السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » دراسات حول تطوير الوقف الإسلامي

دراسات حول تطوير الوقف الإسلامي

أقر عدد من الخبراء الشرعيين المصرفيين بأن عدم الاحترافية والمهنية فضلا عن ندرة الأبحاث المتعمقة في إدارة الأوقاف، أضاع عليها فرصة الشيوع في كل المجالات التي كان بالإمكان توظيفها لجني مئات التريليونات من الدولارات، مشيرين في الوقت نفسه إلى عدد من التحديات التي تقف حجر عثرة أمام تطوره بوصفه قطاعا مهمّا في حياة الناس.

ودعا الخبراء في حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، المهتمين والمراكز البحثية إلى ضرورة الاهتمام بهذا القطاع والعمل على تطويره بالشكل الذي يجعله مساهما فعالا في إدارة شؤون الناس الوقفية، وأحد أوجه الدعم للقطاعات التي تحتاج إلى عناية خاصة، مع العمل على تحقيق العديد من المكاسب على المستوى التشريعي والاقتصادي والاستثماري والمصرفي، ومن ثم، كسب ثقة العالم في أحد أهم المنتجات الإسلامية.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عبد الله بن محمد العمراني، أستاذ كرسي الشيخ راشد بن دايل لدراسات الأوقاف بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أن الوقف في الدول الإسلامية ضعيف للغاية مقارنة بما هو عليه في البلاد الغربية التي يعتقد أنها تشهد تطورا ملحوظا، مؤكدا أن الأوقاف لها دور كبير عبر التاريخ في البناء الحضاري والتنموي، وتلبية حاجات المجتمع المتنوعة، ودعم البرامج النافعة لعموم الناس.

وقال: «التاريخ الإسلامي حافل بالأوقاف التي حققت مصالح المسلمين منذ عهد النبوة إلى عصرنا الحاضر، تشهد لذلك الأدلة الشرعية، والتاريخ الإسلامي، والسجلات والوثائق الخاصة بالأوقاف التي شيدت لدعم البر والخير والتنمية كبناء المساجد، والمدارس، والمكتبات، ورعاية الأيتام والفقراء، وحفر الآبار، والخدمات الصحية وغيرها».

وأقر العمراني بأن الوقف في الغرب يعيش حالة من التطور والنمو المستمر، مبينا أن ذلك انعكس إيجابا على مساهمته بشكل كبير في دفع الحياة العملية والاقتصادية والبحثية نحو التقدم، مشيرا إلى أن الأرقام تؤكد أن حجم الوقف العالمي تجاوز الـ105 مليارات دولار. ويرى ضرورة نشر ثقافة الوقف في المجتمع، كما كان في عهد الصحابة الذين كان كل من لديه قدرة منهم يسهم في الوقف.

وفي هذا الإطار، أكد العمراني أن كرسي الشيخ راشد بن دايل لدراسات الأوقاف بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، يستعد لإطلاق حلقة نقاش تحضيرية للمشروع البحثي الكبير الذي يعنى بقطاع الأوقاف وتطويره، وذلك تحت عنوان: «خارطة أبحاث الأوقاف»، حيث تقع حلقة النقاش والمشروع البحثي ضمن الخطة التشغيلية لكرسي الشيخ راشد بن دايل لدراسات الأوقاف لعام 2012، والمعتمدة من مجلس كراسي البحث في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

وتظهر أهمية خارطة أبحاث الأوقاف، وفق العمراني، في التخطيط الاستراتيجي لدراسات الأوقاف، واستشراف مستقبل الوقف، والتركيز على البحوث التطبيقية والعملية في المرحلة القادمة لأن البحوث النظرية غطت جانبا كبيرا من دراسات الأوقاف، مشيرا إلى أن الكرسي يعنى بالدراسات التأصيلية والتطبيقية في مجال الأوقاف، كما يعمل على تطوير المنتجات الوقفية سواء كانت في منتجات إنشاء الأوقاف أو تمويلها، أو التحفيز المجتمعي للعناية بالأوقاف ودراساتها.

وبحسب العمراني، فإن فكرة خارطة أبحاث الأوقاف، نشأت من الكرسي، وتقوم على رسم خارطة حاصرة لجميع موضوعات الوقف، ثم حصر الكتب والأبحاث في مجال الأوقاف في الماضي والحاضر، ثم تصنيف الكتب والأبحاث وإدراجها ضمن موضوعات الوقف المختلفة، ثم بيان واقع الكتب والأبحاث في الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.

