الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فلسطين تقطف ثمرة الربيع العربي

فلسطين تقطف ثمرة الربيع العربي

سبعة وثلاثون عامًا مرّت بين وقوف الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أمام الجمعية العامة في سبتمبر عام 1974، مطالبًا بالاعتراف بـ»منظمة التحرير الفلسطينية»، وبين وقوف خليفته محمود عباس (أبومازن) فوق ذات المنصة قبل أيام، مطالبًا بالاعتراف بـ»الدولة الفلسطينية».
 
سبعة وثلاثون عامًا ضاع أغلبها في ملاحقة وهم الانفراد الأمريكي بملف القضية الفلسطينية، منذ قال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، إن تسعة وتسعين بالمائة من أوراق الحل بيد أمريكا، وذلك في معرض تسويقه لدور أمريكي لإنهاء الصراع العربي- الاسرائيلي، بدأ بمهام مكوكية قادها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في أعقاب حرب أكتوبر 1973، لإنجاز اتفاقات لفض الاشتباك على خطوط الصراع بين إسرائيل وكلٍّ من مصر وسوريا.
 
سبعة وثلاثون عامًا، بدأها عرفات بمطلب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، فلاحقه شارون حتى بيروت عام 1982؛ ليطرد المنظمة إلى تونس خارج منطقة الصراع، وواصلها أبو مازن بمطلب الاعتراف بالدولة، وها هو تلاحقه أمريكا «أوباما» بالفيتو، فيما يلاحقه بنيامين نتانياهو بإقامة المزيد من المستوطنات فوق أراضٍ يُفترض أن تقوم فوقها الدولة الفلسطينية.
 
الطريق من المنظمة إلى الدولة، مر بمنعطفات خطيرة وطويلة، توقف خلالها عند أوسلو، مدفوعًا بحالة نظام إقليمي عربي منقسم على ذاته، منذ اتفاقات كامب ديفيد، وخروج مصر من معادلة الصراع، وفي محطة أوسلو غادر الفلسطينيون موقع المنظمة (في تونس)، وركبوا قطار السلطة بادئين من محطة غزة -أريحا، ومنتهين عند محطة رام الله.

وفي المحطتين كان للسلطة مطار، وحرس رئاسي يعزف السلام الوطني، ويستعرضه (الرئيس أبو عمار) كلّما مرّ ذاهبًا، أو عائدًا من الخارج. وأذكر أنني التقيتُ، وقتها ريتشارد ميرفي أحد أشهر مساعدي وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، وعلّق الرجل ضاحكًا من كلمة (الرئيس الفلسطيني) قائلاًً: تصفونه بأنه رئيس (president) لكننا نقول عنه (chairman)، أي أنه رئيس منظمة وليس رئيسًا لدولة، لكننا في العالم العربي استرحنا إلى كلمة رئيس، فهي تزيح عنا عبئًا، ولا تثقلنا بمسؤولية تصحيح الوضع بالعمل؛ لجعل قائد المنظمة رئيسًا لدولة حقيقية.
 
صعود أبو مازن إلى منصة الجمعية العامة للمطالبة باعتراف أممي بدولة فلسطينية كاملة العضوية، يضع نهاية لمقولة أنور السادات بشأن امتلاك أمريكا لـ 99% من أوراق الحل والعقد في صراع الشرق الأوسط، لكن هذا الصعود ذاته ربما تأخّر كثيرًا، فاتفاقات أوسلو التي حملت (أبو عمار)، ومن بعده (أبومازن) إلى مقر السلطة في رام الله قد شبعت موتًا منذ زمن، عدا بعض مؤشرات حيوية كاذبة على أن القتيل مازال على قيد الحياة، الأمر الذي يطرح بدوره سؤالاً: لماذا تأخّر القرار الفلسطيني بالذهاب إلى الأمم المتحدة؟!
 
في تقديري أن ثمة قوى ساهمت بفاعلية في تأخير القرار الفلسطيني، وفي تقديري أيضًا، أن يوم اعتلاء أبومازن المنصة الأممية، كان يوم استقلال القرار الفلسطيني.
 
