الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » حي المزة .. قلب ثورة دمشق

حي المزة .. قلب ثورة دمشق

مع أن المظاهرة الحاشدة التي خرجت في حي المزة يوم السبت لم تكن الأولى من حيث عدد الحشود في العاصمة، لكنها الأولى التي جاءت لتوجه صفعة قوية لعملية الحسم العسكري التي روج لها النظام بأنها ستكون الضربة القاضية للاحتجاجات في البلاد، لا سيما أنها جاءت في ظل دعم روسي وصيني، وبزخم من إيران وحزب الله في لبنان.

فبعد أكثر من أسبوعين على دك حي بابا عمرو في حمص، ومحاصرة مدن وبلدات ريف دمشق التي تعرضت لضربات موجعة، خرجت مظاهرة المزة بمشاركة قدرت بأكثر من 30 ألف شخص، لتكون مفاجأة كبيرة انطوت على عدة مؤشرات مفاجئة أيضا، وبحسب ما قاله سكان في المزة من المشاركين في المظاهرة إنهم أيضا تفاجأوا بأعداد المشاركين، خاصة أن يوم الجمعة شهد أيضا تشييع جنازات في المنطقة ذاتها وسار نحو ألفي شخص في موكب التشييع وقطعوا أوتوستراد المزة من الشرق إلى الغرب ذهابا وإيابا وتعرضوا لإطلاق نار سقط خلاله 3 قتلى، وعشرات الجرحى إلا أنهم لم يتوقعوا أن يكون تشييع يوم السبت أكبر من الذي انطلق يوم الجمعة، بل توقعوا أن يكون أقل بعد سقوط 3 قتلى وانتشار الأمن والشبيحة في حي الفاروق.

إلا أن ما جرى يوم السبت الماضي الذي شهد سقوط ثلوج كان أشبه بـ«الأسطورة» بحسب تعبير سيدة تابعت التشييع من شرفة منزلها وتقول «كانت الأعداد تقدر بثلاثة آلاف شخص وهم يخرجون من خلف مشفى الرازي ليعبروا الأوتوستراد إلى الجهة المقابلة، وكان عناصر الأمن والشبيحة يتابعون ذلك باسترخاء ولم يتدخلوا، بينما سكان الأبنية يحتشدون على الشرفات، وما أن قطع الموكب الأوتوستراد واتجه إلى طلعة الإسكان للتوجه إلى الشيخ سعد، حتى انضم إليهم المئات من الناس وصارت الأعداد تقدر بأكثر من 30 ألفا، غالبية الناس من الذين كانوا على الشرفات نزلوا إلى الشارع، وكان المنظر مهيبا»، وتتابع السيدة كلامها «بناتي الأربع نزلن أيضا لقد كان هناك مشاركة نسائية كبيرة جدا».

ويؤكد ناشطون شهادة تلك السيدة بالقول: إن «عدد النساء اللاتي شاركن تجاوز ثلث المتظاهرين، وهي المشاركة الأكبر لهن في عموم المظاهرات التي خرجت في البلاد».. لتكون المشاركة النسائية في المزة واحدة من المفاجآت الكثيرة التي كشفت عنها مظاهرة حي المزة، والتي تقول وقائعها بحسب مشاركين فيها إن الأمن لم يتدخل في البداية، لأن الهتافات اقتصرت على التكبير، تحية الشهيد، و«هي ويالله وما منركع إلا لله»، و«هي المزة هاها». ولكن بعد أن تم الدفن وكانت حشود هائلة قد تجمعت صعد المتظاهرون هتافاتهم لنصرة حمص وبإسقاط النظام وإعدام الرئيس، مع فرد أعلام الاستقلال وكانت 3 أعلام وبأحجام كبيرة، ما ألهب الحناجر فراحت ترفع الصوت إلى أقصاه. يقول رامي وهو أحد المشاركين: «إن المشهد كان مهيبا ورهيبا، وقد جن جنون الأمن وبدأ بإطلاق النار والقنابل المسيلة للدموع».

