الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » جنوب ليبيا نار تحت رماد

جنوب ليبيا نار تحت رماد

تحقق سلام هش في مدينة سبها التي تقع في جنوب غرب ليبيا بعد أكثر من شهر على وقوع اشتباكات بين القبائل، أدت إلى مقتل 70 شخصاً على الأقل، ولكن ما زال التوتر حاداً بين المجتمعات التي تعيش هنا، والتي يمتلك الكثير منها ميليشيات مسلحة خاصة، حسبما ذكر سكان محليون.

وقال عضوم أباكا، أحد أفراد قبيلة التبو في حي الطيوري الفقير في سبها، حيث تسكن أساساً عائلات من التبو والطوارق: “هل ترى هذا المكان؟” وأضاف مشيراً إلى مبنى قريب على تل مليء بفجوات كبيرة حيث كانت الجدران موجودة: “هذا هو المكان حيث اختبأ بعضنا عندما تعرض الطيوري لهجوم من قبل قبيلة أولاد سليمان. قاتلنا بالكلاشينكوف، ولم يُقتل سوى شخص واحد هناك”.

وكانت الاشتباكات الأخيرة قد اندلعت في شهر مارس/اذار بين قبيلة التبو العرقية وقبيلتي أولاد سليمان وأولاد أبو سيف العربيتين.

ويُقال أن الاشتباكات بدأت بعد مقتل رجل من عائلة أبو سيف على أيدي التبو، ولكن هناك روايات أخرى تشير إلى أن الصراع اندلع بعد نزاع على عدة ملايين من الدولارات كان المجلس الوطني الانتقالي يخطط لإنفاقها في سبها.

واستمرت أعمال العنف لمدة ستة أيام إلى أن أرسل المجلس قوات من الشمال لإخمادها. وكانت قبيلة التبو قد اشتبكت أيضاً مع قبائل أخرى في واحة الكفرة في فبراير/تشرين الثاني.

هذا وحققت قوات المجلس الوطني الانتقالي بعض مظاهر السلام في سبها، ولكن ما زال لمعظم المجموعات القبلية ميليشيات خاصة.

وقال ونيس أبو خمادة، قائد القوات الخاصة والحاكم العسكري لجنوب ليبيا، أن الجيش قد فرض حظراً في الآونة الأخيرة على حمل السلاح ليلاً. ومع ذلك، لم يتم بعد تحديد أية إجراءات لاستعادة الأسلحة.

وحين سُئل عمّا إذا كان الجيش يفتقر إلى القدرة على السيطرة على تلك المنطقة، قال: “ما زلنا نحاول. فالجيش ليس ضعيفاً، ولكن عمله مقيد بالقانون، بينما الميليشيات تستطيع أن تهاجم أي مكان من تلقاء نفسها”.

وبالرغم من الوجود العسكري، يعاني سكان سبها من حالة قلق. فقد أكد آدم أحمد من حي الطيوري أن وقف إطلاق النار بين الطائفتين هو “التزام”، ولكن العديد من الناس يخشون ما قد يحدث إذا انسحب الجيش.

ومن جانبه، قال أيوب الزروق، عضو المجلس المحلي: “لقد توقف القتال، ولكننا لا نعرف إلى متى”.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ثمة مجموعة متنوعة من الأسلحة، بما في ذلك قذائف الهاون والصواريخ والمدفعية والذخائر غير المنفجرة، متناثرة على الأرض خارج مجلس مخيم الطيوري. وفي حي الحجارة القريب، تقف أشلاء المنازل المهجورة والسيارات شاهدة على الدمار الذي لحق بالحي. وعندما عاد علي محمد بوبكر جولوار، وهو مدرّس كان قد فر من سبها إلى بلدة القطرون، وجد عائلته قد رحلت ومنزله مدمّر. “وجدت جيراني في العراء، بلا مأوى وقد سُرقت ممتلكاتهم. وقالوا أن أولاد سليمان فعلوا ذلك مع بعض عائلات سبها”.

