السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » سيناء المصرية هل تتحول إلى قاعدة للمتشددين ؟

سيناء المصرية هل تتحول إلى قاعدة للمتشددين ؟

قطع 50 شابا طريقا مؤديا الى قاعدة عسكرية دولية صغيرة في صحراء سيناء المصرية ولم يعلنوا شيئا عن هويتهم لكن مظهرهم أوحى بالكثير.

كان الشبان الملتحون يرتدون الزي العسكري ويحملون بنادق كلاشنيكوف مما يشير الى صورة المتشددين الاسلاميين الذين يعلو صوتهم كثيرا في هذه المنطقة في مصر.

ولا يلاحظ الخارج المنبهر بالثورات في مصر ودول عربية أخرى أن هذا التيار يبني وجودا له في سيناء التي قد تصبح ملاذا جديدا للتشدد المناوئ للغرب في هذه المنطقة الاستراتيجية الفاصلة بين افريقيا واسيا والمطلة على البحر المتوسط.

وعندما تكلم أحد هؤلاء المتشددين أخيرا مع صحفي شرح له مطالبهم وهي أن تطلق الحكومة المصرية سراح خمسة أشخاص سجنوا في قضايا تفجيرات بمنتجعات سياحية في سيناء قبل أكثر من ست سنوات.

وأضاف المتشدد الذي لم يذكر اسمه وردد شعارات اسلامية بينما كان يجوب مواقع أقامها المتشددون لمحاصرة القاعدة التي تضم عشرات الجنود التابعين لقوة المراقبة متعددة الجنسيات “نحن مستعدون للموت تحت الدبابات في سبيل هذا”. وتشكلت القوة في 1979 لمراقبة معاهدة السلام بين مصر واسرائيل والتي أبرمت بوساطة أميركية.

ورفض المتشددون في ليلة من الليالي الممطرة النادرة في مارس/اذار الحديث قبل الحصول على اذن من رجل أشاروا اليه بلقب “الشيخ”. وخرق صوت ذئب هدوء المشهد خارج القاعدة النائية التي تضم مراقبي سلام أجانب من فيجي والولايات المتحدة واسبانيا.

ولم تطلق رصاصة واحدة ورفع المتشددون حصارهم الذي استمر ثمانية أيام في اليوم التالي. ولم يكن السبب في قرار رفع الحصار عن القاعدة هو خوفهم من الاعتقال أو التعرض للهجوم من السلطات المصرية لكن تمت تلبية مطالبهم حيث وافقت الحكومة على اطلاق سراح الرجال المتهمين بالضلوع في هجمات في 2004 و2005 أسفرت عن مقتل نحو 125 شخصا في منتجعات سياحية مطلة على البحر الاحمر في شرم الشيخ ودهب وطابا.

ولم يكن هذا السيناريو للاحداث يخطر على بال أحد قبل عام واحد فقط.

لكن سلطة الحكومة المصرية انهارت في مناطق كثيرة في سيناء بعد الاطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك بعد 30 عاما قضاها في الحكم ليخلف فراغا نشطت فيه جماعات تشدد اسلامي مما يمثل خطرا أمنيا على مصر وعلى قناة السويس الشريان الحيوي الذي يربط اسيا بأوروبا وكذلك على دول مجاورة لمصر مثل اسرائيل.

وتنشط جماعات متشددة في الطيف الاسلامي في شبه جزيرة سيناء التي تتساوى في المساحة مع ايرلندا لكن يعيش فيها أقل من مليون شخص وذلك على الرغم من دخول التيار الاسلامي الذي ظل محظورا لفترة طويلة في المشهد السياسي المصري حيث يهيمن الان على البرلمان ويستعد لتشكيل حكومة.

ويفرض اسلاميون متشددون سلطتهم في بلدات ما زالت مراكز شرطة مهجورة فيها منذ الثورة ويروجون تفسيرا أكثر تشددا للاسلام لا يدع مجالا للتسامح الديني بل ويصدم بعض القوى الاكثر تحفظا في العالم الاسلامي.

