الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » منابر الجمعة في مواجهة الفساد

منابر الجمعة في مواجهة الفساد

حذر عدد من الأئمة والخطباء والدعاة من الوقوع في الفساد بشتى أنواعه إداري أو اقتصادي أو تجاري أو أخلاقي، و قالوا: إن الفساد آفة لابد أن تحارب من الجميع وتستؤصل من المجتمع المسلم، والفساد أنواع ولا يجوز التحايل أو التدليس أو أخذ مال الناس بغير حق أو الإهمال في الممتلكات العامة أو إرساء المناقصات العمومية لغير أهلها نظير أموال أو منافع أو مكاسب غير مشروعة وأكدوا على دور منابر الجمعة والخطباء في التحذير من الفساد والتوعية والإصلاح، جاء ذلك في استطلاع «الجزيرة» مع عدد من الخطباء والدعاة حول دور المنابر في مكافحة الفساد.

فساد العقيدة

بداية، يؤكد إمام وخطيب جامع العويس بحي سلطانة في الرياض الشيخ محمد بن سعد السعيد الفساد بأنه ضد الصلاح قال صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) وقال صلى الله عليه وسلم (طوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس) رواه مسلم. والفساد في الأرض له أنواع كثيرة: أولاً: الفساد العقدي كالشرك بالله فهذا فساد في العقيدة والفكر قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله – عزَّ وجلَّ – (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) رواه مسلم، ومن الفساد الفكري والعقدي السحر وتصديق السحرة والمنجمين قال صلى الله عليه وسلم: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول كفر بما أنزل على محمد). ثانياً: الفساد في الأخلاق والتربية: كمن يلهثون وراء الشهوات والملذات المحرمة كشرب الخمور والمخدرات والمسكرات, والزنا واللواط. قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}.

ثالثاً: الفساد في الإدارة والأعمال: ومثال ذلك الخيانة وتضييع الأمانة، سواء خيانة الدولة وتسريب أسرارها للأعداء، أو الخيانة الزوجية، أو خيانة الشريك لشريكه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}، بل إن تضييع الأمانة من صفات المنافقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر) رواه مسلم، ومن ذلك شهادة الزور قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر,ثلاثاً, قلنا بلى يا رسول الله قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وشهادة الزور, وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت).

ومن الفساد الإداري: أكل أموال الناس بالباطل قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}، ومثال أكل أموال الناس بالباطل: أكل أموال الأيتام والأرامل والقُصر بحجة الوكالة والولاية عليهم، ومن يجمعون من الناس أموالاً على شكل المساهمات ثم يأكلونها ولا يعطونهم حقوقهم بحجة الخسارة وانهيار الشركة وإفلاسها، ومن ذلك من يخلون بالمسؤوليات العامة ويأخذون أموالاً من خزينة الدولة ومن أموال المسلمين بغير وجه حق مشروع وهذا من الغلول الذي حذر منه الإسلام قال تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وقال صلى الله عليه وسلم (هدايا العمال غلول)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض طُوقه من سبع أرضين)، ومن أنواع الفساد في أكل أموال الناس بالباطل تزوير الصكوك والمستندات والوثائق لما في ذلك من الكذب والاحتيال والاختلاس والكسب المحرم ولا تنسى ترويج المخدرات والمسكرات للربح المادي ولو هلك شباب المسلمين وضاعوا وتدمروا.

آثار سيئة

وخلص الشيخ محمد السعيد إلى القول: إن للفساد آثارا سيئة ووخيمة في الدنيا وفي الآخرة وعلى الفرد والمجتمع، فالفساد من شأنه الإخلال بالأمن، وترويع الناس والآمنين وإرهابهم وإخافتهم، وفيه أذية للناس، وتعريض مصالحهم للتعطيل والتأخير، وفيه ضياع لحقوق الناس، وظلم لهم، ويعرض المفسد نفسه للقبض علية وسجنه وتأديبه وقد يصل الأمر إلى إقامة الحد عليه بالجلد أو القتل، والفساد في الأرض ينزع البركة من المال أو تلفه أو خسارته ويعرض المفسد للعقوبة في الدنيا بالمرض أو الحوادث المرورية العاهات المستديمة، ودعاء المسلمين عليه، وتشويه السمعة ورفضه من المجتمع، إلى جانب الإخلال باقتصاد البلد على وجه العموم وقد تكون العقوبة عامة قال تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، فقد تكون العقوبة بالزلازل والفيضانات والسيول الجارفة والحروب الطاحنة كما فُعل بالأمم السابقة الهالكة وهذه سنّة الله في خلقه قال تعالى مبيناً مصارع الهالكين لتكون عبرة لمن بعدهم: (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)، إلى جانب العقوبة في الآخرة قال تعالى: (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41).