الهويات والولاءات

تعيش قبيلة التبو الإفريقية ذات البشرة السوداء في جنوب ليبيا، بمحاذاة سلسلة جبال تيبستي، وفي تشاد والنيجر.

السلاح يؤجج الخلافات

وفي حين تم تشجيع بعض التبو من تشاد على الهجرة إلى الشمال للعمل في صناعة النفط في عهد الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، تعرّض العديد من السكان الأصليين للتهميش والاستبعاد في ليبيا من قبل النظام نفسه، وحملوا السلاح وقاتلوا إلى جانب الثوار خلال انتفاضة عام 2011.

وتم سحب بطاقات الهوية وجوازات السفر من أولئك الذين كانوا يعيشون في الكفرة في جنوب شرق البلاد، وذلك في إطار سياسة اتبعتها ليبيا في عام 2007 بهدف ردع المزيد منهم من دخول ليبيا.

كما صدرت تعليمات إلى السلطات المحلية في تلك المنطقة بمعاملتهم كأجانب. أخبرت قبيلة أولاد سليمان سكان سبها أن التبو يريدون السيطرة على المدينة. لذا هاجم أهل سبها، الذين كانوا دائماً متحيزين ضد التبو، مناطق إقامتهم

وفي السياق نفسه أفاد آدم أحمد، وهو أحد زعماء التبو ورئيس مجلس مخيم الطيوري، أن “طبيعة البدو الرحل الخاصة بقبائل الصحراء الكبرى، وحقيقة أن لديهم امتدادات في الدول المجاورة، كانت من الأسباب التي دفعت بالنظام السابق إلى حرمانهم من حقوقهم”.

وظهر جلياً خلال الاشتباكات التي وقعت مؤخراً، أن التصورات المحلية عن التبو كغرباء قد غذّت العنف، وتم حث سكان سبها الذين لم تكن لهم علاقة بالخلافات الأصلية على حمل السلاح ضد تلك القبيلة.

من جهته، ذكر عمر، وهو أحد سكان سبها وفضل عدم الافصاح عن إسمه بالكامل، أن قبيلة أولاد سليمان أخبرت سكان سبها أن التبو يريدون السيطرة على المدينة. لذا هاجم أهل سبها، الذين كانوا دائماً متحيزين ضد التبو، مناطق إقامتهم.

هذا ويُذكر أن الجدل حول من هو حقاً ليبي ومن هو غريب قد تسبب في تضارب الروايات المتعددة حول اشتباكات سبها، والسياسة الأعمق المتعلقة بالهوية في هذه المنطقة.

ولطالما كانت هذه المدينة، التي يقطنها نحو 210 الف نسمة، مركزاً ونقطة عبور للمهاجرين الذين يعبرون الحدود الجنوبية، غالباً بشكل غير قانوني، من النيجر وتشاد وبلدان أخرى.

ونظراً لتزايد أعداد التبو الذين وصلوا إلى سبها لدعم قومهم خلال الاشتباكات، تصاعدت وتيرة الصراع، وأدى الخوف من الأجانب والكره لهم إلى بعض حالات الاعتقال التعسفي للمهاجرين الأفارقة من الدول المجاورة مثل تشاد.

وأفاد محمد الشحات، وهو عضو في المجلس المحلي لمدينة سبها، من قبيلة أولاد سليمان: “ليس كل التبو ليبيين. الليبيون مرحب بهم هنا، ولكن الغرباء غير مرغوب بهم”.

وأضاف أنه ثمة شائعات حول وجود أمة للتبو في جنوب ليبيا. فنحن نخشى من تكرار وضع مماثل لما يحدث في مالي، حيث يحاول الطوارق إقامة دولة خاصة بهم. والتبو ليست مجرد قبيلة، بل هي أمة.