ويلقى باللائمة على متشددين في تفجير ضريح للصوفيين العام الماضي. وهذه الهجمات مألوفة بشكل أكبر في دول مثل باكستان.

وعلى الرغم من أن بعض المتشددين يبدو أنهم يستلهمون فكر تنظيم القاعدة فان الخبراء لا يعتقدون حتى الان أن التنظيم له نشاط في شبه جزيرة سيناء. لكن مع مرور الوقت ومع سعي الدولة المصرية الحثيث لفرض سلطتها يبدو أن هناك خطرا متناميا من احتمال تنظيم الجماعات المتشددة في سيناء صفوفها بشكل اكثر وثوقا مع التنظيم العالمي الذي أصبح المصري أيمن الظواهري زعيمه.

ودفعت مصر ثمنا من اقتصادها لحالة الانفلات الامني في سيناء بعدما تم تفجير خط أنابيب ينقل الغاز الطبيعي شرقا الى الاردن واسرائيل 13 مرة خلال العام الماضي.

وهناك مخاوف من تفاقم الاضرار الاقتصادية لهذه الحالة. والمنتجعات المطلة على البحر الاحمر في محافظة جنوب سيناء واحدة من الارصدة الحيوية للسياحة في مصر والتي يعمل بها واحد من بين كل ثمانية مصريين. وقد تتضرر السياحة في هذه المنطقة كثيرا بسبب انعدام الامن بشكل أكبر.

وقال هنري ويلكنسون المسؤول عن التحليل والمخابرات في مجموعة ريسك ادفايزوري “أرى أن هناك احتمالا حقيقيا أن ينمو هذا التهديد ويصبح قضية أكبر بكثير مما هو الان”.

“أخشى أن القاعدة.. ترى فرصة كبيرة في سيناء”.

وحتى الان يقتصر نفوذ الاسلاميين المتشددين على بلدات فقيرة في الاغلب في شمال سيناء. ويشير البعض الى أن الجماعات التي تنشط حاليا تشبه الجماعات التي جعلت هناك الكثير من المتشددين مصريين والتي تسعى لتطبيق الشريعة الاسلامية.

وتطلق احدى هذه الجماعات على نفسها اسم التوحيد والجهاد وهو الاسم الذي كان يستخدمه جناح تنظيم القاعدة في العراق في أول الامر. ويلقى باللوم على الجماعة في هجمات عامي 2004 و2005 واتهمت العام الماضي بشن هجوم على مركز للشرطة في بلدة العريش قتل فيه خمسة من أفراد قوات الامن المصرية.

ومن الجماعات المتشددة الاخرى في سيناء جماعة التكفير والهجرة وهو اسم تردد للمرة الاولى في مصر في الستينات من القرن العشرين عندما وجدت جماعات في مصر أرضا خصبة لافكار اسلامية متشددة تخطت الحدود وأيدت القاعدة وغيرها ايديولوجيا.

ويقول سكان محليون ان نفوذ جماعة التكفير والهجرة نما في شمال سيناء العام الماضي. وقال شاب في الثلاثينيات انضم الى الجماعة قبل عام “أحيانا يكون العنف هو الطريقة لتحقيق أهدافك”.

وينحدر الشاب من قرية جبلية خارج العريش وهي البلدة الرئيسية في شمال سيناء. ويشتكي سكان شبه الجزيرة المصرية منذ وقت طويل من اهمال الدولة المصرية لهم.

ولم يذكر الشاب ذو اللحية القصيرة اسمه بينما كان يحكي قصصا لاشقاء من أعضاء الجماعة أجبروا والديهم على الانفصال بعدما قالوا ان أباهم كافر.