أجمعت الآراء على أن ما جرى في المزة يوم السبت فاجأ النظام، فعدا أن سوء الأحوال الجوية ونزول الثلج فإن هذه المنطقة الذي يسيطر عليه الموالون للنظام يجعل من احتمال خروج مظاهرة حاشدة أمرا «أقرب إلى الخيال»، ولكن ما جرى السبت دفع السلطات لإعادة حساباتها، ولنشر مكثف للأمن والشبيحة في المنطقة، وإجبار ذوي الضحية سامر الخطيب بن زهير الذي سقط السبت على تغيير موعد ومكان صلاة الجنازة، فخرجت في ساعة مبكرة من صباح أول من أمس الأحد، تحت حراسة أمنية مشددة ومنع مشاركة حتى الأقارب. لمنع تكرار ما حصل السبت والذي خلف توترا كبيرا في العاصمة دمشق، رافعا منسوب الاحتقان.

هذه التطورات دفعت الأجهزة الأمنية إلى تصعيد حملات الاعتقال في حي المزة لا سيما حارتي الفاروق والمصطفى اللتين تشهدان حراكا ثوريا منذ عدة أشهر، وهما في منطقة تسمى أيضا منطقة بساتين المزة وتتصل مع حي كفرسوسة وتمتد خلف مقر رئاسة مجلس الوزراء. لذا فإن تحولها إلى منطلق لمظاهرات حاشدة تمتد نحو الأوتوستراد أطول طريق في العاصمة يعد تحديا جديدا يترتب عليه عبء أمني ينهك النظام وذلك لعدة عوامل. فعدا أن أوتوستراد المزة أطول الشوارع في العاصمة دمشق، تتركز على جانبيه مبان حديثة فيها مكاتب لشركات خاصة موالية للنظام، كشركتي الهاتف «إم تي إن» و«سيريا تيل» التي يملكها رامي مخلوف ابن خال الرئيس الأسد وذراعه الاقتصادية الضاربة، وأيضا مكاتب جمعية البستان الخيرية التي أنشأها رامي مخلوف منذ 8 أشهر، فإن المزة تضم أيضا منازل كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية والدولة ومكاتب أبنائهم من رجال الأعمال، وسلاسل من المطاعم تابعة لهم، وعددا من السفارات أبرزها السفارة الإيرانية، والقنصليات أبرزها القنصلية البريطانية، بالإضافة إلى عدد من السفارات الأوروبية والعربية، ومنازل الدبلوماسيين العرب والأجانب، كما توجد هناك المدينة الجامعية وتجمع عدد من كليات جامعة دمشق (الطب والصيدلة والآداب) والتي شهدت أيضا خروج مظاهرات كثيرة منذ بداية الأحداث في سوريا.

وفيها أيضا الكثير من المباني الإدارية ومجمع للمحاكم (قصر العدل) وعدد من المقرات الرسمية كوزارة الإعلام وجريدة البعث وبنك الدم والكثير من المشافي الكبيرة (مشفى المواساة والأطفال والطب النووي والأسد الجامعي) التابعة لوزارة التعليم العالي، ومشفى الرازي المجاور للسفارة الإيرانية عند بداية الأوتوستراد. هذا بالإضافة لأبنية تابعة لبعض النقابات كبناء الفنون الذي يسكنه فنانون وممثلون سوريون، وبناء الصحافة ويسكنه صحافيون وكتاب سوريون، بالإضافة إلى مكاتب المنظمات الدولية وعدد من الفنادق الشيراتون والكارلتون والحياة وغيرها.

وتعتبر منطقة المزة أوتوستراد من أحدث أحياء دمشق، لاحتوائها على الكثير من المباني الحديثة والأبراج السكنية العالية والشوارع الفسيحة والجسور والأنفاق والكثير من المراكز التجارية والمولات الحديثة والمدن الرياضية كمدينة الجلاء ومدينة الشباب، بالإضافة لعدد من المعاهد ومركز ثقافي وجامعات ومعاهد خاصة أخرى.

