الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » سوريا : انقسامات بين العلويين

سوريا : انقسامات بين العلويين

بعد أن وجه خباز من بانياس في سوريا، يدعى جابر عبود، نقدا معلنا ضد الرئيس بشار الأسد بسبب عجزه عن تعزيز تغيير حقيقي في البلاد، تجاهلت الأحياء المجاورة ذلك.

غير أن عبود ومعظم أفراد مجتمعه ينتمون إلى الطائفة العلوية، الطائفة الدينية نفسها التي ينتمي إليها الرئيس. عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية، اعتقد كثيرون أنه إذا ما انهارت أسرة الأسد، فسوف يلقون مصيرا مشؤوما. فانقلبوا على عبود، مقاطعين متجر الحلويات الذي يملكه ومجبرين إياه في النهاية على ترك المدينة.

«الحي منقسم؛ نصف سكانه مكتئبون وخانعون، والباقي متوحشون»، هذا ما قاله في حوار هاتفي من مدينة اللاذقية القريبة، وأضاف: «من المحبط الذهاب إلى هناك.. إنها أشبه بمدينة مليئة بالأشباح.. مقسمة، وتنتشر فيها قوات الأمن في كل مكان».

مع تصاعد النزاع السوري إلى مستويات جديدة من العنف الطائفي، يركن الأسد بدرجة أكبر من أي وقت مضى إلى طائفته سعيا للحصول على دعمها. ما زال العلويون من قوات الأمن النخبة في صفه، مثلما هي الحال بالنسبة للعديد من السوريين من الأقليات.

غير أن مقابلات أجريت مع عشرات العلويين أشارت إلى انقسام معقد في صفوفهم؛ فبعض العلويين في حالة من الضيق من أن قوات الأمن لم تنجح حتى الآن في قمع المعارضة، فيما يقول آخرون إن الأسد يخاطر بمستقبل العلويين بالدفع بهم إلى شفا حرب أهلية مع السنة.

يظهر حزب البعث الحاكم الذي يرأسه الأسد بمظهر دعم اشتراكية عربية مدنية شاملة، غير أن السنة، الذين يشكلون نسبة تقدر بنحو 74 في المائة من السكان، أبدوا معارضتهم الشديدة منذ وقت طويل لما ينظرون إليه بوصفه حكما طائفيا من قبل العلويين، الذين ينتمون اسميا لطائفة الشيعة ويمثلون نسبة 13 في المائة فقط من السكان.

ويقول أشخاص على شاكلة عبود إنهم يشعرون بالعجز في دولة يحتدم فيها النزاع بين قوتين متناحرتين. فبعد أن نبذتهم طائفتهم العلوية، يجدون أن الإسلاميين الذين يسيطرون على أجزاء من المعارضة المسلحة يتعاملون معهم بحالة من الشك القاتل. وقد قتل عدد ضئيل من الأفراد من صفوف المعارضة.

على الجانب الآخر، هناك علويون ينتقدون الأسد واصفين إياه بأنه متساهل بصورة مبالغ فيها، وقائلين إن والده الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، لو كان في موضعه، لانتهى الآن من قمع المعارضة قاطبة.

مع مقتل المئات من الشباب العلويين دفاعا عن النظام، تتعالى الأصوات في الجنازات وفي أماكن أخرى طارحة تساؤلات على شاكلة: «لماذا لا يتخذ النظام الإجراءات الكافية لحمايتنا؟»، بحسب علويين أجريت مقابلات معهم.

غير أن هناك هتافات معارضة للأسد في أحياء خاصة بالعلويين، مثل الزهراء في حمص، منها: «بشار أصبح سنيا!» (تنحدر زوجة الأسد، أسماء الأخرس، من أسرة معروفة من السنة من حمص.) وصلت التوترات بين العلويين والسنة إلى ذروتها من جديد بعد سلسلة من عمليات القتل الجماعي، وتحديدا مذبحة الحولة التي وقعت في 25 مايو (أيار) والتي راح ضحيتها 108 كلهم سنة؛ بينهم 49 طفلا. وقال الناجون من مذبحة الحولة وآخرون يعيشون على مقربة من موقع المذبحة يوم الأربعاء الماضي في قرية مزرعة القبير، إن منفذي الهجوم أتوا من القرى العلوية. وذكرت الأمم المتحدة أن الشكوك في الحولة انصبت على الرجال المسلحين المؤيدين للنظام المعروفين باسم «الشبيحة». يذكر أن العلويين يهيمنون على صفوف الشبيحة.

