الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ضحايا الانتحاريين في العراق: الذين قتلوا والذين برروا

ضحايا الانتحاريين في العراق: الذين قتلوا والذين برروا

 

ضمن سلسلة تنشرها المجلة الطبية البريطانية «لانسيت» وتتناول تأثيرات وتداعيات هجمات 11 سبتمبر (أيلول) التي كان من بينها حربا العراق وأفغانستان، يتناول أحد الأجزاء ظاهرة الانتحاريين في العراق، حيث توصل التقرير إلى أن ما مجموعه نحو 1000 هجوم انتحاري بين عامي 2003 و2010 أودى بحياة أكثر من 12 ألف مواطن عراقي وجرح أكثر من 30 ألفا. ويرى التقرير أن نسبة ضحايا الهجمات الانتحارية بلغت 10 في المائة من مجموع ضحايا الصراع في العراق ونحو ربع عدد الذين جرحوا أو تعرضوا لإصابات بسبب العنف منذ ذلك التاريخ.

 

ظاهرة الانتحاريين هي ظاهرة لم يعرفها العراق مسبقا، ولم يستخدموها سابقا في معظم الصراعات التي دخلوا فيها. لم يكن لثورة العشرين انتحاريا، ولا في الحرب العراقية الإيرانية، ولا في حرب تحرير الكويت، ولا في حرب عام 2003. الأهم من ذلك، أنه لم تكن هناك إرادة أو عقيدة مبنية على فكرة أن قتل المدنيين هو عمل «أخلاقي» و«ديني». فبشاعة العملية الانتحارية لا تكمن فقط بطابعها الفتاك وبمدى العنف الذي تنطوي عليه والقاصد بشكل أساسي إيقاع أكبر عدد من الضحايا، بل أساسا في كونها عمليات يقوم بها أناس مقتنعون أنهم بالتضحية بحياتهم عبر هذا القتل الجماعي سيجازون من الله!

 

كثير من هؤلاء صام، وصلى الليل، وتلا القرآن، وتوضأ، قبل أن يركب سيارة متجهة إلى سوق محلية يرتادها الفقراء ليفتك بهم. يتصور هؤلاء أن الله ورسوله بانتظارهم، وأنهم قاموا بعمل جهادي في سبيل الدين. وكثير من الانتحاريات كن زوجات أو أخوات لانتحاريين أو مقاتلين في تنظيم القاعدة، يتم إرسالهن للقيام بهذه العمليات حينما يحصل نقص في عدد المقاتلين، أو لأنهن بالنسبة لـ«القاعدة» بقيمة أدنى وبالتالي يمكن أن يخدمن في عمليات رخيصة، كذلك التفجير الذي استهدف موقع لتوزيع المعونات الغذائية على الفقراء وقامت به انتحارية أشارت الصحف وقتها إلى أنها دخلت الحشد وبصحبتها طفلة. أما الانتحاريون من العيار الثقيل، وكثير منهم مستوردون من خارج العراق أو بالأحرى مصدرون إلى العراق بالغصب، فإنهم يتجهون إلى أهداف أكثر استراتيجية من حشد الفقراء المنتظرين للمعونات، كمراكز تطوع الجيش والشرطة، وفي حالات نادرة جدا، رتل أميركي.

 

الإحصاءات تشير إلى أن عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا بفعل هذه العمليات لم يتجاوز الـ200، أي ما نسبته 1.6 في المائة من ضحايا تلك العمليات. في وقت ما طرح الإرهابي الزرقاوي نظرية «الترس»، ومن خلالها برر مقتل المدنيين بأنه جائز إن كان الهدف هو مهاجمة «الكفار»، ولكن حتى هذه النظرية لم تصمد أمام حقيقة أن أهداف الانتحاريين ومنذ عدة سنوات باتت عراقية صرفة. وقد حاول البعض في «القاعدة» أن يحل هذا الإشكال بتوسيع مفهوم الكفار ليشمل معظم العراقيين، الشيعة منهم والمتعاونين السنة مع الاحتلال والحكومة، لكن حتى في تنظيم دموي وعنفي كـ«القاعدة»، تشير التقارير إلى أن قادة في التنظيم مثل الظواهري كانوا قد انتقدوا الاستهداف العشوائي للمدنيين.