وأضاف “أنا مستعد للمشاركة في تفجير خطوط الانابيب.. ومهاجمة مراكز الشرطة”. لكن عند سؤاله بشأن أهدافه بدا الشاب غير متأكد فتحدث بمواربة وخلط تحرير القدس من السيطرة الاسرائيلية باقامة امارة اسلامية في شبه جزيرة سيناء.

وفي بلدة الشيخ زويد الواقعة على بعد كيلومترات قليلة عن الحدود مع قطاع غزة بدا أن الفكرة قد اقتربت من التحقق على أرض الواقع.

وبدا مركز للشرطة تم تجديده لكنه لا يزال فارغا في الميدان الرئيسي بالبلدة رمزا قويا على انهيار سلطة الدولة. وكتبت شعارات على الجدران تعلن أن سيناء امارة اسلامية مستقلة.

وقال سعيد عتيق وهو نشط سياسي في الشيخ زويد في اشارة الى اختفاء قوات الشرطة من الشوارع بعد يوم جمعة الغضب أثناء الثورة المصرية “غادرت الشرطة المدينة في الساعة الرابعة عصرا يوم 29 يناير 2011 متجهة الى القاهرة ولم تعد قط”.

ويقول سكان في الشيخ زويد ان اهمال الدولة وانهيار الهياكل التقليدية للسلطة القبلية سمحا بانتشار نفوذ المتشددين.

ويطبق رجال دين في سيناء تفسيرهم للشريعة الاسلامية في محاكم شرعية مستقلة عن سلطة الدولة. ورفعت لافتة تقول “ان الامر الا لله” على باب احدى هذه المحاكم.

وقال حمدين أبو فيصل وهو رجل دين سلفي يقوم بدور قاض في الشيخ زويد “الناس بحاجة الى شخص لحل نزاعاتهم ويجدون الحل في المحاكم الدينية”.

واصبح حزب النور السلفي ثاني أكبر حزب في البرلمان المصري بعد حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الاخوان المسلمين بعد الانتخابات الحرة التي أجريت في أواخر العام الماضي. وينبذ الحزب استخدام العنف لتحقيق هدفه وهو تطبيق الشريعة الاسلامية في مصر التي يعيش فيها قرابة 80 مليون شخص.

لكن البعض في الشيخ زويد لا يعجبه نهج حزب النور. وقال محسن أبو حسن وهو عضو في الحزب ان شابا من جماعة التكفير والهجرة وصفه بأنه كافر خلال حشد انتخابي في البلدة العام الماضي.

وقال أبو حسن الذي أصبح عضوا في البرلمان ان الامر تحول الى ظاهرة تجب مواجهتها ويجب عدم غض الطرف عنها.

وأظهرت كومة الركام عند ضريح الشيخ زويد المدى الذي سيذهب اليه المتشددون في سبيل فرض رؤيتهم للدين. وكان خمسة رجال قد فجروا الضريح الذي يقدسه الصوفيون يوم 15 مايو/أيار.

ورفع الصوفيون علما أبيض فوق ما تبقى من ضريح الشيخ زويد وهو من أوائل من دخلوا في الاسلام في مصر.

ويقول عبد الوهاب مبروك محافظ شمال سيناء ان الجماعات الدينية مسؤولة عن الاضطرابات لكنه ينفي أي وجود للقاعدة أو لعناصر وصفها بأنها “ارهابية”.

وتشعر اسرائيل بالقلق وتبني جدارا على طول حدودها الممتدة لمسافة 266 كيلومترا مع شبه جزيرة سيناء. ووصف ضابط اسرائيلي الحدود المصرية الاسرائيلية اليوم بأنها “حدود ساخنة”. وألقت اسرائيل باللائمة في أغسطس/اب على اسلاميين متشددين من سيناء في هجمات أسفرت عن مقتل ثمانية اسرائيليين. وأدى رد بهجوم اسرائيلي أسفر عن قتل خمسة من أفراد حرس الحدود المصريين الى توتر العلاقات بين مصر واسرائيل.