يقول أبو علي، 50 عاما، ويعمل وكيلا عقاريا: «للمرة الأولى، بدأنا نسمع بشكل مباشر من جيراننا السنة أننا يجب أن نغادر دمشق ونعود أدراجنا إلى قرانا».

وقال إنه بمجرد أن انتهى العام الدراسي، توقع موجة من الرحيل خوفا من هجمات ثأرية.

لقد دفع الخوف من الهجمات الثأرية بعض العلويين إلى توجيه تحذيرات منذرة بكوارث مفادها أن مستقبلهم مهدد. نشر آفاق أحمد، أحد المنشقين من استخبارات القوات الجوية، التماسا مدته 10 دقائق على موقع «يوتيوب»، يقول فيه إن العلويين يتعين عليهم وقف عمليات الانتحار الجماعي. ويرجع أحد أسباب شهرته إلى أن عدد المنشقين من العلويين محدود.

«هل تستحق أسرة بشار الأسد أن تكون زعيمة العلويين؟»، سؤال طرحه أحمد. وأضاف: «في مواجهة جرائم من هذا الشكل، لا يمكننا أن نظل ملتزمين الصمت. علينا التمسك بمبادئنا الدينية والإنسانية، لأننا لو لم نفعل ذلك، فلن يرحمنا التاريخ مطلقا».

عادة ما يشير مسؤولون في نظام الأسد إلى أن آيديولوجيته العلمانية قد حافظت على التناغم بين ما أشاروا إليه باسم «الالتحام العظيم» بين الجماعات العرقية والقبائل المختلفة في سوريا. غير أن معارضين يشيرون إلى ذلك بوصفه واجهة لسيطرة العلويين، مستعيدين ذكرى قرون من التفرقة المريعة التي انعكست على الجغرافيا السورية.

عزل العلويون، الذين كانوا موصومين بوصفهم زنادقة إبان نحو 400 عام من الحكم العثماني وكانوا يجبرون على دفع ضريبة خاصة، أنفسهم في معاقل فقيرة في الجبال تطل على البحر المتوسط.

نشأت الطائفة العلوية السرية في القرن التاسع وتمزج تعاليم دينية من ديانات مختلفة معا، ولا يعتبر المنتمون إليها متعصبين؛ فعلى عكس معظم المسلمين التقليديين، يؤمنون بتناسخ الأرواح، على سبيل المثال، ولا يؤمنون بأن صوم رمضان أو حج بيت الله من الفرائض، ويمارسون طقوس العبادة في المنزل أو في مقابر القديسين، ويفتقرون إلى هيكل ديني.

أسست فرنسا، بوصفها القوة الاستعمارية، دولة علوية ساحلية منفصلة ظلت قائمة في الفترة من 1920 إلى 1936.

ومع الاستقلال، انجذب العلويون إلى الجيش وإلى حزب البعث العلماني، وأدى الانقلاب الذي أتى بحافظ الأسد إلى سدة الحكم في عام 1970 إلى توطيد هيمنتهم، الأمر الذي كان بمثابة صدمة لطبقة السنة التقليدية الحاكمة. قام حافظ الأسد بتضمين العلويين في صفوف البوليس السري والجيش، مما ولد خوفا منهم إلى حد أن السوريين كانوا يشيرون إلى أفراد هذه الطائفة عند حديثهم على الملأ عنها باسم «الألمان».

شكل الرئيس الراحل وحدات النخبة، التي يسيطر عليها الآن ابنه ماهر، والتي تمثل قوة الجيش الرئيسية المستخدمة في القمع. تعامل النظام بلا هوادة مع معارضيه العلويين؛ إذ كانوا يعتبرون خونة، وعادة ما كانوا يمضون ضعف فترات العقوبة التي يقضيها السنة عند ثبوت عضويتهم في المنظمات السياسية السرية. والآن، أصبح مجرد مشاهدة محطات فضائية معارضة للنظام السوري، مثل «الجزيرة»، بمثابة خيانة في أوساط العلويين.

يشير عدم تقبل المعارضة إلى عدم وجود حركة معارضة علوية (هناك صفحة على موقع «فيس بوك»، تحمل اسم «العلويون في الثورة السورية» وهناك حملة رامية إلى إحياء المظاهرات السلمية التي يشارك فيها العديد من الشباب العلويين.) انضم العلويون لأول مرة إلى اللجنة التنفيذية للمجلس الوطني السوري، الجماعة المعارضة الرئيسية في المنفى، في أبريل (نيسان) الماضي. أما كثيرون آخرون، فقد ثبطهم كل من هيمنة السنة على المجلس وخوفهم على أفراد أسرتهم في أرض الوطن.

