الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » اليمنيون بين الفقر والقاعدة وقطع الأيدي

اليمنيون بين الفقر والقاعدة وقطع الأيدي

لم يحاول خالد عبدالعزيز إخفاء “جريمته” عندما تمت محاكمته من قبل جماعة أنصار الشريعة، قائلاً: “أنا أعترف بذنبي”.
جريمة هذا الرجل الذي قطعت جماعة أنصار الشريعة يده اليمنى في منطقة الحجر بين جعار وزنجبار في جنوب اليمن، أنه سرق ممتلكات عامة وأقر بذنبه.
وقال في مقابلة مع صحافي يمني نشرتها صحيفة “الوسط” الأسبوعية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وتحدث فيها عن محاكمته أمام “محكمة” تابعة لجماعة أنصار الشريعة التي تُعتبر اسماً آخر لفرع القاعدة في جزيرة العرب: “كانت قضيتي … السرقة التي شاعت في منطقتنا وارتفاع درجة الفقر والجوع، مما جعلني أضطر إلى السرقة وأنا (مش سارق) (أي لست سارقاً) ولكن الحال لا يسمح لنا”.
وبعد إقامة حد السرقة عليه وبتر يده اليمنى من مفرق كفه، تمت “مواساته” بـ 120 ريالاً فقط (نصف دولار).
هذه الحادثة التي يبدو أنها تكررت مرات عدة في الآونة الأخيرة في مناطق سيطرة جماعة أنصار الشريعة، لا بد وأن تثير تساؤلات من الناحية الشرعية على الأقل في شأن مدى جواز تطبيق الحدود في بلد غارق في فقر مدقع ولا تستطيع الدولة فيه أن توفر لمواطنيها أدنى متطلبات حياة كريمة.
وأنصار الشريعة هو مسمى جديد لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب اعتمده في أيار/مايو الماضي. فبعدما كان اسم القاعدة عنصر جذب في الماضي يساعد قيادة التنظيم في فتح خطوط اتصالات مع جماعات تتحول لاحقاً إلى فروع إقليمية للقاعدة، لجأ فرع التنظيم في الخليج إلى خطوة معاكسة تماماً، إذ بات ينشط تحت مسمى أنصار الشريعة .
هذا المسمى يوحي بأن القاعدة اختارت اسماً تعتبر أنه لا يمكن سوى أن يلقى القبول من شعوب تفتخر فطرياً بإسلامها، كشعوب منطقة الخليج، ولا يمكنها بالتالي أن تقف ضد تطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية، من دون أن يعني ذلك بالطبع أن هذه الشعوب توافق على تفسير القاعدة أو أنصار الشريعة لتعاليم الدين الإسلامي بما في ذلك مسألة تطبيق الحدود في ظروف مثل ظروف اليمن الحالية.
فقد أظهرت تقارير صادرة عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية هذا العام أن نسبة السكان الذين يعيشون في الفقر في اليمن ارتفعت 8 في المائة منذ العام 2006 بحيث باتت تبلغ 42 في المائة من مجموع السكان، في حين يعجز 32 في المائة من اليمنيين عن الحصول على طعام كاف يسدون به رمقهم. أما الأطفال فـ58 في المائة منهم يعانون من سوء التغذية. وفي “ترتيب الجوع العالمي”، يأتي اليمن في المرتبة 74 في لائحة تضم 85 من الدول النامية.
ولذلك فإن كل هذه الأرقام لا بد وأن تثير تساؤلات حول مدى شرعية لجوء أنصار الشريعة – أو فرع القاعدة الخليجي – إلى القيام بمثل هذه التصرفات، خصوصاً في ظل شواهد تاريخية تؤكد أن الحدود لم تكن تُطبق دائماً، وتحديداً في حالات الحروب أو في حالات الفقر والعوز، كما حصل في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في ما يُعرف بـ “عام الرمادة”، حين ضرب الجفاف أرض الحجاز لسنوات طويلة ما جعل السكان يعانون من أزمة اقتصادية استمرت لأكثر من تسعة أشهر خسروا فيها الكثير من الأرواح.
ولا يرى كثيرون أن الشرع يبيح حقاً إقامة الحد بقطع يد الفقير السارق، مثلاً، في حال عجزت دولته عن تأمين ما يلزم للفقراء مثله كي لا يلجأوا إلى السرقة بهدف تأمين قوتهم وقوت عيالهم.
لكن قضاة “أنصار الشريعة” لا يبدون مقتنعين بأن ظروف اليمن الحالية تجيز تجميد تطبيق الحدود في مناطق سيطرتهم، على رغم الجدل القائم في شأن شرعية قيامهم ببتر الأطراف والجلد وحتى القتل، علماً أنه ليس من الواضح أيضاً كيف حصلوا على ولاية شرعية تؤهلم تطبيق الحدود والتصرف كأنهم دولة داخل الدولة.