وقد عبّرت قبيلة أولاد سليمان صراحةً عن مخاوفها من استيلاء التبو على المنطقة، علماً أن قبيلتي القذاذفة وأولاد سليمان هما من أبرز القبائل في سبها.

وقد تحالف العديد من قبيلة أولاد سليمان مع نظام القذافي، في حين قاتل آخرون في صفوف الثوار خلال الانتفاضة.

وفي غضون الأشهر الأربعة التي تلت تحرير سبها، زعم سكان سبها أن ميليشيات أولاد سليمان سيطرت على المدينة، وارتكبت جرائم عديدة.

وأفاد أيوب الزروق أنه قد تكون لقبيلة أولاد سليمان طموحات بالسيطرة على المنطقة المحيطة بمدينة سبها، مضيفاً أن “العديد من الميليشيات هم من أولاد سليمان. وهناك حديث في الشارع عن رغبتهم في السيطرة على المدينة، وربما حتى على جنوب ليبيا”.

من جهة أخرى، قال بيل لورانس، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أنه من الصعب تحديد من يملك السلطة هنا، وأضاف أن “هناك مجموعة أو أخرى تتحكم ببعض المناطق داخل وحول سبها، وقبيلة أولاد سليمان تتولى زمام الأمور بالتأكيد، ولكنني لا أعتقد أن مجموعة واحدة تحتكر السلطة بالفعل، خاصة بعد الثورة التي جعلت الأمور أكثر غموضاً”.

الأمن في جنوب المدينة

عاشت قبيلتا التبو وأولاد سليمان جنباً إلى جنب لعقود من الزمن، ويسكن كلاهما في مناطق تتجاوز حدود ليبيا أيضاً.

ويقال أن الصراع نشب في هذه المناطق الحدودية التي تُستغل لتهريب المهاجرين والبضائع شمالاً، قبل أن يمتد إلى سبها. وأشار عمر إلى أنهم “يقولون أن المعركة بدأت هنا في سبها، ولكن في الواقع، تسيطر هاتان القبيلتان على طرق الاتجار والتهريب في المنطقة، وكل منهما يدفع للآخر. فقد بدأت المعركة فعلياً على الحدود”.

ولكن أحمد نعس محمد، وهو عضو في المجلس المحلي من قبيلة أبو سيف، نفى هذه المزاعم. “أولاد سليمان لا يسيطرون على المناطق الحدودية، بل يقومون ببعض الأعمال التجارية هناك. أمّا التبو، فهم الذين يسيطرون على الحدود”.

وذكر آدم أحمد من المجلس المحلي لحي الطيوري أن التبو يتحكمون بجزء كبير من المنطقة الحدودية الجنوبية، ولكن أولاد سليمان قد يكون لهم أيضاً طرق تهريب خاصة بهم. وقال الزروق أن الحدود تمثل أكبر تحد للأمن في المنطقة الجنوبية، وأن الاستقرار في سبها سيعتمد بشكل كبير على تأمين هذه المناطق.

وأشار لورانس إلى أن “الاستقرار يعتمد جزئياً على الحوار بين المجتمعات المحلية وقدرة الزعماء على تجنب أسوأ الاحتمالات، ففي نهاية المطاف، سيرتكز الاستقرار العام في ليبيا وفي هذه المناطق على قضايا الشرعية والحكم وتقديم الخدمات”.

أما الحكومة الليبية، فقد أعلنت أنها ستحقق في الاشتباكات التي وقعت في سبها، ولكن الحاكم العسكري، أبو خمادة قال أن هذا سيستغرق بعض الوقت وأنه من الصعب جمع الحقائق. وفي الوقت نفسه، ما زال سكان حي الحجارة ينتظرون العدالة. ويعتقد يوسف سعيد، وهو شاب من التبو قُتلت والدته في المستشفى المحلي خلال فترة الصراع، أن التبو يجب أن يكونوا مستعدين للدفاع عن أنفسهم مرة أخرى، مضيفاً أنهم لا يعتبرون أن الحرب قد انتهت.(ايرين)

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*