السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » جدل سياسي بثوب فقهي حول طقوس المخزن المغربي

جدل سياسي بثوب فقهي حول طقوس المخزن المغربي

تثير طقوس المخزن المغربي خاصة تلك المرتبطة بتقديم الولاء وتجديد البيعة للمك في الحفل السنوي الذي يقام بمناسبة عيد العرش ، تثير نقاشا بين فاعلين سياسيين وحقوقيين يطالبون بإلغاء طقوس الانحناء أمام الملك لما تحيل عليه من “ركوع” للملك “وإهانة” لكرامة المواطن . وقد استغل بعض فقهاء الإسلام السياسي هذا الجدل ليدفعوا به إلى حدوده القصوى في محاولة لإحراج  القصر باستمراره التمسك بطقوس “منافية” للتعاليم الإسلامية . إذ كتب الدكتور الريسوني ( أن الركوع والسجود لا يجوزان في الإسلام لغير الله تعالى. بل الأدلة الصحيحة دالة أيضا على تحريم القيام لغير الله.. 

ومما يزيد الأمر قبحا وشناعة – في الدين والفطرة والذوق السليم – ذلك المشهدُ المشين المهين الذي يتكرر علينا كل سنة فيما يسمى حفل الولاء، حين يجبر جموع من الناس على الركوع الجماعي للملك وفرسه، بل تركع كل مجموعة عدة ركعات متتاليات، وكأنهم في صلاة وعبادة، نسأل الله العفو والعافية.). 

ونفس الموقف اتخذه بن سالم باهشام، عضو رابطة علماء المغرب ، في حديثه لهسبريس، حيث شدد على “أن الخضوع للحاكم والسجود له وتقبيل يديه من خلال الركوع له من أجل سلطته وحكمه هو حرام قطعا، وإهانة للدين، وذلة للنفس”، وأضاف “إن تحريم الركوع للبشر كيفما كانوا هو واقع شرعي، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى على أن يقوم الناس للشخص، فما بالك بالركوع أو السجود للشخص” . 

والنقاش في حد ذاته حول الطقوس المخزنية أثير بخلفية سياسية مغلفة بالدين والفقه . وهذا ما سيفقد النقاش جديته لأنه ينطلق من اتهام الملك “بالتأله” ، وهي نفس التهمة التي سبق ووجهها الشيخ ياسين للملك الحسن الثاني ومن بعده الملك محمد السادس . إذ لا يمكن لأسلوب الاتهام أو توظيف الدين لتصفية الحساب مع الملك أن تكون له جدوى في تنقية الطقوس من الشوائب . 

والتركيز على الجوانب الدينية في انتقاد الطقوس المخزنية قد لا يفي بالقصد . وآية هذا أن المنتقدين يجيزون إتيان مثلها في حضرة العلماء ورجال الدين ، أي الأشخاص الذين يحظون بمكانة دينية مقتدرة .وهذا ما نقرأه في مقالة من توقيه بن سالم باهاشم كالتالي ( أن تقبيل اليدين والرجلين للعلماء والوالدين جائز شرعا ولا شيء فيه، فهو إجلال واحترام لهم واعتراف بفضلهم ومكانتهم).  

ومقتضى هذا الاستثناء يسري على الملك أيضا من حيث هو أمير للمؤمنين يحظى بالتبجيل والاحترام ، بالإضافة إلى انتسابه لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم . ولا يمكن إغفال تأثير الموروث الثقافي والديني على نفسية الأفراد وتصرفاتهم التي هي ترجمة دقيقة لمشاعر الاحترام والتبجيل التي يكنها المغاربة للشرفاء . 

والأمر ليس مرتبطا فقط بمرحلة تاريخية سابقة ، لازال معمولا به وممارسا خارج دوائر المخزن . مما يعني أن إتيان ممارسات طقوسية في حضرة “الشرفاء” ليس مرتبطا بخوف ولا طمع ولا هو “حاط بكرامة ” الفرد بقدر ما هو تبجيل وتعظيم لشخصهم ومقامهم . 

