الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

البخلاء بدون الجاحظ

    أكاد أجزم بأن معظمنا يعرف قصة أو قصتين حقيقيتين عن بخلاء (وناس ناشفة) عرفهم عن قرب.. فأنا شخصيا تعرفت على شاب في أمريكا يستحق الدخول في كتاب الجاحظ الخاص بالبخلاء.. فذات يوم مثلا دخل غرفتي وشاهد ثلاثة سنتات مرمية على الأرض لم انتبه إليها شخصيا؛ ففتح فمه مستنكرا وقال: “حرام عليك عندك سنتات مرمية على الأرض”، فانحنى يجمعها ويضعها في جيبه ثم تحدث في موضوع مختلف كي أنسى أمرها ولا أطالبه بإعادتها (علما أن قيمة السنتات في أمريكا لا تختلف عن قيمة الهلل في السعودية)..

وذات يوم سمعته يتحدث مع شقيقه في السعودية ويطلب منه تحويل مئة وخمسين ريالا (فقط) ويحذره من احتمال ارتفاع صرف الدولار فجأة وضرورة الانتظار في هذه الحالة الى أن ينخفض (ونعلم جميعنا أن سعر صرف الدولار ثابت منذ عرفناه عند 3,75 ريالات)!!

وذات يوم أخبرني قصة وعلى وجهه ملامح الإعجاب تتعلق بأحد أقربائه؛ مفادها أنه كان يطلب من زوجته طبخ الدجاجة في الماء حتى يصبح الماء مرقا ثم ترفع الدجاجة من القدر وتضعها في الثلاجة لصنع مرقة اليوم التالي.. وهكذا.. (وما أظنه كان يتحدث إلا عن والديه)!!

وما كان يحيرني بالفعل أنه ينحدر من عائلة ميسورة الأمر؛ الذي دعاني للتساؤل إن كان للبخل سبب عضوي أو أصل وراثي؟.. فكثير من البخلاء لم يعانوا من الفقر أو شح المال في حياتهم كي نفترض معاناتهم أو تبنيهم هذا الطبع من باب رد الفعل!

ولا أدعي أنني أول من تساءل عن دور الوراثة في هذا الموضوع كون الجاحظ (واسمه الحقيقي عمرو بن بحر البصري) لاحظ انتشار طبائع البخل في عائلات وبلدات ومدن معينة..

فهو مثلا يورد قصصا كثيرة عن بخل أهل مرو (في إقليم خراسان شرق ايران) حتى ضرب بهم المثل في البخل ومهارة التوفير..

ومن القصص التي يذكرها في كتاب “البخلاء” أنه كان في منزل شيخ من مرو فرآه يتوضأ من كوز خزف فقال له: سبحان الله تتوضأ بالماء العذب والبئر موجود أمامك، فرد عليه: ليس بعذب إنما هو من ماء البئر. فقال: سبحان الله أتفسد علينا كوزنا إذا بالماء المالح فلم أعلم كيف أجبه..

ومن القصص المشهورة أن تاجرا من أهل مرو كان يحج كل عام لممارسة التجارة فيمر دائما على تاجر من أهل العراق فيكرمه ويضيفه على أكمل وجه. وكان هذا التاجر المروي يتصنع الحياء ويقول دائما للتاجر العراقي: والله لو زرتني في مرو لأرد إليك بعض جمائلك وأكرمك أفضل مما أكرمتني..

وبعد سنين احتاج التاجر العراقي للسفر الى مرو فذهب مباشرة الى بيت صديقه فشاهده يقف عند الباب فانكب عليه يحتضنه ويقبله على نهج الصديق المشتاق فلم يبد المروي أي إشارة تدل على أنه عرفه. فقال العراقي في نفسه: ربما لم يعرفني لأنني ألبس العمامة..

فخلع العمامة وقال له: هل عرفتني أنا فلان ابن فلان التاجر العراقي. ولكن المروي أنكره وادعى عدم معرفته به، فقال العراقي في نفسه: ربما لم يتعرف علي لأنني ألبس القلنسوة، فخلع القلنسوة..

ولكنه لم يكترث به أيضا وازداد إنكارا له.. فقال العراقي في نفسه: ربما لم يعرفني لأنني ألبس العباءة.. فخلع العباءة، وحين هم بخلع الجلباب بادره المروي بقوله: لا تتعب نفسك.. والله لو خلعت جلدك ما عرفتك..

والآن عزيزي.. وبدون الاستعانة بالجاحظ..

حان دورك لإخباري عن قصة – وربما قصتين – تعرفها شخصيا على موقع الرياض الإلكتروني..

-- الرياض:فهد عامر الأحمدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*