الاعتراف بوجودة

ومن جانبه استعرض مدير إدارة الموارد البشرية للأعمال الخيرية في مؤسسة الأعمال الخيرية لعمارة المساجد الشيخ مديهش بن محمد المديهش أنواع متعددة من الفساد: (الفساد العقدي، الفساد الذهني أو الطائفي، الفساد الفكري، الفساد الإداري، الفساد المالي، الفساد السلوكي والأخلاقي، فساد في المعاملات، فساد في الشهوات والرغبات.. متحدثاً عن كل نوع من أنواع الفساد ومورداً بعض الأمثلة عليها، ومستشهداً بالقرآن والسنة. ثم ذكر أسباب الفساد بأنواعه وقال: إن من هذه الأسباب، أسباب سياسية وتتمثل في ضعف مؤسسات المجتمع المدني، ضعف تطبيق الأنظمة، عدم الشفافية وعدم إيضاح حقوق الأفراد وواجباتهم (ما هو لك وما هو عليك)، وأسباب اجتماعية تتمثل في السلوك والعادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية وكذلك ما يحدث في المجتمع من كوارث وأزمات، وهنالك أسباب اقتصادية: وهي ناجمة عن الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها المجتمع نتيجة الحروب والصراعات والكساد والحصار الاقتصادي من بعض السياسات الدولية وارتفاع تكاليف المعيشة والجهل، وهنالك أسباب دينية تتمثل في ضعف الوازع الديني والانصياع لشهوات النفس الأمارة بالسوء وعدم مخافة الله، والحسد والتكبر ،وقد يجمع ذلك حب الدنيا وتغلغلها في القلب والموالاة والمعادات من أجلها.

وأبان أن طرق علاج ظاهرة الفساد تبدأ أولاً بالاعتراف بوجوده، وتأثيرها على الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص، واستيعاب حجم آثارها السلبية التراكمية على الاقتصاد، وينبغي أن يكون الهدف هو القضاء على الفساد كظاهرة والابتعاد عن الشخصنة واستهداف الذمم، يتطلب ذلك الاهتمام بالجوانب التشريعية والرقابية خصوصاً في القطاعات الحكومية، وكما أن الفساد استغرق وقتاً طويلاً في نموه، فإن علاجه أو التقليل من آثاره السلبية المواطن يحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد، فمن الطرق تطبيق الاستراتيجيات المضادة للفساد، وسن الأنظمة والتشريعات والقوانين والشفافية فيها والجزاءات الصارمة في حق المخالفين، توعية الموظفين لهذه الظاهرة الخطيرة وتداعياتها وتأثيرها على المجتمع وأخلاقياتهم ودورهم في الإخبار عن حالات الفساد في دوائرهم.

