السبت , 10 ديسمبر 2016

البؤس العربي!

من يتابع ما يجري في سوريا يدرك أن نظامها يعيش خارج نطاق العصر، وهو ما خلق فجوة هائلة بين الحاكم والمحكوم اتسعت مع مرور العقود حتى لم يعد هناك مجال لردمها. أجبر نفسي على مشاهدة بعض ما يبثه التلفزيزن السوري، ويثير اهتمامي أن هناك من يعتقد أن الجمهور سيصدق مثل هذه الترهات في عصر الإعلام الجديد. تحدث المذيع عن «اندحار» ثوار ليبيا في بعض الجبهات!

في ذات الوقت الذي كانت الفضائيات الأخرى تبث بالصوت والصورة حكاية مختلفة تماما، أما الأطرف فكان الخبر التالي: «قامت مظاهرة في ميدان «تايم سكوير» بنيويورك، ومن المتوقع أن تتطور هذه المظاهرة إلى ثورة شعبية مثل تلك التي حدثت في ميدان التحرير بالقاهرة!»، أما ترجمة ذلك فهي ما يلي: «إذا كانت هناك مظاهرات في سوريا، فإن هناك ما هو أشد منها في أمريكا التي تزعم – كذبا!- دعم الحرية وحقوق الانسان، وسيسقط النظام الأمريكي قبل أن يسقط البعث!».

مؤلم جدا ما يجري في عالمنا العربي حيث الإحباط والشعور بالهزيمة والدونية تجاه الآخر، فقد احتفى الشعب المصري بالسلطان أردوغان، هذا الثعلب الذي كسب الداخل التركي، ثم بدأ طريقه نحو «العالمية» من عواصمنا الملبدة بغيوم «الهزيمة النفسية». لذا لم يكن مستغربا أن تحتفي عاصمة «عمر المختار» بالسيدين كاميرون وساركوزي، في مشهد لم نكن نتخيله حتى ونحن نيام.

نعلم أن لفرنسا مصالح في ليبيا، ومع هذا لا نلوم الليبيين في احتفائهم بساركوزي، فهو الذي تولى كبر تدخل حلف النيتو، وساهم في تجنيب الليبيين «مجزرة» كان التاريخ سيتحدث عنها طويلا، على غرار ما حصل في البوسنة ورواندا، وزاد الإعجاب بساركوزي انه صاحب كاريزما آسرة، وابتسامة تقربه الى النفس، فصار بطلا في لحظة تاريخية فارقة، ولا يراودني شك بأنه سيظل شخصية محببة إلى نفوس الليبيين لعقود قادمة، فقد ارتبط اسمه بتحرير هذا البلد المنكوب.

بثينة شعبان تشبه الحالة السورية فقد ظهرت بلا «مساحيق»، تماما مثل النظام الذي تمثله، وقالت: إن الأمور على ما يرام، ويستغرب المرء كيف يتصالح إنسان مع نفسه وهو يرى المجازر البشعة بحق الأبرياء، ثم يكون مضطرا لتبريرها!. «الروس»، الذين دعموا القذافي ثم باعوه!، أيدوا ما يفعله النظام السوري.

وهدد الرئيس ميديفيف – السكرتير الخاص لبوتين!- باستخدام الفيتو ضد أي قرار أممي ضدها. وبغض النظر عن المصالح الروسية في سوريا، فإنها ذاتها قارة تضم أكثر من عشرين دولة، ثمان منها مسلمة، معظمها يعاني من الظلم والاضطهاد وقمع الحريات، وقضية الشيشان ليست عنا ببعيد، فهل يتوقع أحد منها أن تقف مع الشعوب الباحثة عن الحرية؟!. الغريب أنه لا أحد يتحدث عن معاناة ثماني دول إسلامية داخل الاتحاد الروسي.

وختاما، إن البشاعة التي يتعامل بها النظام مع الشعب، والحقد الدفين المتمثل بالتعذيب والتمثيل وسرقة الأعضاء البشرية، مع تقصد الإذلال وسحق الكرامة هي تصرفات لم يقم بها ألد أعداء الأمة، بما في ذلك اليهود.

هل رأيتم ذلك الجندي «البعثي السافل» الذي داس على وجه ولحية مواطنه «المتدين»؟، وهل تلومون ذلك المواطن السوري الذي قال: «مرحبا بمؤامرة «الشرق الأوسط الجديد» إن كانت ستنقذنا من هذه العصابة؟».

فاصلة: «قد تدوس الزهور، لكنك لن تستطيع أن تمنع قدوم الربيع».

amfarraj@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة : د. أحمد الفراج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*