لقد اعتدنا دومًا الإنصات إلى خطاب عربي يقول للفلسطينيين: نحن معكم مهما كان قراركم، لكننا اعتدنا أيضًا، رؤية الضغوط العربية على القرار الفلسطيني خلف الأبواب المغلقة، وحتى أمام كاميرات التلفزة في بعض الأحيان، لكن اندلاع الثورات في تونس، ومصر، وسوريا، وليبيا، واليمن، ذلك الحدث الكبير الذي يصفه البعض بـ»ربيع العرب»، ربما حرر القرار الفلسطيني من ضغوط المؤسسات الرسمية في مصر، وسوريا، وليبيا، وتونس.
 
عقب انتهاء حرب أكتوبر، وعلى مدى أكثر من سبعة وثلاثين عامًا، كان الملف الفلسطيني مادة للصراع والتنافس بين مصر، وسوريا، والعراق، وليبيا، والجزائر، وتونس، وغيرها، ومنذ رحيل السادات، وانتهاء القطيعة العربية لمصر في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، اكتشف النظام السابق في مصر أهمية أن يتأبط الملف الفلسطيني، منطلقًا من مقولات صادقة لا تقود بالضرورة إلى نتائج صادقة.

 فالملف الفلسطيني هو قلب الإطار الثاني لاتفاقات كامب ديفيد، ومصر قد خاضت أربع حروب مع إسرائيل كانت في جانب مهم منها دعمًا لحق فلسطيني، ومع ذلك فقد جرى استثمار هذا الملف لحساب علاقات مصر الدولية مع الولايات المتحدة، وإسرائيل، والاتحاد الأوروبي.

 تلك العلاقات التي أصبحت مع الوقت ورقة مهمة في ملف التوريث لنقل الحكم من الرئيس السابق مبارك إلى ابنه جمال، وفي هذا السياق بدا حرص الرئيس السابق على تأبط الملف أكثر من حرصه على تسوية القضية، فيما راجت رؤية سياسية أمريكية- إسرائيلية، تتحدث عن «عملية السلام»، فتهتم جدًّا بالعملية، لكنها لا تعبأ أبدًا بالسلام، أي أن تستمر المفاوضات إلى أجل غير مسمّى، ويستمر الاستيطان إلى مدى غير محدد، أمّا السلام فعليه السلام!! وبغياب حسني مبارك، وسقوط مشروع التوريث في 11 فبراير الماضي، غاب الطرف الذي يدافع عن استمرار العملية، وحضر الطرف الذي يريد العمل من أجل سلام حقيقي..

هذا ما حدث في مصر.

أمّا في سوريا فقد قادت أحداث الثورة هناك إلى انكفاء النظام السوري على ذاته، وانشغاله بالدفاع عن استمراره في الحكم، فيما انشغلت منظمات وحركات فلسطينية اتّخذت من دمشق مقرًا لها، بالبحث عن مقر بديل، ما أدّى إلى تراجع قدرة النظام السوري في الضغط على القرار الفلسطيني.

بينما سقط نظام معمر القذافي صاحب رؤية الحل وفق نظرية «إسراطين»، تلك النظرية التي كان يرفض العقيد مجرد الإنصات إلى ما عداها، ويناصب مَن يخافونها العداء، أمّا الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي الذي استخدم استضافة بلاده لمقر منظمة التحرير الفلسطينية -بعد خروجها القسري من بيروت في عام 1982- للضغط على القرار الفلسطيني، فقد رحل هو أيضًا.
 
باختصار أصبح القرار الفلسطيني أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الاختيار والمناورة، وتراجعت قدرته في الضغط على واشنطن عبر أصدقائها في مصر وتونس وغيرهما، فيما كانت واشنطن ذاتها تعيش تحوّلاً من نوع آخر، مع تراجع أداء الاقتصاد الأمريكي إثر أزمتين عاتيتين (أزمة الرهن العقاري، ثم أزمة سقف الدَّين العام) تراجعت معه شعبية الرئيس الديموقراطي باراك أوباما، قبل عام فقط من انتخابات رئاسية مقبلة، الأمر الذي جعل الإدارة الأمريكية الحالية أقل مناعة ضد الضغوط الإسرائيلية من جهة، وحملها إلى تبني الموقف الإسرائيلي من جهة أخرى.
 
أبومازن فوق منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة كان يعبّر لأول مرة عن موقف فلسطيني مستقل، نال عنه دعمًا غير محدود من شعوب عربية حملت نسمات الربيع العربي إلى أوطانها.
 
a.moneam@yahoo.com

-- المدينة :عبدالمنعم مصطفى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*