وفي بانياس، على طول ساحل البحر المتوسط السوري الممتد لمسافة 100 ميل، يبرر المصير الذي حل بالخباز عبود، على أيدي العلويين، تلك الحالة من التردد.

يقول عبود، 57 عاما، مدرب كرة القدم السابق، إنه قد اعتقل ثلاث مرات وضرب ضربا مبرحا. وتلقى اثنان من أبنائه الثلاثة تهديدات بالقتل، وحاول الجيران مرارا وتكرارا إضرام النيران في منزله، كما تجنبه أصدقاؤه الذين عرفهم منذ الطفولة؛ بل إن حتى شقيقاته الثلاث ابتعدن عنه.

إلى أن اندلعت الانتفاضة، تجلت أسوأ مواجهات انتقامية بين السنة والعلويين أثناء المناوشات بين جماعة الإخوان المسلمين والحكومة قبل نحو 30 عاما. وفي الهجوم الأكثر ترويعا، قام متطرفون مسلمون بانتقاء بعض الطلاب العلويين بالكليات العسكرية في حلب لإعدامهم، بينما أطلقوا سراح آخرين. لم يغب ذلك الحادث المروع مطلقا عن أذهان العلويين.

بدمشق في ثمانينات القرن العشرين، تشكلت مجموعات جديدة من العلويين لتطويق العاصمة، التي أحيانا ما يشير إليها مواطنو المدينة بشكل ساخر باسم «المستوطنات». يقول سلام، 28 عاما، وهو رجل أعمال، نشأ في واحدة من تلك المناطق، إنه في بداية الانتفاضة، قامت الحكومة بتوزيع بنادق آلية هناك. يضيف سلام في حديث معه عبر برنامج «سكايب»: «قالوا لنا: «السنة سوف يقتلونكم. لقد بثوا الرعب في نفوسنا.. بالطبع، ثمة بعض الأفراد ضيقي الأفق في مجتمعنا؛ فصدقوهم، ولسوء الطالع، قبل كثيرون الأسلحة».

يجنح المتعاطفون مع المعارضة العلوية في المدن الأصغر إلى التزام الصمت، نظرا لأن «عددهم محدود جدا». قال وجدي مصطفى، الناشط العلوي الذي يعيش الآن بمنفى في كاليفورنيا: «سوف يقتلونهم». وأشار إلى أنهم مع ذلك يخشون البحث عن ملاذ بين السنة أيضا، خشية أن يقتلوا بسبب انتمائهم الطائفي.

ثمة كثير من الحديث الدائر عن احتمال انسحاب العلويين عائدين إلى الجبال في حالة انهيار النظام. ويتوقع آخرون أن تستهدف عمليات القتل الجماعي من قبل الجماعات المسلحة العلوية إحكام السيطرة على أجزاء الدولة التي يمكنهم الدفاع عنها في نزاع ممتد مع السنة.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه في خضم عقلية فرض الحصار، تأتي دلالات من حين لآخر على عقلية مختلفة.

على سبيل المثال، تشارك ريم، 28 عاما، ذات الشعر الأسود الطويل المجعد، في تنظيم مسيرات مناهضة للأسد في دمشق. وفي بداية الانتفاضة، لم يكن باستطاعتها كشف وجهها في قريتها أعلى طرطوس، على حد قولها. وفي النهاية، خرجت في مسيرات، مما أدى إلى صيحات استهجان من جانب جيرانها المؤيدين للأسد.

تقول ريم، التي لم تذكر سوى اسمها الأول فقط خشية الاتهام، إنها في زيارتها الأخيرة قبل شهر، لم ينتقد أحد كونها ناشطة سياسية.. «لقد بدأوا فهم الوجه الحقيقي للأزمة السورية، وهو أنها ثورة شعبية ضد نظام ديكتاتوري، لا ضد نظام علوي»، هكذا تتحدث ريم واصفة الصدمة التي اعترت الشباب في القرية حينما تحدثت عن وقوف الشباب العلويين والسنة والدروز جنبا إلى جنب في صف واحد في المظاهرات المعارضة للنظام في دمشق.. تقول: «إنهم مندهشون لسماع أن امرأة علوية سافرة وترتدي بنطالا ضيقا يمكن أن تقف إلى جانب امرأة سنية متشحة بالسواد في المظاهرات».

* ساهم في كتابة التقرير هويدا سعد من بيروت وأحد العاملين بصحيفة «نيويورك تايمز» من دمشق

* خدمة «نيويورك تايمز»

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*