الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » أي مستقبل للتيار السلفي الحركي في المغرب ؟

أي مستقبل للتيار السلفي الحركي في المغرب ؟

يمثل التيار السلفي الحركي فصيلا رئيسيا ضمن التيار الديني الناشط في المغرب والذي دأبت تسميته بتيار “الإسلام السياسي” . وقد لعبت الدولة دورا رئيسيا في استنبات هذا التيار ودعمه وفق ما اقتضه الإستراتيجية التي انتهجتها الدولة ، خاصة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين .
ومهما تعددت القراءات واختلفت المقاربات للعوامل المتحكمة في وجود هذا التيار وانتشار أتباعه داخل المغرب ، فإنها جميعها تقر بأن هذا التيار بات واقعا ملموسا لا يمكن شطبه أو إنكاره ؛ بل الظرفية السياسية التي تمر منها المغرب وعموم المنطقة العربية بفعل الحراك السياسي الذي فجره الربيع العربي ، تقتضي ــ هذه الظرفية ــ التعامل مع هذا التيار بمنطق سياسي/حقوقي يقر بحق التنظيم والاختلاف وفق ما يقتضيه الدستور .
ولا يجادل رموز التيار السلفي في المغرب ــ بعد خروجهم من السجن بمقتضى العفو الملكي ــ في ضرورة احترام مقتضيات الدستور والإطار السياسي للنظام المغربي . ومما ينبغي الإقرار به ، أن رموز التيار السلفي الحركي الذين اعتقلوا على خلفية الأحداث الإرهابية التي عرفها المغرب في 16 ماي 2003 ، باتوا ــ في معظمهم ــ يحملون قناعات سياسية أبعدت عنهم صفة “الجهادية” التي ظلت تميزهم عن الطيف السلفي التقليدي .
ذلك أن المراجعات التي قام بها ثلة من الشيوخ داخل السجن ، أهلتهم للإقرار بعدد من الأخطاء ، سواء في تنزيل الأحكام أو في فهم الواقع الاجتماعي والتفاعل معه . وفي هذا الإطار وجه حسن الخطاب رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب من داخل المعتقل ، مطلع سبتمبر 2011 ، يعلن فيها نبذه للعنف كموقف تبلور لديه بفعل المراجعات التي قام بها .
ومما جاء في الرسالة الإقرار التالي     “أطلعكم على التحول الذي حصل داخل التيار السلفي الجهادي بالمغرب، الذي يمر اليوم بمرحلة تقويم ومراجعة من شأنها إفراز نخب مواطنة من الدعاة والعلماء وطلبة العلم، قادرة على مواكبة الركب والحراك السياسي داخل بلدنا الحبيب تحت قيادتكم الحكيمة”.
مؤكدا “نحن مع المؤسسة الملكية وحكامها، ونحن مستعدون للمساهمة في بناء مغرب جديد يدبر برؤى تعددية وهوية إسلامية وسياسة خلاقة من شأنها الرقي بالثوابت الوطنية إلى مستوى المواطنة الخلاقة والفاعلة”. إن هذا الموقف الجديد الذي  اتخذه حسن الخطاب زعيم خلية أنصار المهدي ،من الملكية والثوابت الوطنية ، هو نفس الموقف الذي سبق واتخذه شيوخ نفس التيار قبل أن يشملهم العفو الملكي ، وعلى رأسهم الشيخ الفيزازي .
هذا الأخير ، لم يخف مراجعته لكثير من مواقفه وأفكاره ، بل اعتبر الإعلان عن المراجعة والتراجع “شجاعة” وفضيلة . وكانت مسألة الديمقراطية تمثل الإشكال المركزي لدى التيار الجهادي ، فجاءت المراجعات تقتحمه بجرأة بعد أن أوجدت له مسوغات ، منها ما ذكره الشيخ الفيزازي كالتالي ( والجديد في الأمر اليوم، هو النظر إلى الديمقراطية من حيث مدلولها عند عامة المسلمين حكاما ومحكومين.
