الى الارض الاميركية نفسها. وأن تستهدف رموز نجاح الامبراطوية وقوّتها. وأن تشعر اميركا انها ليست آمنة على ارضها. وأن عليها من الآن فصاعداً ان تعيش مع الخوف رغم كونها القوة العظمى الوحيدة. ورغم امتلاكها الآلة العسكرية التي لم يعرف العالم مثيلاً لها، انهت تلك الضربة المدوية العرس الذي انطلق عملياً منذ انتحار الاتحاد السوفياتي وسقوط العالم بأسره في قبضة النموذج الذي حقق انتصاراً فاحشاً من دون اطلاق رصاصة واحدة.
 
بعد عشر سنوات يمكن القول ان هجمات 11 ايلول لم تستطع إشعال حريق دائم على خط التماس بين العالم الاسلامي والغرب. نجحت في إثارة توترات لكنها لم تحقق أغراضها البعيدة في دولتين اساسيتين هما باكستان والسعودية. ولنا ان نتصور العواقب الكارثية التي كان يمكن ان تترتب على وقوع واحدة من الدولتين في ايدي السياسات الانتحارية.
 
نجحت الهجمات ايضاً في استدراج القوات الاميركية الى الفخ الافغاني. اي الى البلاد التي يقول التاريخ ان طبيعتها وتركيبتها تمنعان اي قوة وافدة اليها من العودة منتصرة. كما نجحت الهجمات في استدراج اميركا الى نزيف اقتصادي ومالي منهك، خصوصاً حين قررت ادارة جورج بوش اقتلاع نظام صدام حسين الذي لم تكن له اي علاقة بـ 11 ايلول وبذرائع تكشف بطلانها.
 
لا يمكن القول ان «القاعدة» تبخرت. تلامذتها يحاولون التحصن في عدد من النقاط في العالم العربي. ولا يمكن القول ان التهديد الارهابي يتلاشى. لكن الاكيد ان انفجارات الربيع العربي حرمت «القاعدة» وأخواتها من ادعاء حق التحدث باسم الشعوب او تمثيل طوحاتها. وهذه النتيجة بالغة الاهمية في منطقة كالشرق الاوسط تجتاز مخاضاً سيحدد مستقبل انظمة وشعوب وعلاقة المنطقة بالعصر والعالم. وجهت اميركا ضربات موجعة الى «القاعدة»، لكن الضربة الاقوى جاءتها من الربيع العربي الذي يعطي قوى اسلامية واسعة التمثيل احياناً فرصة الانخراط في الحياة السياسية.

-- الحياة:غسان شربل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*