السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العلماء وإطفاء الفتنة بين الحاكم والمحكوم

العلماء وإطفاء الفتنة بين الحاكم والمحكوم

 مما لا شك فيه أن الأزمات التي يشهدها العالم الإسلامي هذه الأيام قد أعادت قضية العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى صدارة المشهد مجددًا، وأفرزت حاجة ماسة لإعادة رسم هذه العلاقة وفقًا لعقيدة أمتنا الصحيحة وما قدمه لنا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأثر السلف الصالح من إطار لهذه العلاقة، فمن الثابت أننا مطالبون بطاعة ولي الأمر والحفاظ على هيبته باعتبار ذلك أمرًا دينيًا ثم إجبارا دنيويًا تفرضه الرغبة في خلق مجتمعات صحية مستقرة تنعم بالأمن والأمان استجابة للشرع الحكيم: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.
 
قاعدة ذهبية
 
 فهذه القاعدة الذهبية واستجابة المسلمين لها كانت من أهم العوامل التي أمنت الاستقرار للأمة عقودًا طويلة، ونحن هنا لا نقصد بالفعل الحكام المستبدين ولا ندافع عن مجرمين تورطوا في نهب أموال شعوبهم وإفقارهم وتعريض أمنهم واستقرارهم للخطر، بل نتحدث بالطبع عن حكام اتقوا الله في دينهم وشعوبهم وعملوا على تأمين أقصى درجات الرفاهية لشؤونهم وسهروا على خدمتهم.
 
ومما لا شك فيه أن طاعة الحاكم وولي الأمر في المجتمعات التي يسهر حكامها على راحة شعوبها وإقامة العدل والحفاظ على مقومات المجتمع المسلم الأساسية تكون واجبة مادامت هذه الأنظمة توفر قدرًا من الشورى الإسلامية وتقوم مجالسها النيابية بمساءلة الحكومة عن أي تجاوز ما دامت هذه المسألة تتم وفق آداب الإسلام، وهو ما يستوجب على شعوب هذه البلدان الحفاظ على هيبة الحكام وعدم إغراء سفهاء هذه المجتمعات بحكامهم والحط من احترامهم.
 
الدين النصيحة
 
بل إن ديننا يحذر من استسهال الخروج على الحاكم ، وإن بدا منه بعض الخلل، وقدم إطارًا معينًا لتقديم النصيحة له لعدم تجاوز دوره أو ارتكاب تصرفات قد تزيد من الاحتقان ضده خصوصًا أن هناك من يتربص بالأمن والاستقرار في بلداننا ويسعى لإسقاط الأنظمة الحاكمة ليس حبًا في شعوب هذه الدول وإنما رغبة في استنزاف النظام القادم وانتزاع تنازلات منه أكثر حدة من التنازلات التي كان يستطيع الحصول عليها من النظام الحالي.

وإذا كان الفقر والفساد قد أدى دورًا مهمًا في تحريك الأحداث في عدد من الدول العربية فإن محاولة بعض القوى استغلال هذه الأحداث وتكرارها في كل البلدان العربية يعد أمرًا يخالف صحيح الدين والواقع خصوصًا في المجتمعات المستقرة التي تؤمن حكوماتها قدرًا من المعيشة الراقية وتدعم احتياجاتهم الأساسية ولا تنفرد بالقرار السياسي والاقتصادي.
 
وفي هذه المجتمعات لا يعد أي تحرك مضاد للحكومة أو إسقاط هيبة الحاكم مبررًا، بل يعد نوعًا من الشطط ومحاولة لاستغلال هذه الأحداث لتحقيق مصالح خبيثة نهى عنها ديننا الحنيف وعدها فتنة لعن الله من أيقظها وعمل على إشعالها.
 
يقظة وحكمة
 
ولاشك أن مثل هذه الأحداث تتطلب نوعًا من اليقظة من علمائنا؛ حيث يجب عليهم التدخل وفقًا للقاعدة الذهبية التي قدمها الشيخ الألباني رحمه الله عندما حدد واجب العلماء تجاه الحكام: «علماؤنا إذا جلسوا مع الحكام نصحوهم لا يريدون دنياهم ولا يريدون مناصبهم، وإن خرجوا من عندهم حفظوهم ودعوا لهم ولم يغشوهم ولم يسلموهم».

