الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأمن الفكري في الحماية من الغزو الفكري

الأمن الفكري في الحماية من الغزو الفكري

عرَّف فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- الغزو الفكري بأنه (مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة، وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية وسلوك المسارب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزّوة، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس، تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه. وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها.

والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه، ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً).

إن الغزو العسكري يأتي للقهر وتحقيق أهداف استعمارية دون رغبة الشعوب المستعمرة. أما الغزو الفكري أو الثقافي فهو لتصفية العقول والأفكار لتكون تابعة للغازي. وقد يكون الغزو الفكري أشد وأقسى لأن الأمة المهزومة فكرياً تسير إلى غازيها عن طواعية، وإلى جزارها عن رضا واقتناع وحب، ولا تحاول التمرد أو الخلاص.

 وعندما لا يجد الغازي سبيلاً إلى الغزو العسكري يلجأ إلى الغزو الفكري.

وقد قال ملك فرنسا لويس التاسع الذي قاد الحملة الصليبية السابعة ووقع أسيراً وأفرج عنه مقابل فدية كبيرة على شرط أن لا يعاود الكرة مرة أخرى، ومما قاله بعد خروجه من السجن في المنصورة (لقد تكسرت الرماح والسيوف فلنبدأ حرب الكلمة)..

وإذا كان من شأن الرصاصة أن تقتل رجلاً فإن الكلمة قد تقتل جيلاً بكامله..

وأهم مصادر الغزو الفكري الفاسدة التي يرجع إليها بعض الشباب ويأخذون منها أحكام تصرفاتهم ويعتبرونها المصادر الأساسية للتلقي؛ أولئك القوم الذين اتبعوا منهج التفكير واستباحوا دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم. وخفروا ذمم المستأمنين الذين لهم عهد وميثاق، يقودهم إلى ذلك الجهلُ بالنصوص الشرعية الواردةُ في كتاب الله والسنة النبوية.

كما يعتمدون على وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية، ومنها الفضائيات وما تبثه من برامج عدائية لبلد الحرمين الشريفين، وما تروجُ له من أكاذيب وادعاءات باطلة، الهدفُ من ورائها النيلُ من ثوابت بلادنا وزعزعة أمنها واستقرارها، ورغبة منهم في الإضرار بالاقتصاد والقضاء على المؤسسات الإسلامية التي هي من سمة هذه البلاد.

والمتتبع لما يُبَثُّ، ويُقالُ يجد أن الحقد الدفين يفوح من تلك البرامج العارية عن توخي الصدق والإنصاف، بل أصبحت عامل تلفيق وتحريض وإرجاف.

بالإضافة إلى الشبكات العنكبوتية في الإنترنت التي أخذت تشوش على أفكار شبابنا، وتدعوهم إلى التطرف إما إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار، لأنه من السهل جداً أن يروج أيُّ حاقد ما يريده من خلال هذه الشبكات.

ومن السهل جداً أن يندس غير المسلم في صفوف المسلمين ويشيع بينهم ما يدعو إلى تمزقهم وتفرقهم، فتراهم يتناولون الأشخاص بالتجريح والسب والشتم ويحاولون كشف الستر وإثارة الفتن. وهذا ليس من منهج النبي صلى الله عليه وسلم ولا منهج صحابته الكرام.

لذا فالقيود الأمنية الإعلامية والثقافية أوشكت على التلاشي في ظل العولمة الكونية، وحل بدلا عنها الانفتاح الإعلامي والثقافي، وأصبح الحل الأفضل للحد من هذه المشكلة باستخدام المؤسسات المجتمعية التي تساهم في تحصين الشباب من الغزو الفكري القادم بتقوية أمنهم الفكري من خلال تزويدهم بالمعلومات الصحيحة والسليمة التي تزرع في نفوسهم الوعي الثقافي والأمني، للحيلولة دون الوقوع في مخاطر الغزو الفكري الدافع إلى الجريمة أو الخروج عن التعاليم الدينية والشرعية والنظامية.

مستخدمين في ذلك مجموع الإجراءات والتدابير النظامية والتربوية، والثقافية (الوقائية، والعقابية) التي تتخذها السلطة لصيانة واستتباب الأمن داخلياً وخارجياً انطلاقاً من المبادئ التي تدين بها الدولة ولا تتعارض أو تتناقض مع المقاصد والمصالح المعتبرة، لتحقيق الطمأنينة والاستقرار للفرد والجماعة، مما يزرع الإحساس بالثقة والتحرر من الخوف.

وأهم هذه المؤسسات المجتمعية التي تساهم في إنشاء جيل صالح مستقيم -إن شاء الله- هي الأسرة، ووسائل التعليم (المدرسة، المعهد، الجامعة) وغيرها، والمسجد، والمجتمع ومؤسساته الأخرى، ووسائل الإعلام المختلفة، لأهميتها الكبرى في التأثير على نسبة كبيرة من الشباب في الوقت الحاضر خاصة بعد انتشار القنوات الفضائية العربية والعالمية التي تتحدث بجميع اللغات وتتطرق لجميع المواضيع الممنوعة وغير الممنوعة والمباحة والمحرمة وغيرها من المصطلحات الأخرى المختلفة.

وذلك لمحاولة التعرف على أفضل طرق الامن الفكري لتحصين الشباب من الغزو الفكري القادم من الداخل والخارج من خلال وسائل الاتصال غير التقليدية.