وتعد المزة مدخل مدينة دمشق من الجهة الجنوبية الغربية باتجاه طريق بيروت. كما يمتاز حي المزة عموما بالتنوع الشديد، فعدا الأطياف المتنوعة للمجتمع السوري التي تعيش هناك ومن جميع المحافظات يوجد فيها تجمع للاجئين الفلسطينيين في منطقة حوش سبيس، كما تضم المزة مقرات ومنازل الشخصيات السياسية الفلسطينية إلى جانب مقرات ومنازل للشخصيات العراقية السياسية المعارضة التي جاءت إلى دمشق بعد سقوط نظام صدام حسين.

فالمزة الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية والممتدة من جبل المزة نحو الغرب تعد أكبر الأحياء الحديثة في العاصمة، وقد كانت في السابق قرية من قرى غوطة دمشق. وصفها ابن جبير بـ«قرية كبيرة، هي من أحسن القرى». وازدادت أهميتها أيام الانتداب الفرنسي عندما أنشأت فيها سلطة الانتداب مطار المزة العسكري الذي كان سابقا مطار دمشق الرئيسي قبل إنشاء مطار دمشق الدولي في الجهة الجنوبية الشرقية من دمشق. كما أقامت فيها سجن المزة أحد أكبر المعتقلات السياسية في سوريا المعاصرة، والذي تم إغلاقه عام 2000 لدى تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة خلفا لوالده الراحل حافظ الأسد، فيما اعتبر بداية لمرحلة انفتاح جديدة حينذاك، وازداد العمران في منطقة المزة بعد الاستقلال 1947 لتتصل بمدينة دمشق وتصبح إحدى ضواحي دمشق الحديثة.

وفي السبعينات احتلت المباني الحديثة جانبي أوتوستراد عريض يصل دمشق العاصمة بالربوة ودمر وطريق بيروت، وخلال عهد الأسد الأب تم بناء القصر الجمهوري (قصر الشعب) على جبل مطل على المزة. ولا تزال الأبنية الضخمة المشيدة على جانبي الأوتوستراد تخبئ خلفها أحياء شعبية، كحي الشيخ سعد الذي يقطنه أبناء الطبقة الوسطى وما دون، غالبيتهم موظفون من أبناء القرى الساحلية الذين وفدوا إلى دمشق للتعلم والعمل. وأيضا مناطق عشوائيات كحي مزة 86 الذي كان في الثمانينات معقلا لعائلات ضباط سرايا الدفاع والموالين لرفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد، ويشار إلى أن هذا الحي بعد نفي رفعت الأسد تعرض للتضييق ولأحداث أمنية، جعلته من أفقر المناطق الخارجة عن القانون والحياة، ليعود وينتعش مع تسلم الأسد الابن السلطة بعد تخفيف القبضة على الحي وموالاة معظمهم لبشار الأسد ليصبح منطقة عشوائيات بما تعنيه الكلمة من ملاذ لطبقة من الموظفين من أبناء الريف الذين لا يمكنهم الحصول على منزل في العاصمة بسبب ارتفاع أسعار العقارات بشكل جنوني وأخذت مزة 86 اسمها من الكتيبة 86 التي كانت في نفس المنطقة. وتتركز في هذه المناطق أبناء الطائفة العلوية الفقيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى الوافدين من حلب وإدلب، حيث كانت تنتشر هناك العشوائيات رغم أنف السلطة، والتي لم تجد طريقة للحد منها سوى وضع حاجز عسكري، على مدخل الحي لمنع تمرير مواد البناء. ولا تزال هناك بساتين الصبارة التي اشتهرت بها قرية المزة تاريخيا، في تلك المنطقة حيث حارة الفاروق وحارة المصطفى ثمة مشهد ريفي لبيوت طينية قديمة تتمسك بالحياة رغم غزو المباني الحديثة، ومشاريع الاستملاك، ففي تلك المنطقة المتصلة مع منطقة كفرسوسة الممتدة خلف مبنى رئاسة الوزراء، ومن هناك بدأ التحرك الثوري ضد النظام. وأقضت المظاهرات التي انطلقت من هناك مضجع السلطات في دمشق، لقربها من ساحة الأمويين أكبر ساحات دمشق والقريبة من القصر الجمهوري الروضة، التي يحلم المناهضون للنظام بالزحف إليها، والتظاهر هناك لإسقاط نظام الأسد.

————

المصدر: الشرق الأوسط

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*