الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » موقف أهل السنة من أخطاء العلماء

موقف أهل السنة من أخطاء العلماء

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعدُ:
 
فإن من أعظم أسباب التنازع والشقاق: بغي الناس بعضهم على بعض، والتراشق بالعبارات والكلمات، والرمي بالبدعة بمجرد المخالفة في الرأي، ويعظم الخطب عند رمي أحد من أهل السنة بشيء من ذلك، حتى ولو كان مخطئًا؛ لأن العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير الرسل لا يسلم من خطأ، فإذا أخطأ العالِمُ من أهل السنة بُيِّن له خطؤه، ولا يُتابع عليه، ووجب على أهل العلم والفضل أن يردّوه إلى صوابه ورشده، لا أن يُعيَّر بخطئه، أو يُطعن عليه بسببه، وعليه فلا يجوز لأحد أن يحكم على أحد من أهل السنة أو أئمتهم بأنه مبتدع، أو خارج عن الطاعة مفارق للجماعة، بسبب خطأ وقع فيه بعد استفراغ الجهد وبذل الطاقة في الوصول إلى الحق، وقد دلت النصوص على ذلك، قال الله تعالى: « لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا » (البقرة:286).
 
وقد ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تبارك وتعالى قال: «قد فعلت». (مسلم: كتاب الإيمان (126)).
وقال تعالى: « وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا » (الأعراف:42).
 
وقد عقَّب ابن تيمية على هذه النصوص بقوله: «فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفتٍ وغير ذلك إذا اجتهد واستدل واتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه». (مجموع الفتاوى: 19/216).
 
ومما يدل على العذر بالجهل والخطأ من السنة حديث الرُّبيِّع بنت معوذ رضي الله عنها، وفيه أن جويريات كن يضربن بالدُّف ويندبن من قُتل يوم بدر، فقالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين». (البخاري: 5147).
 
ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليها نسبة علم الغيب له؛ لأنها صفة تختص بالله وحده، ولم يَزِدْ على ذلك، والناظر في أقوال السلف يعلم أنهم كانوا يعذرون بعضهم في المسائل الاجتهادية، ولم يبدع أو يفسق بعضهم بعضًا مع اختلافهم في بعض المسائل، وكان الواحد منهم يستغفر لأخيه ويدعو له ويذكره بجميل الذكر، وقد روى الخلال أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سُئل: «ما تقول فيما كان من علي ومعاوية – رحمهما الله؟ فقال: ما أقول فيهما إلا الحسنى – رحمهم الله أجمعين -». (السنة لأبي بكر الخلال رقم 713).
 
وهكذا توالت كلمات أهل العلم من العلماء المحققين المدققين السالكين سبيل المؤمنين المتبعين لمنهج النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، فلم يقع واحد منهم في الآخر، ولابن تيمية، رحمه الله، كلام نفيس رائق في مواجهة خطأ الأئمة المقبولين في الأمة، قال فيه: «وليُعلم أن ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًّا يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سُنته، دقيق ولا جليل.

فإنهم متفقون اتفاقًا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وُجد لواحد منهم قول قد جاء حديثٌ صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:

أحدها: عدم اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.

والثاني: عدم اعتقاد إرادة تلك المسألة بذلك القول.

والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ». (مجموع الفتاوى: 20/232).
 
ثم بيَّن رحمه الله أن هذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة.

ذكرها مع التمثيل، وفي ذكره – رحمه الله – توجيه لطيف في مواجهة أخطاء العلماء في اجتهاداتهم، والتماس الأعذار لهم فيما أخطأوا فيه مواضع الاجتهاد، وعليه فالتعرض لأحد من العلماء المعروفين بسلامة المنهج والعقيدة والاتباع بشيء من التبديع أو التكفير بمجرد قولٍ أدّاه اجتهاده إليه: قولٌ باطل ولا يجوز، ولا يقع هذا إلا من المبتدعة.
 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر؛ لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعةَ الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب إمكانه.

فهو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذ بما أخطأ؛ تحقيقًا لقوله: « رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا » (البقرة:286). (مجموع الفتاوى: 20/165).
 
وهذا بالضرورة لا يعني السكوت عن الحق أو عدم بيانه والدعوة إليه أو مجاملة المخطئ من العلماء بعدم مناصحته والتنبيه على ما وقع فيه من خطأ، فهذا حق واجب، بل هو من أعظم الواجبات التي أخذها الله على أهل العلم، قال الله تعالى: « وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ » (آل عمران:187)، وقد يضل بعض الناس بسبب زلة العالم، ولهذا وجب التنبيه.

