الإثنين , 24 أبريل 2017
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » استشراف المستقبل .. رؤية شرعية
استشراف المستقبل .. رؤية شرعية

استشراف المستقبل .. رؤية شرعية

عُمرُ الإنسان يتنقَّلُ بين ماضٍ مفقُود، وحاضِرٍ مشهُود، ومُستقبَلٍ موعُود، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 14].
خلقَ الله الإنسانَ جَنينًا في بَطن أمِّه، ثم وُلِد طفلًا، ثم صارَ شابًّا قويًّا، ثم كَهلًا، فما كان مُستقبَلًا يصِيرُ حاضِرًا، والحاضِرُ يُصبِحُ ماضِيصا، والذي يشغَلُ عقلَ الإنسان ويملَأُ عليه وقتَه هو التفكيرُ في المُستقبَل.
ولقد تقرَّرَ في عقيدة المُسلم: أن المُستقبَل من علمِ الغيبِ الذي لا يُحيطُ به إلا الخالِقُ – سبحانه -، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65].
وحوادِثُ المُستقبَل علمُها عند الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34].
لكن التطلُّع إلى المُستقبَل والشَّوقَ إلى معرفتِه، واستِشرافَه من فِطرةِ الله التي فطَرَ اللهُ الناسَ عليها، والنفوسُ مجبُولةٌ عليه، وهو مِن صَميمِ الإسلام، ورِسالةُ الأنبياء؛ فنبيُّ الله يُوسف – عليه السلام -، استشرَفَ المُستقبَلَ، وبه أحسنَ التخطيطَ والتدبيرَ، فأنقَذَ الله به البلادَ والعبادَ من أزمةٍ اقتصاديَّةٍ طاحِنةٍ.
وكان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -، يستشرِفُ المُستقبَل بنَظرةِ المُتفائِل الواثِقِ بوَعدِ الله فيقولُ: «واللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ؛ حتى يسيرَ الرَّاكِبُ من صَنعاءَ إلى حَضر موت لا يخافُ إلا اللهَ أو الذئبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تستعجِلُون».
استِرافُ المُستقبَل يُوقِظُ النفوسَ الحيَّة، ويُوقِدُ الهِمَم، يطرُدُ اليأسَ، يُقاوِمُ الإحباطَ، يدفَعُ إلى التأمُّلِ لاستِثمارِ إمكاناتِ الحاضِرِ في سَبيلِ بناءِ مُستقبلٍ مُشرِقٍ، ولا يعنِي استِشرافُ المُستقبَل طُولَ الأمل والتسويفَ الذي يقتُلُ الهِمَّة، ويُضعِفُ العزيمةَ، ويُورِثُ الخُمولَ وتأجيلَ الأعمال، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3].
لا يُبنَى المُستقبَل ولا يُستشرَف بالأمانِي الفارِغة التي لا رَصِيدَ لها من الواقِعِ، ولا تُغيِّرُ فيه شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76].
هناك مَن يتنكَّبُ الطريقَ في استِشرافِ المُستقبَل بالوُقوعِ فيما حرَّم اللهُ مِن كِهانةٍ، وسِحرٍ وشعوَذةٍ، يذهَبث أحدُهم إلى الكهنَةِ الذي يتكلَّمُون رَجمًا بالغَيبِ، ويستحضِرُون الشياطِينَ، فيخضَعُ لطلاسِمِهم، وقراءاتِ الكَفِّ والفِنجان والأبراجِ، هؤلاء خطَرثهم جَسيم، ومُنكَرُهم عظيم، وهم كذَبَةٌ مُحتالُون.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَن أتَى عرَّافًا فسألَه عن شيءٍ، لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً».
وقال: «مَن أتَى عرَّافًا أو كاهِنًا فصدَّقَه بما يقولُ، فقد كفَرَ بما أُنزِلَ على مُحمدٍ».