 

يرى البعض أن تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الأصولية المتطرف استوردوا التكتيك الانتحاري من التنظيمات اليسارية الجذرية في أميركا اللاتينية وآسيا، والتي اعتمدت تكتيكات عنيفة وشديدة، كما أن بعض التنظيمات الفلسطينية اليسارية والقومية سبق وأن قامت بأعمال انتحارية استهدفت «حصرا» أهدافا إسرائيلية. ومع قدوم المقاتلين العرب إلى العراق إبان وبعد سقوط نظام صدام، كان هؤلاء متشبعين بالفكر الأصولي، وكانت غايتهم قتال «الصليبيين»، باستثناء عدد قليل جدا انسحب من المواجهة بعد أن عرف مشاعر العراقيين الحقيقية وطبيعة المواجهة المعقدة التي لا يمكن اختزالها لصراع إسلامي – صليبي، بقي الأصوليون الذين سرعان ما دخلوا شبكة «القاعدة» في العراق. وقد نجحت هذه الشبكة التي قادها مقاتلون عرب، وقبل أن تنقلب عليهم المناطق الغربية العراقية في إشاعة قدر من الفوضى غير مسبوق، عبر عنف لا حدود له، ومن بيئة هذا العنف أعيد إنتاج الظاهرة الانتحارية كتكتيك يستهدف كل «المغايرين»، دينيا أو مذهبيا أو سياسيا أو فكريا.

 

ما كانت «القاعدة» ستنجح بهذا التكتيك التدميري، لو لم يتوفر لها الغطاء الإعلامي والآيديولوجي وأحيانا السياسي. معظم وسائل الإعلام العربية التي تبنت فكرة المقاومة، اعتبرت بشكل ضمني أن الفوضى والتدمير وسيلتان تكتيكيتان لجعل البيئة العراقية أكثر استعصاء على الأميركيين، وبالتالي فإن الفوضى تخدم مشروع «المقاومة». لكن هذه الفوضى التي طالت كل شيء، البنية التحتية وأسلاك الكهرباء وأنابيب النفط والشوارع الإسفلتية، صارت تتجه بقوة نحو الفتك بالعراقيين أنفسهم. اختارت معظم وسائل الإعلام تلك الصمت أو التعميم أو التضليل تجاه القتل المنفلت للمدنيين، في الوقت الذي انشغلت وسائل الإعلام الأجنبية والأميركية، وخصوصا بوضع الجنود الأميركيين دون اهتمام كاف بالمدنيين العراقيين. وقد رأينا في الأردن جمعا من المتطرفين يتغنون بفخر ببطولات الزرقاوي!!

 

اليوم نشهد ظاهرة تستحق المعاينة وبمناسبة الإعلان عن رقم الـ12 ألف عراقي من ضحايا العمليات الانتحارية. فالكثير من المجموعات الأصولية التي قاتل بعضها في العراق أصبحت تقاتل إلى جانب الناتو في ليبيا، خصوصا أن ليبيا كانت من بين الدول التي قدم منها أكبر عدد من المقاتلين الأجانب إلى العراق، فضلا عن أن عقيدها المخلوع كان من ممولي بعض مجموعات «المقاومة» في العراق. ليبيا شهدت عمليات عسكرية كثيرة الشبه بما جرى في العراق، لكن هذه المرة بعض وسائل الإعلام التي تبنت خطاب المقاومة، صارت تغطي حرب الناتو في ليبيا بوصفه تحريرا. وقد لفت صديق نظري إلى أنه أحيانا كان نفس المذيعين الذين رفعوا الصوت عاليا دعما للمقاومة وتبريرا لـ«القاعدة» في العراق، صاروا اليوم مدافعين متحمسين عن الثوار في ليبيا وعن الدعم الأجنبي لهم. بالطبع ليست ليبيا كالعراق وهناك الكثير من الفروق، لكن الحقيقة التي يصعب نكرانها أنه لولا تدخل الناتو ما كان بإمكان الثوار أن يسقطوا النظام، ولربما كانت قوات القذافي قد سبقتهم إلى معقلهم في بنغازي.

 

لقد تغير العالم وتغيرت المصالح والآيديولوجيات والشعارات، هذا صحيح. لكن عائلات الـ12 ألف عراقي الذين سقطوا ضحايا الانتحاريين، وغيرهم من عشرات الآلاف الذين فتكت بهم دوامة العنف، سيظلون حائرين وربما ساخطين ليس على أولئك الذين قتلوهم فقط، بل وربما بقدر أكبر، على كل من برر ذلك القتل، وكل من أغمض العين وكان بوسعه أن يرى.

 

-- الشرق الاوسط:جابر حبيب جابر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*