وفي هذا الصدد، دعا المديهش إلى عقد ندوات دينية في الدوائر الحكومية يحاضر فيها رجال دين حول دور الدين في القضاء على الفساد الإداري وكذلك في الجامعات، ووضع نظام مكافأة مالية لمن يقوم بالتبليغ عن حالات الفساد بشتى صوره، ووضع عقوبات وجزاءات رادعه وواضحة تناسب كل فساد وتحد من ظهوره مرة ثانية، وتحسين الظروف المعاشية للموظفين من خلال إيجاد كادر وظيفي مناسب لكل فئة تناسب وضعه الاجتماعي والأسري وتتناسب مع الظروف المعيشية للبلد. وشدد على أهمية الإعلان عن حالات الفساد بشتى أنواعه التي تم اكتشافها، وإتاحة الفرصة لخلق نوع من الإبداع والتطوير لدى الموظفين ومكافأتهم على ذلك، وتشكيل لجنة في كل دائرة حكومية للإصلاح الإداري لدراسة الواقع الإداري، وتغير سلوك واتجاهات العاملين لمحاربة الفساد وعلاج الانحراف وقت اكتشافه، وتوفير القيادات الشابة النشيطة المؤمنة بالتطوير والتغير ممن لديها مؤهلات علمية وخبرات علمية متراكمة ودعمها وتأهيلها، وضع الشخص المناسب في المكان المناسب بالاعتماد على الكفاءة والإبداع العلمي، ووضع نظام لتقويم الأداء للموظفين واعتماده كأسس للترقية وتقلد المناصب، وعدم اعتماد سنوات الخدمة فقط في إشغال المناصب الإدارية والمالية والفنية مع أهميتها ولكن يجب تزامن معها التحصيل العلمي والمعرفي، ووضع أدلة إنجاز المعاملات والاشتراطات المطلوبة لها ووضعها في كل مكان بارز في استعلامات الدوائر الحكومية في مقدمة المراجعين، تابعة معاملاته من أي مكان على شبكة المعلومات (الإنترنت) وتحديث البوابة الإلكترونية للجهة دورياً.

وأكد الشيخ مديهش المديهش أهمية تبسيط القوانين والتشريعات والأنظمة وجعلها أكثر شفافية وتوضيح مفرداتها لكي لا تستغل من قبل ضعاف النفوس من خلال استخدام الثغرات في القوانين، عقد اللقاءات الدورية بين رئيس الجهاز والمرؤوسين لديه للاطلاع على أعمالهم ومناقشتها وحل المشاكل والمعوقات التي تواجههم، وأداء قسم الحفاظ على الأمانة للموظفين الذين لديهم ذمة مالية أو الذين يشغلون وظائف قيادية للمحافظة على المال العام لعدم استغلال إساءة السلطة.

دور طلاب العلم

أما إمام وخطيب جامع والدة الأمير عبدالعزيز بن فهد بحي الفلاح الشيخ يوسف بن سليمان الهاجري فيستهل حديثه عن الفساد بالقول: حين تضعف الديانة تضمحل الأمانة، وتظهر الخيانة، وتباع الذمم، وتسترخص أرواح الناس، وتستباح حقوقهم، وينتج عن ذلك فساد الأحوال والأموال والإدارات والولايات، وتأخر العمران، وتقهقر الحضارة؛ إذ يسود أهل الجهل والغش، ويؤخر أولو العلم والنصح، وذلك من أمارات الساعة, وإذا كانت الخيانة، وعدم أداء الأمانة تضر ضرراً بالغاً في الحقوق الخاصة؛ فكيف إذا كان انعدام الأمانة، والتلطخ بالخيانة يصل إلى الأمور العامة التي يتأثر بها الجمع الكثير من الناس؟!

وربط فضيلته بين الأمانة والعدل، وقال: إن الأمانة لا توجد إلا حيث يوجد العدل، وإذا ساد الظلم ولدت معه الخيانة، وبالعدل والأمانة تزدهر الحضارة، وتتقدم الدول والأمم، ويعرف الناس حقوقهم وواجباتهم، وفي القرآن نجد الأمر بالأمانة، والنهي عن الخيانة، والتشديد في ذلك، كما نجد اقتران الأمر بالأمانة مع الأمر بالعدل؛ لأنهما صنوان، كما أن الخيانة والظلم أخوان قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ}, ونهى – سبحانه – المؤمنين عن الخيانة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}, وتعوذ النبي – صلى الله عليه وسلم – من الخيانة فقال: «وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» رواه أبو داود.