وأمامنا ممارسات من نفس طقوس المخزن وأشد تحدث في حضرة من انتقد بشدة طقوس المخزن ،ألا وهو الشيخ ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان . وأي مقارنة بين الطقوس المخزنية والطقوس الياسينية ستجعل الأولى أهون في المساس بكرامة الأفراد من الثانية . من هنا يمكن القول بأن الطقوس موروث ثقافي وديني ضارب في جذور تاريخ كل شعب يستحيل شطبه بقرار سياسي دون استحضار ميكانزمات  تشكل واشتغال الوعي الجمعي لكل شعب أو أمة . ولا بأس من التذكير بانتحار أعداد كبيرة من اليابانيين حين أعلن إمبراطورهم الاستسلام سنة 1945 لقدسية الإمبراطور . 

ومن يرى اليابانيين وهم يؤدون طقوس التبجيل والتقديس للإمبراطور يخالهم  يعبدونه دون أن يساورهم شك أن الطقوس إياها تحط من كرامتهم . وإذا لم تكن تلك الطقوس مرفوضة دينيا فستكون مرفوضة سياسيا وحقوقيا ؛ لكن اليابانيين ــ مواطنين ومسئولين ، موالاة ومعارضة ــ لم يعتبروها كذلك . .وليس معنى هذا أني أدافع عن الاستمرار في التمسك بهكذا طقوس مخزنية أفرزتها مرحلة تاريخية وشكلت جزءا من وجدان الشعب المغربي ، بل المطلوب التعامل مع الطقوس المخزنية من زاوية سياسية/دستورية تقتضي استحضار بنية المخزن والإكراهات التي تثقل كاهل الملك ليظل محافظا على الطقوس وملتزما بها حتى وإن رغب عنها . 

وهذا ما كشف عنه الشيخ الزمزمي لما صرح    “بأنه سمع من كواليس محيطة بالملك نفسه كونه غير راض عن هذه الطقوس”، مشيرا إلى أنه مع ذلك فالأمر ليس بيد الملك، بحكم أن تلك المراسيم البروتوكولية ضاربة في القدم، ما يجعله يُسايرها إلى حين إلغائها مع مرور الوقت”. 

ولعل الدستور الجديد يشكل أولى الخطوات التدريجية للتخلي عن الطقوس التي لا تنسجم مع قيم المواطنة وحقوق الإنسان حين ألغى صفة التقديس عن شخص الملك وحافظ له على واجب الاحترام والتوقير كما ينص الفصل 46 (  شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام ) . وهذه خطوة أساسية لأنها نقلت المغرب من مرحلة التقديس لشخص الملك إلى مرحلة التوقير والاحترام . 

وإذا كانت مرحلة التقديس تقتضي إتيان طقوس وممارسات تجسد منطوق الدستور وتفرض التعبير عن تقديس الملك سلوكا وقولا انسجاما مع التقاليد والأعراف التي سادت قرونا ، فإن مرحلة الاحترام والتوقير تقتضي تعديل الطقوس بما ينسجم مع مقتضى الدستور . وقد لاحظ المغاربة كيف أن عددا ممن عينهم الملك في مسئوليات سامية لم يلتزموا بطقوس الانحناء حين استقبلهم  دون أن يصيبهم “غضب” الملك أو انزعاجه . والمثير للاستغراب في أمر المطالبين بالتخلي عن الطقوس المخزنية ، سكوت الفقهاء والشيوخ ، الذين كرهوها وحرّموها ، عن نزوعات تقديس الأشخاص داخل التيارات الدينية كما هو حال   حسين العبيدي ،شيخ جامع الزيتونة في تونس، الذي أضاف عبارة “رضي الله تعالى عنه” للشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة . 

وهذا الأخير  دافع على طريقة تقديمه، مؤكداً لإذاعة “شمس إف إم” أن الرافضين يجهلون حتماً اللغة العربية لأن عبارة رضي الله عنه هي جملة إنشائية ليس إلا. كما أدلى أمير السلفية الجهادية في تونس الشيخ أبو عياض بدلوه في الموضوع وأكد أنه “يجوز القول رضي الله تعالى عنه لغير الصحابة”، وبالتالي فإنه يجوز القول “رضي الله تعالى عنه للشيخ راشد الغنوشي”. فما رأي الدكتور الريسوني في هذه النازلة التي رفعت مقام الشيخ الغنوشي بمقام الخلفاء الراشدين ؟

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*