الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » منهج الاعتدال ورفض التكفير من ثوابت قيمنا الوطنية

منهج الاعتدال ورفض التكفير من ثوابت قيمنا الوطنية

حين يحتفل غدًا الشعب السعودي بيومه الوطني، ويبتهج بذكرى تأسيس هذا الوطن الأبي، وتوحيد مختلف أركانه على يد القائد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- فإنه يقينًا يحتفل ويبتهج بقيمٍ وطنية أصيلة، كانت -وما زالت- علامة فارقة لهذا الوطن، منذ بدء التأسيس وحتى هذا العهد الزاهر.

وامتدادًا -بحوله وقوته- إلى أن يرفع الله الأرض ومن عليها؛ يحتفل ويبتهج بقيمة الأمن والأمان، في الوقت الذي تتزعزع فيه الأوضاع من حولنا، وتسوء كثير من مُقومات الحياة عند غيرنا، إلاّ أننا -ولله الحمد- نعيش حياة آمنة مستقرة، مُفعمة بالإيمان والإحسان، يأتي رزقنا رغدًا، وتلك نعمة لا مثيل لها، يجب علينا المحافظة عليها ورعايتها، حتى لا نكون ممّن قصدهم الله بقوله: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقُها رغدًا من كلِّ مكانٍ فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباسَ الجوعِ والخوفِ بما كانوا يصنعون).
 
حين نحتفل غدًا، ونخرج فرحين، فإننا نحتفل بتعزيز قيم منهج الاعتدال في ثقافتنا الوطنية، مُشددين على أن الرفق ما دخل في شيء إلاَّ زانه، وأن الوسطية والاعتدال بوصفهما سمة دينية رئيسة في شريعتنا السمحة، كانا -ولا يزالان- من أهم القيم في ثقافتنا الوطنية، ونؤكد في ذات السياق (حكومة وشعبًا) على رفض كل مناهج التبديع، والتفسيق، والتكفير، الذي ارتبط منهجًا بفكر وعقيدة الخوارج، أولئك الذين اختزلوا الحقيقة الربانية في وجهة نظر مُعيّنة، هي وجهة نظرهم لاغير، معتبرين كلَّ مَن خالفها بأنه قد خالف الحق، ومراد الله، وهو ما من شأنه أن يُحيل الحياة الآمنة إلى جحيم يَتلظّى من شرره كل فئات الوطن؛ لأجل ذلك كان موقف الملك المؤسس -يرحمه الله- حازمًا من أولئك الذين أثاروا الفتنة، وأشعلوا النار بحجة مخالفته لرأيهم الديني المُتشدد، فواجههم بقوة الحق والاعتدال، وكان الموقف ذاته من خلفائه الملوك من بعده، حين بَزغ شرُّ أولئك من جديد مع ما عشناه في الفترات السالفة الوجيزة من أعمال إرهابية، كان وقعها جسيمًا على الوطن وأهله.

إنها فتنة التكفير البغيضة التي يعمل الوطن على محاربتها والحدِّ من جميع أشكالها، ومن أجل ذلك تعقد هذه الأيام جائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة بالمدينة المنورة، وبرعاية كريمة من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -يحفظه الله- مؤتمرها الأول لمناقشة «ظاهرة التكفير: الأسباب والآثار والعلاج».
 
تبقى الإشارة إلى أن العدل قرين الاعتدال، وهو ما حرص الملك المؤسس -يرحمه الله- على إقامته بكل وضوح وشفافية، وسار على نهجه أبناؤه من بعده، فحرصوا على أن يكون التسامح والعفو نبراسًا لهم، والعدل شعارًا، والكرم دَيدَنًا، والطموح والرغبة في الرقي والتقدم سبيلاً؛ ورحم الله عبدالعزيز وهو القائل في إحدى خطبه: «على كل فرد من رعيتنا يَحس أن ظلمًا وقع عليه، أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا، وعلى كل موظف بالبريد أو البرق أن يتقبل الشكاوى من رعيتنا، ولو كانت موجهة ضد أولادي، وأحفادي، وأهل بيتي، وليعلم كل موظف يحاول أن يُثني أحد أفراد الرعية عن تقديم شكواه، مهما كانت قيمتها، أو حاول التأثير عليه ليخفف لهجتها، أننا سنوقع عليه العقاب الشديد؛ لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم، ولا أريد أن يُحَمِّلني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم، أو استخلاص حق مهضوم، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد». وزيادة في التأكيد على ذلك، فقد أصدر مرسومًا سنة 1347هـ نص فيه على التالي: «إن صاحب الجلالة الملك يُعلن للناس كافة أن مَن كانت له ظلامة على كائن من كان، موظفًا أوغيره، كبيرًا أو صغيرًا، ثم يُخفي ظلامته، فإنما إثمهُ على نفسه؛ وأن مَن كانت له شكاية، فقد وُضع على باب دار الحكومة صندوق للشكايات، مفتاحه لدى جلالة الملك، فليضع صاحب الشكاية شكواه في ذلك الصندوق، وليثق الجميع أنه لا يمكن أن يلحق المشتكي أيُّ أذى بسبب شكايته المُحقّة من أي موظف كان». إيهٍ أيُّها البطل العظيم، كم كنتَ حكيمًا وعادلاً، وكم كنتَ حنونًا وفيًّا كريمًا مع الأصدقاء، حليمًا مع الأعداء والخصوم، كارهًا للقتل والانتقام، فكنتَ لأجل ذلك مميّزًا عن غيرك من حكام زمانك، الذين رَخُصَتْ الأرواح لديهم، وسَهُلَ سفك الدماء بين أيديهم، فرحمة الله تغشاك ما أشرقت شمسٌ وغرّد طيرٌ.

zash113@gmail.com

-- المدينة: د. زيد علي الفضيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*