أما في ما يتعلق بمراحل خارطة أبحاث الأوقاف، فإن المشروع، وفق العمراني، يمر بأربع مراحل: المرحلة الأولى، رسم خارطة حاصرة لجميع موضوعات الوقف، حيث في هذه المرحلة يتم تصنيف الوقف إلى موضوعات رئيسة منها: تاريخ الوقف ودوره، وتأصيل أحكام الوقف، ومجالات الوقف، وإجراءات الوقف، وإدارة الوقف، واستثمار الوقف، ومشكلات الوقف، والموسوعات والكشافات.

ومن ثم يقسم كل موضوع رئيسي إلى عدة موضوعات متفرعة، فيقسم موضوع (إدارة الوقف) إلى: ناظر الوقف، والمؤسسات الوقفية، ووزارات الأوقاف، ومحاسبة الوقف، وتوزيع الريع، وأسس الإدارة، والتخطيط والتطوير، والتجارب المعاصرة في إدارة الوقف، وقوانين الوقف.. وهكذا في كل موضوع رئيسي.

ويمر رسم الخارطة بخطوتين: الخطوة الأولى تعنى بالرسم الذهني لموضوعات الوقف الرئيسية والمتفرعة، مع مراعاة أن تكون الخارطة حاصرة لجوانب الوقف المختلفة، وبعد الانتهاء من هذه الخطوة، تأتي الخطوة الثانية، وهي اختبار الرسم الذهني للخارطة بعرضها على عدد من الكتب والأبحاث لمعرفة موافقتها للرسم الذهني ويتم التعديل بالحذف أو الإضافة أو الدمج للموضوعات.

أما المرحلة الثانية، فتنصب على حصر الكتب والأبحاث في مجال الأوقاف في الماضي والحاضر سواء كانت ورقية أم إلكترونية، في حين تتعلق المرحلة الثالثة، بتصنيف الكتب والأبحاث، التي تم جمعها في المرحلة الثانية، وإدراجها ضمن موضوعات الوقف المختلفة، في الوقت الذي تعنى فيه المرحلة الرابعة، بمسألة بيان واقع الكتب والأبحاث في الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.

وفي هذه المرحلة، يتم بيان واقع الكتب والأبحاث في مجال الأوقاف، من حيث بيان الموضوعات التي وصلت إلى حد الكفاية، وبيان الموضوعات التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات، وأخيرا بيان الموضوعات التي لم يتطرق لها الباحثون.

ومن أهداف هذا المشروع البحثي، تسهيل وصول المؤسسات والأفراد إلى الكتب والأبحاث التي كتبت حول موضوع معين من موضوعات الأوقاف، وكذلك إيجاد تصور حول الموضوعات التي وصلت إلى حد الكفاية، والموضوعات التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات، والموضوعات التي لم يتطرق لها الباحثون، بالإضافة إلى فتح المجال للباحثين للإسهام في تغطية المجالات البحثية في مجال الأوقاف.

ويعتقد العمراني أن أهمية هذا المشروع البحثي تكمن في أن هذا المشروع يسهم في التخطيط الاستراتيجي لدراسات الأوقاف، بالإضافة إلى أن هذا المشروع يسهم في إيجاد تصور حول الموضوعات التي وصلت إلى حد الكفاية، والموضوعات التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات، والموضوعات التي لم يتطرق لها الباحثون، مشيرا إلى أن «الخطة الزمنية لخارطة أبحاث الأوقاف تقوم على أن يعمل الكرسي على إنجاز المشروع خلال العام المالي 2012 بإذن الله، ومن ثم يمكن إتاحة المشروع للباحثين والمهتمين بأبحاث ودراسات الأوقاف».

ومع كل ذلك، يعتقد العمراني أن هناك تحديات تقف حجر عثرة أمام تنفيذ هذا المشروع، أولها وجود مشقة لدى المؤسسات والأفراد في الوصول إلى الكتب والأبحاث التي كتبت حول موضوع معين من موضوعات الأوقاف، في ظل عدم وجود تصور حول الموضوعات التي وصلت إلى حد الكفاية، والموضوعات التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات، والموضوعات التي لم يتطرق لها الباحثون.

على الرغم من وجود بعض الدراسات السابقة التي كانت تعنى بالأبحاث في مجال الأوقاف، فإن العمراني يرى أن هذه الدراسات التي لها صلة بالمشروع لا تكفي لتحقيق أهدافه ومراحله، مشيرا إلى بعضها ومنها: كتاب «دليل الباحث إلى مصادر الأوقاف في مكتبات المملكة العربية السعودية»، الذي تم طبعه من قبل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في السعودية عام 1420هـ، وكذلك كتاب «الكشاف عن كتب الأوقاف» للباحث سامي التوني، الذي تم طبعه من قبل الصندوق الوقفي للثقافة والفكر بالأمانة العامة للأوقاف في الكويت عام 1996، بالإضافة إلى موقع «مكنز علوم الوقف» التابع للأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت.

