الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » الفكر بين الانقياد للشرع والانحراف للهوى

الفكر بين الانقياد للشرع والانحراف للهوى

ميز الله الأنسان بالعقل وجعل له الأرض مسكنا وسخر له ما فيها من حيوان ونبات وجماد مقابل ان يسأله الله تعالى عن ما سيقوم به من أقوال وأفعال ويجازيه عن ذلك يوم الحساب يوم لا ينفع مالا ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم. فالله خلق الانسان وجعل له عقل لكي يستخدم عقله في عمارة الأرض وتسخير هذه العمارة لعبادة الله تعالى منقادا لشريعته السمحة. 

ولكن الأنسان لضعفه أمام وسوسة الشيطان وغلبة شهوة نفسه خالف فطرة الله تعالى التي فطر العقل عليها فبدأ يستخدمه لما يخالف به الشرع الحنيف.

فبسبب اطلاق الأفكار التي تتناول النصوص الشرعية الثابتة سواء المنزلة من الله تعالى مباشرة مثل صحف أنبياء الله ابراهيم وموسى عليهم السلام أو التوراة أو الانجيل أو ما جاء به الأنبياء والرسل -الذين سبقوا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- من تعاليم دينية أوحاها الله لهم شط الفكر الانساني عن طريق الصحيح فحرف هذه الكتب بسبب تناوله لها وفق فكره القاصر المتبع للهوى.

فنشأت فكرة عقيدة الكاثوليك وفكرة عقيدة البروتستانت وفكرة العلمانية الملحدة وغيرها من أفكار أطلقوها أفراد لغايات في أنفسهم وروجوا لها وحشدوا الانصار للدفاع عنها حتى استمرت الى يومنا هذا على الرغم من موت مطلقي هذه الأفكار منذ مئات السنين. 

ولكون الله تعالى ميزنا كعرب عن غيرنا من البشر بأن جعل آخر أنبيائه وخاتمهم من العرب وأنزل عليه آخر كتبه الذي حفظه من التحريف والتبديل الا ان هناك نفراً منذ موت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا ساروا على درب من قبلهم من الأمم السابقة ممن شط عن جادة الصواب فتناولوا النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة المطهرة بعقولهم القاصرة وعرضوا هذه النصوص الثابتة على أفكارهم الموافقة لأهوائهم فما كان يوافقها أخذوه وما كان يخالفها حرفوه وفسروه ليوافق هذه الأفكار.

فظهرت فرق ومناحل كثيرة مثل المعتزلة الذين عطلوا أحد اركان التوحيد الثلاثة وهو توحيد الأسماء والصفات كونهم عرضوا هذه الأسماء والصفات على عقولهم الناقصة التي قارنت بين صفات الله جل في علاه وصفات خلقه فأبت عقولهم ان توافق على ذلك فعطلوا صفات الله وبدأوا يطلقون فكرة تأويل هذه الصفات لتوافق رؤيتهم الناقصة، فقوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} وقول رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا» أولوه بقولهم ان ذلك يدل على عطاء الله وليس يعني ان لله يد.

وهذا الفكر الخبيث على الرغم من موت من أطلقه الا أنه مازال موجوداً الى يومنا هذا وهناك أعداد غفيرة تتبعه وتتبناه.

فالعقيدة الصحيحة للمسلم تنساق وراء النصوص الشرعية الصحيحة دون عرض هذه النصوص على العقل وبحثها بالفكر ولهذا فهي تؤمن بأن لله تعالى يدين وكلتا يديه يمين كما قال ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولكنها ترفض تجسيم وتشبيه هاتين اليدين بأيدي أي مخلوق كون ان صفة يديه سبحانه وتعالى مجهولة لهم فهي صفة تليق بجلاله وكماله جلا وعلا.

كما نؤمن بأن لله سمع وبصر وأنه مستوى فوق عرشه ولكننا نجهل هذه الكيفية وقد قال الامام مالك رحمه الله عندما سأله شخص عن كيفية استواء الله على عرشه مستخدما عقله وعارضا هذا الاستواء على أفكاره الناقصة «الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة» ولهذا فالمسلم المتبع يقول ان صفات الله معلومة وكيفيتها مجهولة ومن يعرضها على عقله ويحاول تسخيرها لأفكاره مبتدع ضال.

ولكننا في عصرنا الحالي ما زال هناك من ينادي باطلاق الفكر وعرض النصوص الشرعية الثابتة على العقل وابداء الرأي حولها من باب حرية الفكر!.

بل ونجده يعلنها صريحة أنه يريد لأفكاره ان تطبق على أرض الواقع وأن تعيش من بعده ولهذا فهو يطالب بالاعتراض على أي نص شرعي يعارض عقله ويضع فكرة جديدة لتحل محل هذا النص وفي نفس الوقت تتوافق مع عقله ورغبة الجمهور من أجل كسب أكبر عدد ممكن من الاتباع.

ان اطلاق الفكر للاختراعات العلمية المادية كالتطور الصناعي والتكنولوجي والطبي وغيرها من علوم دنيوية هي المطلوبة كونها من باب عمارة الأرض ولكن للأسف هناك من يطلق فكره لنشر أفكار تخالف النصوص الشرعية مطالبا بحرية الفكر قبل تطبيق الشريعة وكأن شريعتنا السمحة ناقصة وفي حاجة لأفكاره لاكمالها!

 

hmrri@alwatan.com.kw

@AL_sahafi1

————-

نقلاً عن الوطن الكويتية

-- حمد سالم المري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*