الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الدرس الثالث المستفاد من الثورات العربية

الدرس الثالث المستفاد من الثورات العربية

 الدرس الثالث سيكون عن الإعلام والثورات العربية.. ويأتي بعد الدرس الأول الذي تناول دور استطلاعات الرأي العام التي من المفترض أن تقيس نبض الشارع وهموم المواطن وكيف أنها كانت الغائب الأكبر في مجتمعات الثورات العربية، وأشرنا إلى أنه حتى نتائج استطلاعات الرأي التي قد تقوم

بها تلك الأنظمة لا تقيس درجة الغليان الموجودة في دواخل مواطني تلك الدول. كما أن الأغلبية الصامتة هي التي ينبغي أن تخشاها الأنظمة السياسية لأنها لا تعبر عن ما يجيش في القلوب أو تعكس ما تطمسه سطوة السلطة القمعية في تلك الأنظمة..

أما الدرس الثاني فتناول مفهوم الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تزعم الأنظمة أنها بدأت تحققها كردة فعل لحراك الشارع العربي ولم تكن بمبادرات ذاتية.. وأن سيناريو إصلاحات النظام التي شرعت فيها بعض الأنظمة العربية التي سقطت (تونس ومصر وليبيا) أو في طريقها إلى السقوط أو التغيير (سوريا واليمن) جاءت متأخرة جدا، وعندما جاءت كان الشعب قد تجاوزها..

ونحاول في الدرس الثالث أن نسلط الضوء على الإعلام وكيف تفاعل مع الأحداث..

وبداية يجب أن نفرق بين ثلاثة أنواع من أنواع الإعلام التي تعاطت جميعا مع تداعيات الأحداث العربية أو ما سمي بالربيع العربي..

(1) الإعلام الداخلي وفي معظمه إعلام رسمي يحكي باسم السلطة، وقد غاب عن الشارع تماما، وأصبح مأسورا بالرأي الرسمي للحكومات..

(2) الإعلام الخارجي وفي معظمه إعلام عربي ودولي حاول أن يتبنى رأي الشارع العربي في تونس والقاهرة وطرابلس ودمشق وصنعاء.. وكان متحدثا رسميا باسم المعارضات والحركات الاحتجاجية التي تقف ضد السلطات المركزية في عواصم تلك الدول..

(3) الإعلام الجديد وتحديدا الفيس بوك وتويتر ويوتيوب، إضافة إلى منتديات ومدونات وغيرها من طرق التواصل الاجتماعي.. وكان الإعلام الجديد هو وسيلة التواصل وبناء الحراك الاجتماعي المعارض لتلك الحكومات..

وإذا أردنا أن نرتب أدوار هذه الوسائل الإعلامية، فنقول بأن الإعلام الجديد هو الذي بنى الثورات، والإعلام الخارجي هو الذي أجج الثورات والإعلام الداخلي هو الذي أهمل الثورات من ناحية وقوض- تبعا لذلك – الحكومات التي كان يدافع عنها..

الأول (الإعلام الجديد) نجح في تحقيق هدفه في بناء علاقات بين المتظاهرين، وأسس التفاهمات بينهم، وكرس وحدتهم وتحركاتهم..

والثاني (الإعلام الخارجي) نجح في تأجيج الأزمات الداخلية، ورفع شعارات التغيير وردد نبض الشارع، وتابع الحراك التظاهري بكل ألوانه وتفاصيله،

والثالث (الإعلام الداخلي) بقي كما هو مرددا سمفونية النظام، وأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان..

تصدى للمتظاهرين، وشكك في أهدافهم ونواياهم، ودافع عن النظام بكل الإمكانات وأخيرا انهار كما انهارت أنظمته السياسية..

الإعلام الجديد ظهر كقوة إعلامية غير مسبوقة مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وأصبح قوة للجماهير، واستطاع أن يقوض قوة الإعلام التقليدي، ويستخلفها في تحديد الأوليات الجماهيرية، ويبني سبل تواصل وعلاقات بين المواطنين في كل دول العالم..

