الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حلول مقترحة لمشاكل متأصلة

حلول مقترحة لمشاكل متأصلة

الخوف الذي يعتريني حقيقة ليس غياب النوايا الحسنة لدى المسؤولين في إصلاح الخلل ولكن من وقوع الفشل بعد المحاولات المنفعلة. والفشل سيلازمنا في كل وقت نتجنب اللجوء فيه إلى الحلول العملية المجزأة

نعاني من بعض سوء التخطيط. هذا التخطيط الذي كان يفترض أن يقرأ المستقبل ويعد له ويتعامل مع ظروفه. لهذا نجد أنفسنا مع ظهور الأزمة، أي أزمة سواء في التعليم أو الصحة أو النقل أو المرور أو حتى التحرشات والمضايقات نتصرف تصرف الإنسان الذي تفاجأ بهذه الأزمة ولم يكن على علم بأنها ستحدث. بالتالي تأتي حلولنا منفعلة قليلاً وبمفهوم الحلول الشاملة والسريعة لكنها أيضاً حلول تحمل معها الكثير من التحديات كما سيأتي لاحقاً.

 عند الحديث عمن كان وراء مثل هذه الظواهر فإنه لا مجال لتفادي إلقاء اللوم على إدارات التخطيط في كل وزارة أو مؤسسة حكومية. ولا مجال لتفادي نقد دور وزارة الاقتصاد والتخطيط. ولا يمكننا إعفاء المرور وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن تراكم وجود المخالفات.

ولا مجال لتفادي لوم وزارة المالية التي أصبح دورها انتقائيا في دعم المشاريع. وزارة المالية مازالت تفاوض كل وزارة على حدة حول ما يجب أن يتم إقراره وما يتم رفضه وكأن الجميع في “حراج بن قاسم” وليس على طاولة اجتماعات لمناقشة خطة دولة ومصير أمة.

بناء المؤسسات والصروح التي يفترض أن تنتهي بنتائج طويلة الأجل لا يمكن أن يتم بمثل هذه العشوائية. فلو تناولنا التعليم على سبيل المثال فالصورة تعكس تماماً هذه النقطة. نحن اكتشفنا فجأة أن لدينا نقصا في عدد المدارس والجامعات ولهذا أتت الأوامر لبناء آلاف المدارس وعشرات الجامعات في سنة واحدة.

لا مشكلة هنا لولا أن هذه الطريقة تحمل الكثير من التحديات. التحدي الأضخم هنا يكمن في الدعم اللوجستي اللازم لإنجاح مثل هذه المشاريع الضخمة داخل هذا الإطار الزمني القصير.

من سيشيد ومن سيشرف؟

كيف يمكننا تأمين الطواقم التعليمية اللازمة وما إلى ذلك. عكس هذا النهج بطبيعة الحال هو التحرك التدريجي الذي لا يتوقف والذي يأتي متناغماً مع الحاجة قبل وقوعها ويستند على التراكمات في الخبرة وتلافي سلبيات المرحلة.

التعليم مجرد مثال ولدينا قطاع الصحة الذي تفاجأ هو الآخر بنقص عدد الأسرة وعدد غرف العناية المركزة وبعض التخصصات الدقيقة. هناك العديد من الخدمات التي أصبح غيابها أو تشوهها يؤثر سلباً على راحة المواطن ويكلف إصلاحها أو تلافيها اليوم الأموال الطائلة غير المبررة أحياناً.

وطالما أن هذا الموضوع أصبح ظاهرة وأقصد بذلك مسألة التأجيل والتراخي في مواكبة الحاجة.

وطالما أن الحلول الشاملة في بعض هذه المواضيع كموضوع فوضى المرور مثلاً أو موضوع مواجهة التحرشات التي أصبحت هاجس الكثيرين من أولياء الأمور وجهاز هيئة الأمر بالمعروف.

أقول إن موضوع حل هذه المتشابكات اليوم أصبح ضرباً من ضروب المستحيل ولا يمكن أن نقضي عليه بجرة قلم كما يبدو لنا ظاهراً على الأقل في التعليم والصحة من خلال توقيع عقود البناء، لذا فإن الحاجة إلى تجزئة حل المشكلة أصبح أمراً منطقياً بل ضرورياً.

ولإيضاح ذلك نأخذ موضوع المرور ثم نحدد منطقة واحدة في مدينة الرياض مثلاً ونضع بها كل مواصفات القيادة المثالية من لوحات إرشادية وتخطيط ومواقف ونختار أفضل ضباط في المرور ونخصصهم للإشراف عليها ونبدأ بتطبيق النظام المطلوب بكل صرامة. لنفعل ذلك ونرصد النتائج.

 ثم ننتقل إلى منطقة أخرى وهكذا حتى تتم تغطية المدينة خلال سنتين أو ثلاث سنوات. هذا برأيي أفضل من محاولة إصلاح المرور في مدينة الرياض بأكملها في أسبوع بعد سنين من الإهمال. نستطيع أن نطبق ذلك في مسائل التحرشات ونفعل نفس الخطوات في مناطق عمل المرأة في المجمعات أو في مناطق تجمعات الشباب.

 القصد من كل هذا هو بناء الخبرات المطلوبة داخل مناطق صغيرة يسهل التحكم بها ونؤسس من خلالها فن التعامل مع المخالفين.

والفن المقصود هنا هو فن الإصرار على المعاقبة وليس فن التوسط وإعفاء المتهم وكأن شيئاً لم يكن.

الخوف الذي يعتريني حقيقة ليس غياب النوايا الحسنة لدى المعنيين في إصلاح الخلل ولكن من وقوع الفشل بعد المحاولات المنفعلة.

والفشل سيلازمنا في كل وقت نتجنب اللجوء فيه إلى الحلول العملية المجزأة. في القطاع الخاص تسمى هذه الخطط التجريبية “بايلوت بروجكت”. الفكرة منها أن تكون التجربة محددة وقليلة الضرر فيما لو لم تنجح وواضحة المعالم والمسببات عند نجاحها.

الأهم في كل ذلك هو المراقبة المكثفة لسير التجربة ودقة رصد المتغيرات بحيث يتم في نهاية المدة الزمنية لها وضع ورقة عمل للمناقشة بواسطة جميع الذين خططوا لها. يلي ذلك بالطبع وضع البرنامج كلائحة نظامية متكاملة ويتم الإعلان عنها والعمل بها.

كم أتمنى حقيقة أن تتولى دراسة هذا الوضع مجموعة منتقاة من أهل الخبرة في صناعة التغيير وهؤلاء ينتشرون في كل مكان في عالم الأعمال.

التغيير من وضع إلى آخر يحتاج إلى متخصصين لدراسته وضمان نجاحه وهي كما أشرت صناعة رائجة تلجأ إليها المؤسسات والشركات عندما يصبح هذا التغيير ملحاً لحصد نتائج أفضل. كفانا ارتجالاً وانفعالاً يتبعه فشل وتذمر. الزمن وإيقاعه السريع يتطلب الكثير من الابتكار.

أخيراً؛ يجب أن ندرك أن من تعايش وتأقلم مع انتشار بعض هذه الظواهر التي أشرنا إليها من المسؤولين لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل بل قد يكون جزءا من المشكلة. من هنا ومن أجل توفر فرص نجاح أكبر لهذه الخطط المقترحة فإن الحاجة إلى دماء جديدة شابة ومتحمسة قد يكون الخطوة الأولى لتحقيق الأهداف المنشودة.

-- الوطن أونلاين:فهد إبراهيم الدغيثر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*