فلا يجوز – والحالة هذه – الانعزال الاختياري عن حركة التغيير الجارفة المعتمدة للآلية الديمقراطية التي لا وسيلة غيرها تحقق الحد الأدنى من تحقيق الذات مع الأطراف المتعددة من الفاعلين السياسيين الذين هم من سيضع لنا سياسة النظام، ونظام السياسة التي سنخضع لها طوعا أو كرها، إذا نأينا بجانبنا عن مزاحمتهم ومسابقتهم نحو مصدر التخطيط والتقرير…) .
فالشيخ الفيزازي غير زاوية النظر إلى الديمقراطية بعد أن فصل فيها بين الخلفية الفلسفية وبين الوسيلة والأداة  ( أقول: لقد تحول اهتمامي من البحث الفلسفي والتاريخي والإيديولوجي للديمقراطية إلى اهتمامي بالنظر إلى المضامين المقبولة شرعا وعرفا عند عامة المسلمين دون الانحباس في العناوين أو الأصول المرفوضة والتي لا يعلمها كثير من الناس. الديمقراطية تساوي العدل، والكرامة والحرية ومنها حرية اختيار الحاكم ومحاسبته عند الاقتضاء…، أي أن النظر إلى أصولها الإيديولوجية والتاريخية المرفوضة غير مراد عند الناس البتة…
اللهم إلا عند بعض المنظرين العلمانيين واللادينيين والذين لا يمثلون أي نسبة تذكر من سكان وطننا.) . إنها مراجعة هامة تمس إحدى الركائز التي أسست عليها السلفية الجهادية فتاوى التكفير في حق المجتمع والدولة والنظام ، وحرضت ، صراحة أو ضمنا ، على المواجهة ضدهم .
فكان من نتائجها أن تراجع الشيخ الفيزازي عن فتوى تكفير الاشتراكيين المغاربة وأقر بأنهم مسلمون . فضلا عن اقتناعه بأهمية المشاركة السياسية عبر بوابة الانتخابات .
لهذا الغرض ، تجري اتصالات بين شيوخ السلفية المعفى عنهم من أجل تهيئ الظروف الموضوعية لتأسيس جمعية دعوية بنفس سياسي تجمع أتباع التيار السلفي وتنظمهم استعداد للانتقال إلى مرحلة تأسيس حزب سياسي . ففي حوار للشيخ الفيزازي نشرته أسبوعية “مغرب اليوم” بتاريخ 17 – 23 فبراير 2012 ، قال فيه ( في البداية أرى بأولوية تأسيس جمعية دعوية من أجل جمع الكوادر والنخب التي يمكن أن تحمل همّ الحركة الجديدة ، في أفق تأسيس حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية ، على غرار حزب النور المصري وحزب العدالة والتنمية المغربي ..
أنا فقط أريد أن أؤسس حزبا سياسيا ذا مرجعية إسلامية مغربية ، بأخلاق وطابع مغربي ، يسع جميع المغاربة بدون استثناء ، بدون تجزئة وبدون يافطة معينة . أنا لا أريد أن أؤسس حزبا سلفيا ، وإنما حزبا إسلاميا) .
ولا شك أن قراءة هؤلاء الشيوخ للواقع المغربي والعربي في ظل ما بات يعرف “بالربيع العربي” حفزتهم على التفكير الجدي والعملي في الانتقال إلى العمل السياسي المنظم الذي يمكّنهم من إحداث التغيير المتدرج  في بنية المجتمع ومؤسساته وتشريعاته دون اللجوء إلى الإكراه أو العنف.
ذلك أن فوز السلفيين بالمرتبة الثانية في الانتخابات التي عرفتها مصر ، وهو فوز غير متوقع ، قوّى آمال السلفيين المغاربة لخوض التجربة ، لكن في إطار حزبي متميز . لهذا لم تنخرط بعض رموزهم في الأحزاب الإسلامية القائمة  ، كما لم يترشحوا للانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011 ضمن لوائحها.