حيث قام غزاة الأمن الفكري باستخدام الدعاية المغرضة بجميع أنواعها من خلال السعي المخطط والمنظم، لتشكيل تصورات المتلقين، والتلاعب بمعارفهم وأفكارهم، وتوجيه سلوكهم.

وذلك من أجل تحقيق استجابات لديهم تتفق مع ما يريدونه، وتهدف إلى خدمة وترويج مصالحهم دون المصلحة العامة، لمحاولة غزو أفكار الشباب وتشتيت أذهانهم.

مستخدمين في ذلك أنواع الدعاية المختلفة السياسية، والدينية، والحرب النفسية ومن ثم غسيل الدماغ الذي يسعى إلى تحويل الأشخاص وتقهقرهم عن معتقداتهم.

وذلك بأن ينقطع الفرد تماماً عن مناخه الاجتماعي وعن الأخبار والمعلومات، مما يجعل الفرد يعيش في فراغ تام مع نمط حياة قياسية، من حيث العزلة، ونوع الطعام والإضاءة، وغير ذلك مما يزيد من القلق ويؤدي إلى تدمير عادات الشخص ويجعله يشعر بالوضاعة والإهانة.

وذلك كله ليس بهدف تدميره ولكن لإعادة بنائه، ثم يتم تعريض ذلك الشخص تحت تلك الظروف الموصوفة آنفاً، إلى شعارات مدمرة.

هذه الشعارات يتم تكرارها لتنفذ إلى أعماقه بحيث لا يستطيع نسيانها، مع استخدام نمط المناقشة الجماعية، بناء على الطريقة الديمقراطية، ويكون قائد المجموعة رجلاً متفوقاً قادراً على الإجابة على أي سؤال أو اعتراف.

إن الأفكار المتطرفة لا شكل ولا وجهة محددة لها. فالتطرف يمكن أن يكون يميناً أو يساراً، ويمكن أن يحمله فرد أو أفراد، ويمكن أن يصدر من مؤسسات، ويمكن أن يكون ممارسة سلطة، أو سلوك جماهير، ويمكن أن يكون على شكل كتاب، أو مقال، أو خطبة، ويمكن أن يقدم في شكل سياسات وقوانين.

و(الأمن الفكري) يعني الحفاظ على المكونات الثقافية الأصلية في مواجهة التيارات الثقافية الوافدة أو الأجنبية المشبوهة، وهو بهذا يعني حماية وتحصين الهوية الثقافية من الاختراق أو الاحتواء من الخارج.

وهذا -ايضاً- يعني أن الأمن الفكري هو الحفاظ على العقل من الاحتواء الخارجي، وصيانة المؤسسات الثقافية في الداخل من الانحراف.

إن (الأمن الفكري) مسألة تهم المجتمع مثلما تهم الدولة، وهي قضية المحكوم كما أنها قضية الحاكم.

الأمن الفكري هو إحساس المجتمع أن منظومته الفكرية ونظامه الأخلاقي، الذي يرتب العلاقات بين أفراده داخل المجتمع، ليس في موضع تهديد من فكر وافد، بإحلال لا قبل له برده، سواء من خلال غزو فكري منظم، أو سياسات مفروضة.

وليس المقصود بالأمن الفكري للأمة أن نغلق النوافذ على الثقافة العالمية، ونتهمها بغزو العقول ونخرها. فنحن نحتاج إلى ثقافات الشعوب، نأخذ منها ما يتوافق وقيمنا وعقائدنا ومبادئنا، ونحتاج إلى نشر ثقافتنا ليستفيد منها الآخرون.

فالأمن الفكري إذاً مسؤولية اجتماعية تقع على عاتق جميع المؤسسات المجتمعية المختلفة ابتداء بالأسرة ثم المدرسة فالجامعة والمسجد ووسائل الإعلام وبقية المؤسسات المجتمعية الأخرى. وأي تقصير من أي من هذه المؤسسات ستكون عاقبته وخيمة على المجتمع بأكمله.

 ومن أهم وسائل الأمن الفكري التركيز على الثقافة الأمنية، كما عرفها الدكتور أحمد حويتي بأنها جزء لا يتجزأ من الامن الفكري للأمة أو المجتمع.

وهي تعني الحصانة الفكرية من خلال التوعية الأمنية لأفراد المجتمع.

وتعني أيضاً غرس المفاهيم الأمنية، في عقول الناشئة، والتعريف بالدور الكبير الذي يضطلع به رجال الأمن، وتضحياتهم في حماية أمن المواطن والوطن، والتضحيات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في سبيل الوقاية من الجريمة، ومكافحة السلوك المنحرف.

ويهدف نشر الثقافة الأمنية إلى مد جسور الثقافة وتدعيم العلاقات بين رجال الأمن والمواطن والمقيم، ورفع الروح المعنوية لرجال الأمن وتعميق الشعور لديهم بالانتماء.

بالإضافة إلى نشر أخبار الجريمة وتبصير الجماهير بأخطارها وأضرارها.

والتعريف بجهود رجال الأمن وتضحياتهم في تحقيق الأمن، وإبراز الجوانب الإنسانية لرجال الأمن في خدمة المواطن والمقيم.

كما يهدف إلى تنمية الحس الأمني لدى الناس للوقاية من الجريمة وحثهم على التعاون مع رجال الأمن، والتصدي للشائعات، وتصحيح المعلومات الخاطئة، والأخبار الكاذبة، لتجنب عوامل البلبلة والأضطراب. وإعلام الناس باللوئح والقوانين الواجبة الاحترام والتنفيذ.

* كلية الملك فهد الأمنية

-- صحيفة الجزيرة: العميد صالح بن محمد المالك *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*