استِشارفُ المُستقبَل طريقُ العُقلاء، ومسلَكُ النُّجباء، لكن الحذَرَ من أن يتحوَّلض هذا التفكيرُ إلى هَمٍّ يُنغِّصُ مضجِعَ صاحبِه، وغَمٍّ يُفسِدُ عليه حياتَه، وقلَقٍ يُزعِجُه في حِلِّه وتَرحالِه؛ خوفًا من مرضٍ، أو فقرٍ، أو بلِيَّةٍ، أو تغيُّرش حالِه.
قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: 268].
ولنا في رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – أُسوةٌ حسنةٌ؛ فقد تقلَّبَ حالُه من صبِيٍّ يتيمٍ إلى لاجِئٍ مُضطَهَد، ثم إلى سيِّدِ أمةٍ بأكمَلِها، قاوَمَ مِحَنَ الحياة حتى أخرجَ لنا أمةً غيَّرَت مجرَى التاريخ.
العملُ للمُستقبَل يبدأُ بالاعتِبارِ بمواقِفِ التاريخِ، ودُروسِ الماضِي، وقصَص السابِقين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
استِشرافُ المُسقبَل يُبنَى على الحاضِرِ، ومَن أحسنَ في حاضِرِه أشرقَ مُستقبَلُه، ومَن ضيَّعَ حاضِرَه عجزَ عن صِناعةِ مُستقبلِه، مَن ضيَّعَ بِناءَ عقلِه وفِكرِه وجسَدِه، حصَدَ فقرًا وبطالةً ومرضًا، ومَن ضيَّعَ تربيةَ أبنائِه، حصَدَ انحِرافًا وعُقوقًا.
استِشرافُ المُستقبَل والتأثيرُ فيه على أُسسٍ سليمةٍ يقتَضِي أن يستثمِرَ الفَردُ عُمرَه في تنمِيةِ عقلِه، وبناءِ فِكرِه، لا يَيأَسُ حين تدلهِمُّ الخُطُوب، بل يجعَلُ من الحُزن سُرورًا، ويزرَعُ في الصِّعابِ أملًا، كما يكونُ صَبُورًا لبلوغِ أهدافِه، قَنُوعًا بما يقسِمُه الله له، مُؤمِنًا بما يُقدِّرُه له.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن قامَت الساعةُ وفي يَدِ أحدِكم فسِيلَة، فإن استطاعَ ألا يقُومَ حتى يغرِسَها فليغرِسها».
يترسَّخُ استِشرافُ المُستقبَل وتقوَى أوتادُه على أساسِ العلمِ الذي يُضِيءُ الطريقَ، ويصنَعُ الحياةَ الكريمة، وينهَضُ بالأُمم، ويرقَى بالبلادِ، ويحمِيها من الأزمَاتِ.
يقولُ مالِكٌ – رحمه الله -: “إن قومًا ابتَغَوا العبادةَ وأضاعُوا العلمَ، فخرَجُوا على أمةِ مُحمدٍ – صلى الله عليه وسلم – بأسيافِهم”.
يُثمِرُ المُستقبَل ويظهَرُ أثرُه، وتتحقَّقُ ثمَرَتُه بالتربِيةِ والتزكِيةِ، فوراءَ كلِّ أمةٍ عظيمةٍ تربيةٌ وتزكِيةٌ تقودُها إلى بَرِّ الأمانِ، وتبنِي أجيالَها، وتصنَعُ مُستقبَلَها.
ولا شكَّ أن خُطوات المُسلمِ في سَيرِه نحو مُستقبلِه تتطلَّبُ أن تكون محفُوفةً باليقَظَةِ في مراحِلِ انتِقالِه مِن طَورٍ إلى طَورٍ، بمُحاسبَةِ نفسِه على صَعيدِ الحياةِ الدنيا، مع التأمُّل في مِشوارِ حياتِه، مُحكِّمًا القلبَ والعقلَ والعاطِفةَ في منهجيَّة نظرتِه إلى مُستقبَلِه، مُستثمِرًا مواسِمَ العباداتِ التي تَزيدُ المُستقبَلض نُورًا، وتَزيدُه بركةً، وتَزيدُه سعادةً وحصانَةً وتوفيقًا.