وانسحبت اسرائيل من سيناء بعدما احتلتها في حرب عام 1967 . واستعادت مصر شبه الجزيرة بموجب اتفاقية السلام.

وتخشى اسرائيل أن تستخدم حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي تسيطر على قطاع غزة سيناء كفناء خلفي لشن هجمات على جنوب اسرائيل.

لكن الفكر المتشدد الذي أصبح منتشرا في سيناء قد يمثل تهديدا أيضا على مصر نفسها وعلى حماس التي تحارب تشددا يستلهم فكر القاعدة في غزة.

وقتل اسلاميون متشددون الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981 ويعتقد خبراء أن أساليب عنيفة استخدمتها الشرطة المصرية لم تنجح الا في زيادة الوضع سوءا.

وكانت حملة شنتها قوات الامن المصرية بحثا عن منفذي تفجيرات سيناء في عامي 2004 و2005 قد خلفت غصة في الحلق حيث اعتقلت الشرطة الكثير من الاشخاص واحتجزت زوجات بعض المشتبه بهم لاجبارهم على تسليم أنفسهم.

وجنوب سيناء يختلف عن المنطقة الشمالية منها. ويعيش البدو في المنطقة الجنوبية الجبلية المطلة على البحر الاحمر حياة بدوية تختلف عن الحضر في الشمال الذي سكن فيه الكثير في بلدات على طول ساحل البحر المتوسط واختلطوا مع مصريين من الوادي وأجانب كذلك من غزة.

لكن البدو في جنوب سيناء منعزلون أيضا بسبب سنوات من اهمال الدولة وقمعها لهم. ويظهر البدو في الجنوب أيضا مؤشرات على التمرد لكنها لا تتخذ الطابع الاسلامي الذي يظهر في الشمال.

وكان بدو قد خطفوا أميركيين وثلاثة كوريين وبرازيليين في الشهرين الماضيين سعيا لاطلاق سراح أقارب محتجزين. ويعتقد البدو أن هذه هي الطريقة الوحيدة لجذب انتباه الحكومة في القاهرة. ولم يطلب البدو الحصول على فدى وتم الافراج عن المخطوفين دون أن يلحق بهم أذى بعد اجراء محادثات مع السلطات.

ويقول البدو ان الهياكل التقليدية القبلية في الجنوب وفرت حماية من تسلل الافكار المتشددة العنيفة لكن مشاكلهم مع الدولة لا تقل جدية.

ويقول البدو أنهم لم يشعروا بمكاسب المنتجعات السياحية في شرم الشيخ والتي توفر الوظائف للالاف من أبناء وادي النيل.

وقال الشيخ أحمد حسين العضو في قبيلة قرارشة وهي من كبرى القبائل في جنوب سيناء ان البدو لا يشعرون أنهم مواطنون مصريون. وقال تقرير للحكومة المصرية في عام 2010 ان ربع سكان سيناء البالغ عددهم نحو 600 ألف شخص لا يحملون بطاقة تحقيق شخصية. ولا يسمح للبدو بامتلاك الاراضي أو أداء الخدمة العسكرية.

واستشعرت حكومة رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري المشكلة واتخذت خطوات في الشهور القليلة الماضية في هذا الصدد منذ أن تولت السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني.

وفي محاولة لتهدئة التوتر أمر الجنزوري باعادة محاكمة المسجونين بعد تفجيرات سيناء. كما أمر الجنزوري باحياء مشروعات تنمية في المنطقة من بينها طريق للسكك الحديدية وقناة لتوصيل المياه الى وسط سيناء.

وقال عبد الله أبو جهامة وهو نائب في البرلمان المصري عن سيناء انه يجب على الدولة تسريع عملية التنمية والا ستقع المشكلة الاخطر وهي زيادة أعداد المتشددين في شبه الجزيرة.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*