الأحد , 4 ديسمبر 2016

المحتار أم المختار؟

    قبل سنوات طويلة منذ بدأت أقرأ وأفهم كان هناك تداول لمفهومية تنص على أن اليهود يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار.. ولم يكن السبب هو أن اليهودية كانت قد مثّلت الديانة الأولى في الشرق الأوسط، ولكن أتصور أن نوعية الحضور اليهودي قبل أن توجد لهم دولة باحتلال ما استطاعوا عليه من مساحات فلسطين.. نوعية الحضور وهم فئات نزوح في دول متقدمة.. اسبانيا مثلاً أو ألمانيا قبل عصر هتلر.. نفس الشيء يقال عن عدد من الدول الأوروبية ثم تميزهم الخاص في أمريكا.. ذلك الحضور تميّز بالقدرات الاقتصادية والثقافية حيث لم يكونوا فئة منبوذة في أي موقع استقرار لجأوا إليه.. بالتأكيد كنا ولا نزال نسخر من هذا المفهوم الذي تمثل في وجود دولة لولا دعم أمريكا المعلن لها والذي يجنّبها من قسوة أي قرارات دولية..

ماذا يمكن أن نقول عن عدد من المجتمعات العربية إذا راجعنا تاريخهم منذ ما لا يقل عن السبعين عاماً عندما كانت دمشق تمثّل أول حضور يريد أن يجمع العرب في جهة معارضة واحدة ضد الاستعمار الأوروبي، ثم ما عبّرت عنه نتائج الحرب العالمية الثانية من إقصاء للعرب عن أي أهمية خاصة..

نتساءل: ما هي علاقة الواقع الراهن بذلك الواقع القديم الذي امتد إلى عواصم عربية عديدة شرعت عسكرياً بإسقاط الأنظمة القديمة وطرحت شعارات أنها تبشر بالديموقراطية والحرية والمساواة؟.. كيف كان مسار تلك البدايات في أكثر من سبع جمهوريات عربية على الأقل؟.. ما هي الحرية التي تعني إطلاق فرص التدخل العشوائية أو الديموقراطية التي لا تستطيع أن تمارسها شعوب يتكاثر الأميون فيها بما يتضاعف عن عدد المتعلمين والاقتصاديات المتدنية لم تكن تتسع لإعطال البطالة وتنوّع فرص العمل مثلما أتت شعوب بعد ذلك وفعلت ذلك كالصين والهند، ومثلما تمكن شعب صغير غير غني مثل فيتنام قبل سنوات طويلة من بناء ذاته..

إن توالي ما لا يقل عن السبعين عاماً كان يؤكد أنها لم تتوفر أي حرية أو ديموقراطية؛ وإنما كل ما توفر هو تنوّع فرص صراعات في سباق نحو الكرسي الأول..

ما يحدث الآن لا يعني أن الأنظمة التي تقتل الناس في الشارع غير مدانة فهي أسوأ إرهاب.. لكن يعني أيضاً أن الناس الذين حوصروا بالفقر والبطالة وعزلة الحضور الحضاري والثقافي وجدوا أنفسهم ملزمين على مواجهة تنوّعات القسوة وفردية الاستئثار..

هل يجوز أن نقول عن الشعب العربي بأنه شعب الله المحتار وليس المختار؟.. هو الأكثر سكاناً والأوفر إمكانيات طبيعية والأقرب إلى سيادات وطنية في تاريخه.. لكنه متعدّد الحصار والقلق في متاهات حاضره..

-- الرياض :تركي عبدالله السديري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*