يقول الشاطبي – رحمه الله -: «إن زلة العالم لا يجوز اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك غدت زلة، وإلا فلو كانت معتدًا بها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنّع عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها، أو يُعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين». (الموافقات 4/170، 171).
 
وهذا كلام نفيس من الإمام الشاطبي رحمه الله، وهو واضح الدلالة في أن العالم من أهل السنة قد يزلّ ويسقط، فلا يُتابع لمخالفته للشرع، ولا يُنال منه بسبب المخالفة، وهذا إذا عُرف بالعلم وسلامة المعتقد، ولم ينتسب لفرقة أو بدعة.
 
وقد وقع بعض أئمتنا الأعلام في بعض الأخطاء فنبّه العلماء عليها وعذروهم فيها، بل ترحموا عليهم، وهذه بعض أقوالهم: ذكر الذهبي – رحمه الله – أن أبا حاتم بن حبان قال: «النبوة: العلم والعمل»، ثم ذكر أنه حُكم عليه بالزندقة لهذا القول.

وكتب فيه إلى الخليفة فكتب بقتله، ثم عقب الذهبي على هذا فقال: «قلت – أي الذهبي – هذه حكاية غريبة، وابن حبان من كبار الأئمة، ولسنا ندّعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن يُعتذر عنه، فنقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله – عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة».

ومعلوم أن الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجًّا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مهم الحج، وكذا هذا ذكر مهم النبوة؛ إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيًّا إلا بوجودهما، وليس كل من برَّز فيهما نبيًّا؛ لأن النبوة موهبة من الحق تعالى، لا حيلة للعبد في اكتسابها، وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كفر، ولا يريده أبو حاتم أصلاً، وحاشاه». (سير أعلام النبلاء: 16/96، 97).
 
وقال في ترجمة الإمام ابن خزيمة: «ولابن خزيمة عظمة في النفوس وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه، واتباعه السنة، وكتابه التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة، فليُعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفُّوا، وفوَّضُوا علم ذلك إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده – مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق – أهدرناه وبدّعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، ورحم الله الجميع بمنه وكرمه». (المرجع السابق: 14/374).
 
وقال ابن القيم رحمه الله: «من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر؛ فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره». (مفتاح دار السعادة ص168).
 
ومن الكلمات المباركات لشيخي العلامة عبد المحسن بن حمد العباد قوله: «ومن العلماء الذين مضوا وعندهم خلل في مسائل من العقيدة، ولا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم، بل إن مؤلفاتهم من المراجع المهمة للمشتغلين في العلم: الأئمة البيهقي والنووي وابن حجر العقسلاني».
 
ثم ذكر شيئًا من تراجمهم وثناء أهل العلم عليهم، ثم قال: «ومن المعاصرين الشيخ العلاَّمة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، لا أعلم له نظيرًا في هذا العصر في العناية بالحديث وسعة الاطلاع فيه، لم يسلم من الوقوع في أمور يعتبرها الكثيرون أخطاء منه، مثل قوله في كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وضع اليدين على الصدر بعد الركوع بدعة ضلالة»، وهي مسألة خلافية، وكذا ما ذكره في «السلسلة الضعيفة» (2355) من أن عدم أخذ ما زاد على القبضة من اللحية من البدع الإضافية، وكذا تحريمه الذهب المحلق على النساء.

ومع إنكاري عليه قوله في المسائل فأنا لا أستغني وأرى أنه لا يستغني غيري عن كتبه والإفادة منها، وما أحسن قول الإمام مالك: «كل يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم». (رفقًا أهل السنة بأهل السنة ص41، 42).
 
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: «ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيبٌ، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه وُهب نقصه لفضله، كما أنه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله». (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/48).
 
وأختم هذا المقال بهذا القول للإمام الذهبي رحمه الله: «ثم وإن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحرِّيه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه: يُغفر له زَلَـلُه، ولا نُضلّله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك». (سير أعلام النبلاء 5/271).
 
وقال أيضًا: «ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». (السير: 14/39، 40).
 
وختامًا أسأل الله – تبارك وتعالى – أن يفتح علينا بالحق، وأن يهدينا إليه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.

-- مجلة التوحيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*