يشار إلى أنه ورد في تعريف «المكنز» أنه «عبارة عن قائمة بمصطلحات علم ما أو مجموعة من العلوم تحلل هذه المصطلحات بشكل هرمي يعكس العلاقة بين العام والخاص والأكثر خصوصية، وذلك للاستعانة به عند التصنيف الموضوعي لأوعية المعلومات».

أما جون ساندويك، الخبير في إدارة الثروات الإسلامية وفي التمويل الإسلامي، فيعتقد أن قطاع الأوقاف أكثر القطاعات المهملة والتي تحتاج إلى إعادة تأهيل، وذلك لأن هذا المجال كما يعتقد، يحتاج إلى نوع من التطوير في مجال البنوك الإسلامية بشكل ينافس الوضع الذي عليه في دولة ماليزيا التي قطعت شوطا كبيرا في مجال الأوقاف.

وبحسب ساندويك، فإن الأوقاف الإسلامية على سعة مجالها وكبر حجم ثرواتها، تعاني من سوء إدارة بخلاف ما عليه الحال في أوروبا وأميركا، مبينا على سبيل المثال أن الأوقاف في جامعة هارفارد، قطعت شوطا كبيرا وملحوظا في ريادة التطوير والتوسع خلال ثلاثمائة عام إلى أن وصلت إلى نحو 3 مليارات دولار حاليا، موضحا أن الشبيه المماثل في السعودية للأوقاف في أميركا نظام الأوقاف في الجامعات، خاصة تلك التي تعود إلى بيل غيتس، حيث كان الرجل الذي يعتبر أغنى رجل في العالم قد وهب كل ثروته للأوقاف في أميركا، تماما كما فعل الشيخ صالح الراجحي في السعودية.

وزاد أن الأوقاف في أميركا وفي أوروبا وفي عموم الغرب هي الأوقاف نفسها في العالم الإسلامي من حيث الفكرة وطريقة الاستثمار، غير أن توزيع أرباحها في البلاد الإسلامية يختصر على للذين يحتاجون إليها؛ سواء الأطفال، أو المساجد، أو طباعة القرآن الكريم، أو في الجامعات، أو في الأبحاث، أو العلاج.. وما إلى ذلك من الأعمال الشبيهة، مشيرا إلى أن مفهوم الأوقاف في الغرب عموما أكثر شمولية مما هو متعارف عليه في البلاد الإسلامية.

وأشار ساندويك إلى أنه في السعودية، تقوم الأوقاف على العقار 100 في المائة بعكس الحال في الغرب، مبينا في الوقت نفسه أن الوقف في جامعة هارفارد ليس كله عقارا بنسبة 100 في المائة، مشيرا إلى أنه يقوم على أمرها كوادر بشرية، على درجة كبيرة من الاحترافية والمهنية، مقترحا ضرورة أن تدخل أموال الأوقاف في الدول الإسلامية، في استثمارات كبيرة تتوافق مع الشريعة الإسلامية.

وفي الوقت نفسه، أوضح ساندويك أن هناك استثمارات عائلية كبيرة تنتشر في عدد من البلدان الخليجية والعربية، حققت قدرا كبيرا من النجاح، حيث إنها تمكنت من بناء ثروات كبيرة، كما هي الحال في البرازيل وفي كاليفورنيا، وكذلك في بعض البلاد الإسلامية الأخرى؛ إذ إنها أودعت أموالا كثيرة لدبي ولعقارات دبي. غير أنه يعتقد أن الكثير من هذه الاستثمارات انهار لغياب احترافية الإدارة ذات الكفاءة وندرة الكوادر البشرية ذات الخبرة الكافية في هذا المجال.

وقدر ساندويك، أن 90% من مجموع أموال الوقف والاستثمارات العائلية في القطاع الخاص بالخليج، سعودية، مبينا أن هناك ما يفوق الخمسة تريليونات دولار تتحرك في مجال الأوقاف، منها أكثر من تريليوني دولار سعودية، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة إدارة هذه الأموال بشكل محترف يتفق والشريعة الإسلامية، وأن تكون لها قدرة على اختيار البيئات الاستثمارية الناجحة.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*