ويقول القاضي “أبو بشر” وهو أحد قضاة محكمة تابعة لأنصار الشريعة في جعار، جنوب اليمن، أن السكان رحّبوا بهم عندما جاؤوا إليهم قائلين إنهم يريدون “تطبيق شريعة الله”، وهو أمر لا يجب أن يثير أي استغراب في بلد محافظ دينياً كاليمن وفي منطقة كجعار ينشط فيها الإسلاميون في شكل قوي منذ العام 1994، إثر هزيمة شيوعيي جنوب اليمن.
ويؤكد القاضي “أبو بشر” في مقابلة مع صحيفة “الوسط” اليمنية أنهم لم يقطعوا أيدي السارقين “الفقراء” بل طبقوا الحدود فقط على من سرق من أجل الحصول على القات والحبوب المخدرة.
وعند سؤاله عن تطبيق الحدود على الفقراء كعبد العزيز قال “طبعا الذين أقمنا عليهم الحدود كما قلت سابقا أغلبهم شباب ويستطيعون العمل وطرق العمل كثيرة في المنطقة. لا يوجد هناك مجاعة كما يدعي الكثير والسرق هم جعلوا هذه ذريعة للسرقة… عندنا الآن سرق لم نقم عليهم الحد ولم نقطع أيديهم لأنهم ادعوا بأنهم فقراء”.
ومن الصعب تأكيد أو نفي مزاعم “قاضي أنصار الشريعة” في ظل الفوضى الأمنية التي تشهدها المناطق اليمنية بما في ذلك مناطق نشاط القاعدة في جنوب البلاد.
إلا أن علماء مسلمين يؤكدون أن تطبيق الحدود هو أمر منوط بولي الأمر (رئيس الدولة) من خلال الجهاز القضائي التابع للدولة وأنه يجب أن يتم عبر ضوابط شرعية منها البلوغ والرشد، وألا تكون هناك ظروف قاهرة أدت إلى ارتكاب الناس هذه الجرائم.
وهذا ما يؤكده العلامة محمد الأكوع، مفتي محافظة ذمار وعضو جمعية علماء اليمن، الذي قال في حديث سابق للشرفة إن إقامة الحد تتم وفقا لضوابط الشريعة التي تحدد بوضوح أن رئيس الدولة وحده دون غيره مسؤول عن تطبيق الحدود، مضيفا أنه لا يجوز لأي فئة أخرى أن تقوم بذلك.
وقد رصدت منظمة سياج لحماية الطفولة عدة جرائم ارتكبها فرع تنظيم القاعدة في اليمن، منها قطع يد ولد لم يتجاوز عمره الـ15 سنة بتهمة سرقة كابلات كهربائية، ثم تعليق يده في ميدان عام، وقطع يد رجل بنفس التهمة والذي توفي متأثرا بجراحه. وحسب إحصاءات المنظمة، هناك أكثر من 50 ألف أسرة نزحت من مدنها وقراها ما أنتج مدنا خالية من السكان أو تكاد تخلو.
ويقول رئيس المنظمة أحمد القرشي للشرفة “إن ما ظهر من جرائم وانتهاكات يمارسها تنظيم القاعدة في جعار هو القليل وما خفي كان أعظم باعتبار أن التنظيم يحكم السيطرة على المدينة والناس يخافون ولا يستطيعون مواجهته وبالتالي هناك الكثير من الجرائم التي لا يستطيع أبناء جعار البوح بها”.
وشدد القرشي على أن الحرب التي تدور بين عناصر أنصار الشريعة والجيش اليمني تطال أضرارها الأطفال أكثر من أي فئة أخرى من المجتمع، سواء الأطفال المجندين الذين يذهبون ضحايا المواجهات المسلحة أو الأطفال المدنيين.
وفي ظل كل هذه الأنباء عن نزوح للمواطنين من مناطق سيطرة أنصار الشريعة وتطبيق هذه الجماعة الحدود في شكل مثير للجدل وانتشار الفقر والبطالة بين السكان، فإن تساؤلات لا بد وأن تُطرح في شأن جدوى تغيير فرع القاعدة الاسم الذي ينشط به إلى أنصار الشريعة. فإذا كان الهدف، كما هو واضح، تجنّب استخدام اسم القاعدة لأنه لم يعد إسماً جاذباً، فإن اللجوء إلى اسم أنصار الشريعة لا يبدو أنه يحقق أيضاً النتيجة المتوخاة منه.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*