بل إن المُسلمَ العاقِلَ الحَصِيفَ يعلمُ يقينًا أن مُستقبلَه يزهُو حين يكونُ أكثَرَ قُربًا من المعبُودِ – سبحانه -، مع التوبةِ الصادِقة التي تُحصِّنُ المُستقبَلَ من الشيطان، والنفسِ الأمَّارة بالسُّوء، والهوَى، والغفلَة.
الزَّواجُ الناجِحُ المبنِي على أهدافٍ سامِيةٍ مُستقبَلٌ منشُودٌ لكل مُسلمٍ، يتحقَّقُ به الأمانُ والطُّمأنينةُ والراحةُ والنعيمُ، كما أن نِعمةَ الأُبُوَّة والأُمومة مرحَلةٌ في الحياةِ تُضفِي على المُستقبَل زينةً وبهجةً، والأولادُ عِمادُ مُستقبَلنا، وبهم يحلُو العُمر، ويُستجلَبُ الرِّزق، وتنزِلُ الرحمةُ، ويُضاعَفُ الأجرُ.
مُستقبَلُ الأُمم والمُجتمعات، وفلاحُ الغَد يبنِيه ويرسمُه شبابُ الحاضِر، وإذا عمِلَت الأمةُ على بناءِ جِيلٍ صالِحٍ، فإن مُستقبلَها إلى خيرٍ؛ فالمجدُ ينتظِرثها، والقوةُ تحرُسُها، والأخلاقُ تصُونُها.
هنا يجِبُ أن نعلَمَ أن بِناءَ المُستقبَل واجِبُ الأفراد، وواجِبُ الأُمم والمُجتمعات، وكلما اقترَبَت الأمةُ من منهَج الإسلام، ارتفَعَت وارتَقَت، وكلما بعُدَت زادَ انحِدارُها وضعفُها.
ولا يشُكُّ عاقِلٌ أن المُستقبَلَ يزدهِرُ في ظلِّ الأمنِ والأمانِ، واختِلالُ الأمنِ يشُلُّ حركةَ الحياة، ويقُودُ إلى عدمِ الاستِقرار، ومُستقبلٍ مُضطرِب.
قال الله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 1- 4].
بعضُ الناس ينسَى مصالِحَ نفسِه، ويستغرِقُ في الحاضِر، وينغمِسُ في النَّعِيم، ويُفضِّلُ العاجِلَ على الآجِل، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «اغتَنِم خمسًا قبل خَمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحَّتَك قبل سَقَمِك، وغِناكَ قبل فَقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك».
يُحجَبُ الفردُ عن مُستقبَلِه حين يتعلَّقُ بقشُورِ الحياة، وينظُرُ إلى أحداثِها مُجرَّدة، ويغتَرُّ ببَهرَجها.
ينتظِرُنا جميعًا مُستقبَلق داهِمٌ، فيه الفرَحُ والسُّرور، أو الألَمُ والحُبُور، ألا وهو: موعِدُ الجزاء والثوابِ يوم القِيامة، يبدأُ هذا المُستقبَل من لحظةِ مُفارَقَة الأهلِ حين يُوسَّدُ العبدُ التُّراب، ويُحالُ بينه وبين العمل، هذا المُستقبَل الذي يجِبُ أن نضعه نُصبَ أعيُنِنا، ونستعِدَّ له.
ومن الأعمال التي تُؤمِّنُ هذا المُستقبَل: قولُه – صلى الله عليه وسلم -: «سَبعٌ يجرِي للعبدِ أجرُهنَّ بعد موتِه وهو في قَبرِه: مَن علَّمَ علمًا، أو أجرَى نهرًا، أو حفَرَ بِئرًا، أو غرَسَ نَخلًا، أو بنَى مسجِدًا، أو ورَّثَ مُصحفًا، أو تركَ ولدًا صالِحًا يستغفِرُ له بعد موتِه».
ويحكِي القرآنُ حالَ أقوامٍ أتاهم المُستقبَلُ بغتةً دون استِعدادٍ له ولا عملٍ، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: 55]، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾[النازعات: 46].
——————–
فضيلة الشيخ الدكتور / عبدالباري الثبيتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*