وروى فضيلته قصة الصحابي عياض بن غَنْمٍ – رضي الله عنه – عندما تولى ولاية في الشام لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال: لما تولى قدم عليه نفر من أهل بيته يطلبون صلته ومعروفه فلقيهم بالبِشر فأنزلهم وأكرمهم فأقاموا أياماً ثم سألوه في الصلة، وأخبروه بما تكلفوا من السفر إليه؛ رجاء معروفه، فأعطى كل رجل منهم عشرة دنانير -وكانوا خمسة- فردوها وتسخطوا ونالوا منه، فقال: «أي بني عم، والله ما أُنكر قرابتكم ولا حقكم ولا بُعد شُقتكم ولكن والله ما خلصت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي وبيع ما لا غنى لي عنه فاعذروني، قالوا: الله، ما عذرك، الله، إنك والي نصف الشام وتعطي الرجل منا ما جُهده أن يبلغه إلى أهله!! فقال: فتأمروني إن أسرق مال الله، فو الله لأن أُشق بالمنشار أو أُبرى كما يُبرى السَّفَن أحب إلي من أن أخون فلساً أو أتعدى وأحمل على مسلم ظلماً أو على معاهد…» رواه ابن الجوزي وابن عساكر.

وعلق الشيخ الهاجري على هذه القصة قائلاً: عند المقارنة في حال هذا الأمين – رضي الله عنه – بواقع المسلمين اليوم حين نظروا للولاية نظر تشريف، ولم ينظروا إليها نظر تكليف، فبذل كثير منهم في سبيلها دينهم، ومروءتهم ودفقوا من أجلها حياءهم، وأراقوا لها ماء وجوههم، ثم لما حصلوها حازوا الولاية أو الوزارة أو الإدارة لأنفسهم وأولادهم وقرابتهم، وحرموا مستحقيها منها؛ فوظائفها وميزاتها وأموالها وسياراتها حكر عليهم وعلى قرابتهم وعلى من يتملقون لهم، وعقود المناقصات فيها ترسى على شركات زوجاتهم وشركائهم حتى لا يُكشف أمرهم، والمسابقات فيها صورية، والإخلال بمواصفات العقود متحقق؛ لأن المستلم للمشروع هو المنفذ له والمنتفع به؛ حتى تقع كارثة من الكوارث بعد زمن، فتضيع دماء ضحاياها بين دوائر شتى قد نخر الفساد الإداري والمالي فيها، وكل طرف منها يلقي باللوم على غيره، ومع تعاقب الفساد بتعاقب الأجيال فلا أيسر من رمي اللوم على الأموات للتخلص من تبعات الكوارث..

الرشاوى المحرمة

وواصل فضيلته القول: ومن صور الفساد الرشوة فنفدت ثروات، وهدمت بيوتا، وأهانت نفوسا، وفرقت جماعات، وارتفع باطل، وغاب حق، وما كان ذلك إلا بسبب الرشاوى المحرمة والخصومات الفاجرة والإدلاء إلى الحكام بالباطل, وإنك لترى في المفتونين من هؤلاء من يزعم أنه ذو شطارة ودهاء، وقد عمي عمَّا أصابه من الأرزاء وتعب النفس والقلب وإيذاء عباد الله والاستغراق في الحرام، فتراه مع أقرانه بالفسق يتنابذون، بالحسد والكيد يتعاملون، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الخاسرون, ولقد جاء في الخبر عنه – صلى الله عليه وسلم -: «وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب»، «والراشي والمرتشي في النار».. وقد أخرج البخاري -رحمه الله- في صحيحه عن أبي حميد الساعدي – رضي الله عنه – قال: استعمل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- رجلاً من بني أسد, فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي – صلى الله عليه وسلم – فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا أهدي لي؟! فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيْعَِر». ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: «ألا هل بلغت». ثلاثًا, بلى لقد -بلّغ عليه الصلاة والسلام-، فوالله «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله؛ من أين اكتسبه؟! وفيم أنفقه؟!»، ورأى الشيخ الهاجري أن من أعظم أسباب تفشي هذا الفساد المالي والإداري في بلاد المسلمين قلة التوجه على أصحابه بالنصيحة والتذكير والمحاسبة حتى أمنوا العقوبة، فملئوا أرصدتهم بالأموال على حساب حياة الناس وضروريات عيشهم، وقال: ولإيقاف هذا الفساد الذي خلف العديد من الكوارث والتأخر فلا بد من المحاسبة في هذا الشأن العظيم ورفع الصوت به إنكارا ومحاسبة وتشهيرا.. وقد أنشأ خادم الحرمين الشريفين هيئة مكافحة الفساد في بلادنا تعزيزا لهذا المبدأ العظيم وحرصا على محاربة الفساد في شتى صوره.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*