وتوضح مثل هذه الكلمات الذهبية أن النصيحة مع حفظ الهيبة هي دور العالم في مواجهة الحاكم حيث يجب عليه أن يكشف له الصورة كاملة ويوضح له السلبيات وما يمكن أن يلحق بالبلاد والعباد من ضرر، وهو دور قادر على وأد أي فتنة في مهدها ومنع الأوضاع من الانفجار، فكلنا يعلم أن معظم الفتن التي ضربت أمتنا جاءت من التطاول على الحكام وهز هيبتهم، وإذا كان دور العالم مع الحاكم هو النصيحة والحفاظ على الهيبة واتقاء الله في شعبه وأمنه فإن واجب العلماء يبقى مضاعفًا مع الشباب عبر تبصيرهم بتداعيات الفتنة وكيفية تعامل الأمة مع الأزمات وفق قرآنها وسنة رسولنا الكريم وليس وفق أنماط ثورية مستوردة لا تتناسب مع تقاليدنا ولا تراثنا الديني وأن تداعيات محاربة المنكر قد تكرس منكرًا أشد وظلمًا أفدح.
 
وتفرض الأحداث الأخيرة تدخل العلماء لإصلاح ذات البين بين الحكام والمحكومين وضمان وجود علاقة صحية بينهم سيكون لها انعكاساتها على استقرار الأمة ورجالها ولاسيما أن تداعيات الأزمات الأخيرة خلفت ضحايا وأسالت دماء ما كان يجب أن تسيل في حالة اهتدائنا بسنة نبينا وعمل سلفنا الصالح.
 
مسافة واحدة
 
وتستوجب هذه الأزمات على العلماء كما يؤكد د. نصر فريد واصل المفتي السابق لجمهورية مصر العربية الوقوف على مسافة واحدة من جميع أطراف الأزمة وعرض وجهة نظرهم في كيفية تسوية هذه المشكلات ووأد الفتة التي يستغلها أعداء الأمة للإضرار بها والنيل من وحدتها والسيطرة على مقدراتها وثرواتها؛ حتى يضمنوا الاستماع لوجهة نظرهم من كل الأطراف.
 
ولا يجد د. واصل حرجًا في ضرورة قيام العالم بدوره في تحديد أي اجتراء على شرع الله وسنة رسوله سواء إذا كان حاكمًا أو محكومًا بالحكمة والموعظة الحسنة ووفق الضوابط التي حددها الشارع وأن يوقف الظالم ويتصدى له؛ انطلاقًا من أن طاعة الحاكم واجبة في كل الأحوال خصوصًا إذا اتقى الله في شعبه ولم يضر به أو يفكر في إيذائه.
 
وشدد على ضرورة أن يتقي حكامنا الله في شعوبهم وألا يقبلوا على ظلمهم أو تحويل حياتهم لجحيم كما حدث في عدة بلدان عربية وألا يتيحوا الفرصة لقوى خارجية للتدخل وإشعال الفتنة.
 
واعتبر أن قيام شباب بالتمرد على حكومات تقدم لهم جميع احتياجات وتوفر لهم أطر للشورى الإسلامية يخالف ما وقع ببعض البلدان العربية مطالبًا هؤلاء بالرجوع عن الاستمرار في طريق الغي وإلحاق الأذى بأمتهم وأوطانهم.
 
حوار ملتزم
 
وفي نفس الإطار أوضح د. محمد المختار المهدي عضو مجمع البحوث الإسلامية ضرورة تدخل العلماء لمنع اشتعال الفتن في بلداننا واتقاء المخاطر عند الحد الأدنى، معتبرًا أن الحوار الملتزم بثوابت الإسلام بين الحاكم والمحكوم هو من يضمن تجاوز هذه الفتن بأقل الأضرار بدلاً الذي ترك الأمور للأهواء والأغراض تسيطر علينا وتهدد بإهلاك الحرث والنسل وهذا ما لا يصب في مصلحة أحد.
 
واعتبر أن أضرار الصراعات المتفجرة في كثير من بلداننا ستجر على الأمة أضرارًا أكبر مما كانت تعاني، ومنها افتقاد نعمة الأمن وسيطرة الفوضى والبلطجة على الشارع وهي من أكثر المصائب التي ابتليت بها أمتنا في الفترة الأخيرة.
 
غير أنه يطالب الحكام أن يحكموا بشرع الله في إدارتهم لشؤون بلدانهم وأن يتبعوا سياسات متوازنة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا باعتبار أن هذا الأمر يشكل طوق نجاة لأمتنا من هذا النفق المظلم الذي يراد لها الوقوع فيه.

-- مجلة الفرقان :أحمد عبدالرحمن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*