علما أن الشيخ الفيزازي سبق وأعلن استعداده للانضمام إلى أحد الأحزاب الإسلامية خاصة حزب العدالة والتنمية أو حزب النهضة والفضيلة ، والترشح باسم أحدهما ، لكنه تراجع عن فكرته حتى لا ينسف القناعة التي تشكلت لديه بتأسيس حزب مستقل ذي حساسية سلفية . وستكون لهذا الخطوة أبعاد مهمة ، سياسيا وتنظيما.
بخصوص الأبعاد التنظيمية ، سيساهم تأسيس جمعية سلفية في تجميع غالبية أتباع هذا التيار في إطار منظم يتيح لأقطاب السلفية ومنظريها تعميق اجتهاداتهم وإغنائها وتطوريها بما يجعلها تتفاعل مع المطالب الاجتماعية ؛ خصوصا وأن السلفيين يتطلعون إلى تأسيس حزب سياسي يتنافس على أصوات الناخبين.
الأمر الذي يفرض عليهم تقديم برنامج انتخابي واقعي وعملي يستجيب لانتظارات المواطنين  الذين لا تشغلهم الفتاوى الفقهية ولا الاختلافات الإيديولوجية ، بقدر ما يهمهم حل مشاكل التطبيب والتعليم والشغل والسكن والتهميش التي يعانون منها .  
أما الأبعاد السياسية  فتتمثل في إدماج التيار السلفي في الحياة السياسية وجعله يشتغل في إطار الوضوح والشرعية القانونية ؛ مما يخضع أفعال السلفيين وممارساتهم للمساءلة الأخلاقية والقانونية .
فالتنظيمات التي تنشط على هامش الحياة السياسية الرسمية تشكل دائما هاجسا أمنيا لما قد تفرزه من ميول متطرفة . فكل التنظيمات الإرهابية خرجت من مناطق الظل التي لا يمكن ضبطها أو التحكم فيها.
ومتى خرجت التنظيمات المتشددة إلى العلن تراجع تطرفها وزاد اعتدالها ، وفي نفس الوقت وفّر على الدولة جزءا هاما من تكاليف المراقبة والرصد . فضلا عن هذا ، سيسمح تأسيس حزب سياسي بحساسية سلفية بتوفير عناصر إضافية تساهم في إحداث توازنات سياسية سيكون النظام في الغالب هو المستفيد منها ، إذا أخذنا في الاعتبار التنوع الذي يعرفه الطيف الديني الذي يضم إسلاميين ، صوفية وسلفيين.
وباستثناء جماعة العدل والإحسان التي تناهض النظام وترفض العمل من داخل المؤسسات الدستورية ، فإن باقي فصائل الطيف الديني تساند النظام وتدعم مشروعه المجتمعي . وقد تعزز هذا الطيف بالتحاق التيار السلفي الحركي بعد تخليه عن خيار العنف وثقافة التطرف .
ومن شأن هذا الاصطفاف الجديد أن يعزز القاعدة الشعبية للنظام ويوفر عناصر إضافية للاستقرار والأمن ، فضلا عن إضعاف جبهة الرفض التي تسعى جماعة العدل والإحسان إلى توسيعها عبر استقطاب ضحايا البطالة والتهميش .
من هنا ، فالتيار السلفي الحركي ، إذا ما تمكن من تجميع أتباعه في إطار سياسي ، سيتحول إلى عامل داعم للاستقرار بغض النظر عن المشروع الاجتماعي الذي يحمل ، طالما التزم باحترام القواعد الديمقراطية والثوابت الوطنية .
إذن ،أمام التيار السلفي الحركي فرصة ثمينة لهيكلة نفسه وتجميع أتباعه استعدادا للانخراط في الحياة السياسية والمساهمة في تنمية الوطن وخدمة مصالح المواطنين .

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*