واستطاع تويتر في تونس على وجه الخصوص وفيس بوك في مصر والبلدان العربية الأخرى أن يكون وسيلة الجماهير العربية الثائرة..

وقد جندت القوى المنظمة للثورات هده الوسائل من أجل تجميع صفوف الناس وتحركيهم في اتجاهات معينة، نظرا لعدم امتلاك تلك الحشود والجماهير لوسائل إعلام تبني وعي التغيير وترفع صوت المعارضات السياسية..

ومن المؤكد أن هذه الثورات العربية لم تكن لتتحقق لو جاءت قبل عشر أو عشرين سنة مضت لغياب وسائل الإعلام الجديد في تلك الفترات..

أثبت الإعلام الخارجي تأثيره ونفوذه على تطور الأحداث وتداعياتها، فقد بات طرفا في النزاع مع أكثر القنوات الفضائية والصحافة العربية والدولية.. وفي بعض الحالات بات خصما للأنظمة العربية ومتحدثا رسميا باسم الشارع وباسم المعارضات السياسية..

وأثبتت الأيام أن الأنظمة السياسية التي لها خصومات مع قنوات فضائية مؤثرة باتت هي الخاسر الأكبر في معادلات الربيع العربي..

كما أثبتت الأيام أن العداءات التي خلقتها بعض الأنظمة مع بعض القنوات قد أفرزت مساحة واسعة من الحراك الإعلامي الذي استغلته تلك الفضائيات في التأثير على الشارع لمواجهة النظام السياسي..

أما الإعلام الداخلي في تلك الأنظمة فقد خسر مرتين، المرة الأولى أنه لم يحقق أي نجاح يذكر في مهمته التقليدية في الحراسة الإعلامية للنظام السياسي والاجتماعي، والمرة الثانية انه سقط في مصداقيته أمام مواطني بلاده، حيث تغير النظام الإعلامي خلال أربع وعشرين ساعة بـ 180 درجة من نظام مع النظام إلى نظام ضد النظام..

ومن هنا فإن وسائل الإعلام المرتبطة بالأنظمة لا تستطيع أن تدافع عن النظام في أوقات الأزمات، ولو كانت وسائل الإعلام في تلك البلدان مبنية على أساس مهني لكانت مصداقيتها أعلى وحضورها أقوى..

كما أن النظام الإعلامي المفتوح كان سيساعد على تداول الأفكار والموضوعات والقضايا في بيئة مفتوحة دون اللجوء إلى وسائل بديلة تحت الأرض underground press من الخلايا والوسائل التي تلجأ إليها الجماعات بديلا عن عدم توفر وسائل تنقل وجهات النظر والاتجاهات التي تعكس رؤى وفكر شرائح معينة في المجتمع..

وأخيرا، فالإعلام بشقيه التقليدي والجديد هو الذي ساعد على تطور الأحداث وتأجيجها وصقلها وتصعيدها حتى وصلت إلى مستوى لا عودة ولا رجعة فيها إلا بإسقاط تلك الأنظمة..

والإعلام لعبته المعارضة والحشود الجماهيرية وكسبت معركته، ولعبته الأنظمة السياسية وخسرت الحرب..

ويظل الإعلام في كثير من الأنظمة الإعلامية يعمل كردة فعل وليس على أساس مبادرات حقيقية أو مشروعات وطنية كبرى..

ولا شك أن التغيرات التي اجتاحت الأنظمة العربية في عدد من الدول قد أثرت أيضاً على وضعية النظام الإعلامي العربي، فلم يعد كما كان..

ويظل في كثير من الدول العربية يبحث عن مكانة جديدة يستقر فيها..

(*) رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال،

المشرف على كرسي صحيفة الجزيرة للصحافة الدولية بجامعة الملك سعود

alkarni@ksu.edu.sa

-- صحيفة الجزيرة: د.علي بن شويل القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*